
في عام 2016، لا زالت المرأة اللبنانية التي تضاهي الأوروبية والأميركية علماً وثقافة وانفتاحاً، مكبَّلة بأبشع أنواع القوانين الرجعية. تتهافت معظم الفتيات اللبنانيات على الزواج، ويعتقدنَ أنّهن حين يتزوّجن سيصبحن مسؤولات عن منازلهنّ وحياتهنّ وأولادهنّ، ولكن يكتشفنَ أنّهن مسؤولات فقط عن الإنجاب والإطعام والتدريس وتربية الأولاد، بينما الوليّ الجبري على الأولاد هو رَجل، وإن لم يكن الزوج فقد يكون أباه! وبناءً على ذلك، لا زالت المرأة اللبنانية غيرَ قادرة حتّى على فتحِ حساب مصرفيّ لأولادها القاصرين.يَعتقد الناظر إلى اللبنانية التي ترتدي الجينز والملابس السكسي وتتسطّح بالمايوه على الشاطئ، وهي السهّيرة والضهّيرة المتألقة بالفساتين القصيرة والسينييه في السهرات، واللاهثة لساعات في “الدجِم” لشدّ معدتِها ورفعِ أردافها… يَعتقد أنّ عالم هذه المرأة بألف خير وحقوقَها بالحفظ والصون.
ويتراءى للناظر إلى المجتمع اللبناني أنّ المحامية والقاضية والصحافية والطبيبة وسيّدة الأعمال والموظفة في المصرف… سيّداتٌ على حياتهنّ وبيوتهنّ، ويعِشن نعيماً حقوقياً لا مثيلَ له.
الصورة غشّاشة إلى حدّ لا تَجعل الناظر يتوقع أنّ عدداً من القوانين اللبنانية لا زالت تَعتبر النساء “فستق فاضي” فقط لأنّ الله خلقهنّ على شكل أنثى. فالحقيقة أنّ المرأة اللبنانية تخفي وراء مظهرها الأخّاذ واقعاً قانونياً ذكورياً مزرياً يهمّشها بأقبح أشكال التمييز.
هو الولي
تؤكّد مستشارة تنمية المشاريع وتطويرها في الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية ريتا الشمالي في حديث لـ”الجمهورية” أنّ “قوانين الأحوال الشخصية في لبنان تضع وليّاً جبرياً على الولد، وهو ذكر، فلا يمكن للأمّ وحدها فتحُ حساب مصرفي لأولادها القاصرين، بل هي بحاجة لموافقة وتوقيع زوجها الذي يتحكّم بالحساب إلى حين بلوغ الأولاد”.
ولكن تشير الشمالي إلى أنّه “في عام 2009 قامت جمعية المصارف مع بعض المحامين بإيجاد بعض الحلول للمعوقات الناتجة عن خضوع المسائل المصرفية المتعلّقة بالقاصرين للولي الجبري وهو الأب أو الجد في حال غياب الأوّل، فسُمح للأمّ بفتح حساب ائتماني لأولادها القاصرين”.
تخطّي قوانين الأحوال الشخصية!
للوقوف عند مفاعيل هذا الحساب الائتماني وكيفية استخدامه، تحدّثت “الجمهورية” مع الدكتور بول مرقص، الذي قام بالدراسة لإرساء هذا الحساب، بتكليف من الاتّحاد النسائي التقدّمي وبالتعاون مع منظّمة “جوستيسيا” الحقوقية التي يَرأسها.
ويؤكّد: “تجنّباً لإدخال تعديلات تشريعية متعذّرة حاليّاً على قوانين الأحوال الشخصية المتصلة بالولاية الجبرية، لأنّ مجلس النواب وحركة التشريع معطّلان، وفي حين أنّ تعديل قوانين الأحوال الشخصية يثير حساسيّة لدى الطوائف عموماً، ارتأيتُ تطبيق قانون مدنيّ هو القانون 520 /96.
بمقتضى هذا القانون، تفتح الأم حساباً ائتمانياً بتوقيعها الخاص، وباسمِها لصالح ولدِها القاصر. المستفيد من هذا الحساب هو القاصر، أمّا صاحبة الحساب فهي الأم”.
ويَلفت مرقص إلى أنّ “القاصر يَستفيد من الحساب في العام الذي يبلغ فيه سنّ الرشد، إذ يصبح مالكاً له. والأهمّ أنّه لا يحقّ للولي الجبري التصرّف بهذا الحساب الذي غذّته الأمّ مِن مالها الخاص، على اعتبار أنّه لا يصبح ملكاً للولد إلّا عند بلوغ هذا الأخير عامه الـ 18، وعندها يتصرّف بملكِه مطلقَ التصرّف من دون العودة إلى الأب”.
ويشدّد مرقص على أنّه “حتّى لو توفّيت الأم قبل بلوغ الولد سنّ الرشد، لا يمكن للولي الجبري الاستفادة من الحساب أو التحكّم به من خلال وضعِ يده عليه، كونه وليّاً جبرياً، لأنّ الحساب يكون مجمّداً حتّى يبلغ القاصر سنّ الرشد، فهذا الحساب يستفيد منه الولد لدى بلوغه حصراً”.
الفرق بين حسابَي الأب والأم
يوضِح الدكتور بول مرقص أنّ “الحساب الذي تفتحه الأمّ لولدها القاصر يكون باسمِها هي، إنّما لمصلحة الولد الذي يملكه ويتحكّم به عند بلوغه الرشد. أمّا إذا فتح الوالد حساباً لابنه يكون الحساب باسم الابن، لكنّ التصرّف به يبقى حكراً على الأب الذي يضع به المال ويسحب منه بصفته الوليّ الجبري، حتّى بلوغ الولد سن 18”.
لا يمكن للأمّ أن تسحب المال على هواها من الحساب الذي فتحَته، خصوصاً أنه مجمَّد، بل تودع فيه فقط. فهو حساب إيداعي مثل “القجّة”. ويؤكّد مرقص: “لا مانعَ من أن تعود الأمّ عن هذه الوديعة الائتمانية فتقفلَ الحساب إذا كان مفتوحاً بشكل قابل للرجوع عنه، ولكن عليها أن تُقدِم على هذه الخطوة قبل بلوغ ولدِها سنَّ الرشد”.
عوائق
ترى مستشارة تنمية المشاريع وتطويرها في الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية ريتا الشمالي أنّ “هذه الخطوة أتت لتمكين النساء من فتحِ حساب لأولادهنّ والتخفيف من عبء قوانين الأحوال الشخصية”.
وتشير إلى أنّ “عدداً كبيراً من البنوك رحّبَ بالمرسوم الذي سَمح للنساء بفتح حساب ائتماني لأولادهنّ لدى صدوره، ولكن حاليّاً بعض المصارف المعدودة فقط تسمح للنساء بفتح هكذا حساب”، وتطالب الشمالي المصارف بأن تسمح للمرأة بفتح حساب ائتماني لأولادها.
وتوضح أنّ “كثيراً مِن المصارف التي لا توافق على فتح حساب ائتماني باسمِ الأمّ لمصلحة الأولاد تؤكّد أنّه في حال توفّيَت الأم أو دخلت في كوما مثلاً قد يَفتح غيابُها البابَ على المشاكل، إذ قد يطالب الوصيّ على الأولاد وهو الرَجل، أي الأب أو الجد، بحقّه في الولاية على المال حسبَ قوانين الأحوال الشخصية”.
الضحية
ويبقى السؤال، ما دام لا يمكن للولي الجبري وضعُ يدِه على المال، بحسب الدراسة التي أُنشئ بموجبها الحساب الائتماني الذي تفتحه المرأة لصالح أولادها، فلماذا لا تسمح العديد من المصارف للنساء بفتح حساب ائتماني لأولادها؟
وما دامت جمعية المصارف أصدرَت عام 2009 تعميماً يقضي بأن تسمحَ المصارف للنساء بفتح حساب ائتماني، فلماذا لا زالت العديد من النساء يقصدنَ المصارف حتى اليوم ليتفاجَأن بجواب الموظف بأنّ هذا التعميم غيرُ ساري المفعول لديهم أو بأنّهم ليسوا على عِلم به أصلاً، ومنها مصارف سبقَ أن أكّدت للهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية خلال استطلاع أجرَته أنّها تطبّق المرسومَ السامح للمرأة بفتح حساب ائتماني لأولادها. وهل تخوّف المصارف في مكانه أم أنّه مجرّد أوهام؟
أسئلة عديدة وحلقات ضائعة ضاعت معها أبسط حقوق النساء في مجتمع ضائعٍ أصلاً، تَدفع فيه الحلقة الأضعف المؤلّفة من النساء والأطفال ثمنَ الإهمال والتسلّط الذكوري المستشري والحاكم.