#adsense

“وصمة 9 آب” بنظر عسكريين.. ريفي: بداية شعلة حرية.. أوغاسبيان: تخلّف ومأساة.. شربل: حقد وخوف

حجم الخط

قمة الضعف الافراط في القوة وذروة الجبن التنكيل بمدنيين عزّل، هذه هي حال الديكتاتوريات والتوتاليتاريات، وهكذا كان المشهد في 9 آب 2001. ففي ذاك الخميس، تجمّع طلاب “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” أمام قصر العدل في المتحف للمطالبة بالافراج عن رفاقهم الذين إعتقلوا في 5 و7 آب بالتزامن مع تجمّع للمحامين في الداخل.

كانت الحواجز تفترش الطرق المؤدية الى المكان، فراح الشباب يتسللون أفراداً ومجموعات لا تتعدى اصابع اليد. الرسالة الاولى لترهيبهم كانت كثرة الحواجز وضخامتها وشدة التفتيش والتدقيق، أما الرسالة الثانية فكانت ذاك المنظر المتخلف: صور الرئيس اميل لحود المنتصبة على الجدران المطلوسة أفقياً وعمودياً… غابة من الصور.

سلاح الشباب  كان حناجرهم التي تصدح “اه ويلا سوريا طلعي برا”، “سيادة، حرية إستقلال”، فكانت الرسالة الثالثة وبالمباشر إذ إنقضّ عليهم “رعاع” النظام الامني اللبناني – السوري من عناصر عسكرية بلباس مدني وإنهالوا عليهم بالضرب المبرح تحت أعين العالم مباشرة على الهواء، وبالطبع الامر ليس بهفوة بل بهدف زرع الرعب عبر الاثير في قلوب اللبنانيين.

هذا الخنق للحرية والانتهاك السافر للكرامة البشرية شكل وصمة عار بحق مرتكبيه ووسام إفتخار بحق ضحاياه. الغضب إجتاح نفوس كل من يتمتع بالحس البشري بين المدنيين أي يكن إنتماؤهم السياسي ولو كانوا على نقيض مع الشباب في طروحاتهم السياسية. ولكن ماذا عن أبناء المؤسسات العسكرية الذين إختاروا بزة “الشرف والتضحية والوفاء” لتعانق حياتهم، فيخدمون والوطن وأبنائه حين شاهدوا حفنة من العسكريين يعتدون على مدنيين جرمهم رفض الاحتلال، أي شعور خالجهم؟!!

ريفي: رأيت بداية شعلة حرية وإستقلال رغم ما إعتراني من مرارة وكآبة

“لا شك انه وامام مشهدية 9 آب، كنت متعاطف مع القضية التي يحارب لأجلها الشباب الذين ناضلوا وحملوا راية الحرية والسيادة والإستقلال إنما كنت مبعداً عن المراكز الاساسية ذات التأثير المهم باللعبة الأمنية”، يقول وزير العدل المستقيل اللواء أشرف ريفي الذي كان يومها برتبة عميد. إذ انه وفي العام 1998 عندما خرج الرئيس رفيق الحريري من الحكم وكان ريفي رئيس قسم المعلومات، نُفي الى مركز تدريب من المتعارف أن يرأسه ملازم او ملازم اول فأنيط به كنت عميد. وفي الـ2000 عندما خاض الحريري الإنتخابات وفاز فوزاً كاسحاً، طالب بإعادته الى المعلومات فرفض السوريون رفضاً قاطعاً عارضين عليه اي مركز آخر إلا المعلومات. وبعد الإصرار توصل الحريري معهم الى تسوية تقضي بعودته كرئيس قسم المفرزة الجنائية الخاصة.

يذكر ريفي انه كان يتطلع يومها الى ثلاثة قضاة كانوا رالف رياشي، بركان سعد وخضر زنهور الذين واجهوا محاولة تسخير القضاء لخدمة ممارسات الوصاية. إذ إنه وعند حضور محاميي الشباب، اصر النظام الامني اللبناني – السوري ان من صلاحيات المحكمة العسكرية محاكمة الشباب، فتم توجيه اعتراض الى محكمة التمييز برئاسة القاضي رالف رياشي الذي اصدر يومها قراراً تاريخياً للقضاء اللبناني اكد عدم صلاحية المحكمة العسكرية بمحاكمة الشباب، واُبطل توقيفهم من قبل المحكمة العسكرية. وعندما ازدادت الضغوط عليه، قدم القاضي رياشي استقالته رفضاً للتدخلات.

“أنا إبن المدرسة الحربية، وعند رؤيتي لمشهدية 7 و9 آب، إعتراني احساس بالمرارة والكآبة نتيجة التناقض بين ما تربيت عليه من مبادئ وطنية وما رأيته امام عيني من ممارسات لسلطة الأمر الواقع التي كان يجسدها السوري، وخضوع بعض من تدرب مثلنا تماماً لسلطة الامر الواقع هذه من دون اي رفض او إمتعاض او ممانعة، إلا اني رأيت في 7 آب بداية شعلة حرية وإستقلال، فهذه المحطة هي التي اسست للـ2005 ولثورة الإستقلال بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري”.

“في زمن الاحتلال يومها، كنا كعسكر ملتزمون بمؤسساتنا وإن كنا ممتعضين. ولكن رهاننا كان على الشباب الذين يناضلون من الخارج. وكنا نسعى قدر إستطاعتنا لتوسيع الإحساس بالوطنية والتحرر والإستقلال لديهم”، يخلص ريفي. 

اوغاسبيان: تصرفات النظام الامني السوري على هذه الشاكلة أدت الى ثورة الارز

“هذه مسألة تخلّف ومأساة تتنافى مع القيم الإنسانية والديمقراطية والحريات وتتناقض مع نظرتي للبنان واللبنانيين. فالذين قاموا بهذا العمل فشلوا بإسكات صوت الحق والحرية والسيادة وصوت الإنسان”، يشدد النائب جان اوغاسبيان الذي كان قائداً للحرس الجمهوري وتقاعد في العام 2000 برتبة عقيد في الجيش اللبناني ليدخل مضمر العمل السياسي.

“المؤسسة العسكرية براء من هذا الموضوع وهو ليس من شيمها وقيمها ومفاهيمها”، يشدد أوغاسبيان، ويضيف: “لا يمكن أن نلطخ إسم المؤسسة العسكرية بهكذا تصرف، بل من قام به بعض الوحدات التابعة للنظام الأمني السوري”. ويختم: “الممارسات والمخالفات من هذا النوع من قبل ذاك النظام الأمني أدّت الى ثورة الأرز”.

شربل: المسؤولية تقع على النظام الامني وعلى منفذي أوامره أيضاً

“كانت لحظة حزينة بحق الوطن والديمقراطية التي نتغنى بها. شعوري لم يتغيّر يوماً منذ ذاك الحادث، فقد رفضت هذا الموضوع منذ البدء وقد انزعجت كثيراً. إنو شو عملوا حتى ياكلوا قتل هالقدّ؟”، يسأل وزير الداخلية السابق مروان شربل الذي كان حينها قائد القوى السيارة في قوى الأمن. ويجزم: “لو كنت في حينها مسؤولاً على الأرض، بالطبع ما كنت لأسمح بأن تحصل “ضربة كف”، وكنت لأترك الشباب جميعهم يعبّرون بحرّية وديمقراطية طبعاً في ظل احترام القوانين والأنظمة. فالتظاهر يحميه القانون والدستور الذي لا ينص على أن نضرب المتظاهرين ونقمعهم إلا إذا خرجوا عن النصوص القانونية وقاموا بأعمال تخريبية. وهذا الأمر لم يحصل أبداً في وقتها”.

يومها تشاجر شربل مع العديد من المسؤولين، وسأل: “الى هذه الدرجة نحن كمسؤولين خائفون؟ خائفون ممّن؟ من شباب عزّل لا يحملون سلاحاً، يعبّرون بكلامهم عن رأيهم وعن الظلم الذي كانوا يعانون منه في ذلك الوقت. أين المشكلة؟ لا أقبل أن يُظلم أي أحد بهذا الشكل، ياكل قتل ويتشرحط ع الطرقات. من غير المقبول أن يتلقوا الضرب أمام قصر العدل بالذات. فهل من العدل أن يضربوا؟ هل تحرّك في حينها القضاء وحاسب الأشخاص الذين ضربوا؟”.

يؤكد شربل أن الامر كان خطأ كبيراً بحقّ الدولة اللبنانية وبحقّ القائمين عليها في ذلك الزمن. ويضيف: “أذكر أنني قرأت في الصحف أنّ المجتمع الدولي عبّر عنها بالقول: “وصمة عار”. على كل حال، سيبقى التاريخ يتذكر وستبقى الأجيال تتناقل هذه الأحداث الى جانب أحداث أخرى وسيبقى هذا الأمر عبرة لجميع المسؤولين الذين كانوا في ذلك الوقت وللمسؤولين الحاليين والمستقبليين كي نتذكرها دائماً ونقول “تنذكر وما تنعاد”.

على من تقع المسؤولية؟ يحمّل شربل المسؤولية الى النظام الامني يومها بقدر ما يحمّلها لمن طبّق أوامر النظام. ويختم: “بالنهاية سلطة الوصاية أعطتهم الأوامر لقمع الشباب ولكن كان عليهم ألا يبرحوهم ضرباً. فالمهمة الأساسية هي منع الشباب وهناك وسائل عدّة لتنفيذ الأمر مثل رشّ المياه. ولكن في وقتها كان هناك حقد.

أحمّل المسؤولية لكل المسؤولين في وقتها ليس فقط لسلطة الوصاية. الموضوع أخذ منحى سياسياً أكثر من أي منحى آخر”.

“وصمة 9 آب” عبرة بأن نظام القمع والاضطهاد مهما طال لا بد أن ينهار ويكون سقوطه مدوياً وأن عذابات المناضلين ستزهر حرية ولو بعد حين.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل