إفتتاحية “المسيرة” – الرئيس أولا…

منذ اتخذت “القوات اللبنانية” قرار عدم المشاركة في جلسات الحوار التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة كانت تدرك أن هذا الحوار سيكون عقيماً. ومنذ قررت ألا تشارك في حكومة الرئيس تمام سلام كانت تدرك أن الأولوية هي لرئاسة الجمهورية وليست لحكومة تحل محل الرئيس لأنها في استراتيجيتها اعتبرت دائمًا أن انتخاب الرئيس هو الأساس وأن كل المواضيع الأخرى تأتي لاحقاً وتخضع للبحث. وفي كل ذلك لم يكن هدف “القوات اللبنانية” انتخاب أي رئيس بل رئيساً يستطيع أن يعيد للرئاسة هيبتها وللجمهورية قوتها. كان ذلك قبل أن تنتهي ولاية الرئيس ميشال سليمان واستمر بعد الفراغ في قصر بعبدا لأن المطلوب واحد بينما يهتم الآخرون بأمور كثيرة.

عندما ترشح قائد “القوات اللبنانية” بشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية في 5 تموز 1982 كان هدفه استعادة الجمهورية. وعندما انتخب في 23 آب 1982 شعر اللبنانيون فجأة أن هذه الجمهورية عادت. كانوا يعرفون الرجل و”القوات اللبنانية” ويدركون أنه لن يقبل بجمهورية المزرعة بل بجمهورية الفرص والحقوق والواجبات. جمهورية قوية ضد من يريد تركيعها وضد الفساد والصفقات. جمهورية تبني الأمل وتؤمن الإستقرار وتحافظ على سيادتها وحرية أبنائها.

عندما اغتيل الرئيس المنتخب في 14 أيلول 1982 كان الهدف اغتياله كشخص وكرئيس وكمنقذ للجمهورية واغتيالاً لهذه الجمهورية التي أرادها أيضاً. منذ قامت “القوات اللبنانية” كان هناك صدام بينها وبين النظام السوري الذي أراد أن يجعل من لبنان محافظة ملحقة به يملك قرارها بالكامل ولذلك كانت المواجهات مستمرة معه.

عندما ترشح رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع للرئاسة في 4 نيسان 2014 كان يحمل في برنامجه الأهداف نفسها والعنوان نفسه “الجمهورية القوية”. ولكن يبدو أن مثل هذه الجمهورية لا تناسب الذين يريدونها أن تبقى مزرعة.

كانت المعركة محصورة أساساً بينه وبين العماد ميشال عون ولكن إذا كان الترشيح غير مرتبط بشروط وعراقيل واعتراضات فإن الإنتخاب كان ممنوعاً ليس على الدكتور جعجع فقط بل على العماد عون أيضاً. كان المطلوب ألا يكون هناك رئيس للجمهورية اللبنانية وربطاً بهذا الرفض بدا أيضاً كأن المطلوب ألا تكون هناك جمهورية من الأساس.

وعندما رشح الدكتور جعجع العماد ميشال عون في 18 كانون الثاني 2016 من معراب لم يكن الهدف إلا استعادة الجمهورية أيضاً. وإذا كان البعض اعتقد أن هذا الترشيح سيخرق جدار التعطيل ويدفع إلى إنهاء الفراغ فقد أثبتت الوقائع أن الفراغ هو الهدف. وإلا كيف يمكن تفسير عدم ضغط “حزب الله” لإتمام عملية انتخاب العماد عون؟ فالحزب من خلال التجربة أثبت أنه يريد العماد عون مرشحًا ولا يريده رئيساً. يريد إقفال الطريق إلى قصر بعبدا وأن يدفن الجمهورية ويضع حجرًا على قبرها لأنه يريد أن يبني جمهوريته ودولته وجيشه وأن يطبق استراتيجيته التي قام ونشأ عليها وعمل على ترسيخها بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005 ليكون عهد الوصاية البديلة.

لقد كشفت جلسات الحوار الثلاثة التي انعقدت في عين التينة في 2 و3 و4 آب الحالي ما كان مخفيًا من شروط تمنع انتخاب رئيس. أكثر من ذلك كشفت أيضاً أن هذه الشروط مخيفة أكثر. وقد كان رئيس “القوات” الدكتور سمير جعجع الأسرع في التعبير عن هذه النكسة عندما اعتبر أن الحوار لم يكن إلا ملهاة كبيرة ومأساة صغيرة. وإلا كيف يمكن أن يفهم سبب طرح تلك الأمور التي طرحت دفعة واحدة: انتخاب رئيس وانتخاب مجلس نواب غير طائفي وتشكيل مجلس شيوخ وتطبيق اللامركزية الإدارية. وكيف يمكن أن يفهم بعد ذلك خروج الرئيس بري الذي يرعى الحوار ويسيِّره ليقول إن لا إمكانية لانتخاب رئيس إذا لم يتم الإتفاق على هذه السلة معتبراً أن انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية لم يكن ليحصل لو لم يكن ضمن التفاهم الكبير الذي حصل في الدوحة وشمل رئاسة الحكومة والثلث المعطل وتقسيم الدوائر الإنتخابية وقانون الإنتخابات. ولكن ما حصل في عين التينة يتجاوز ما حصل في الدوحة.

تسوية الدوحة أتت بعد عملية “حزب الله” العسكرية الإنقلابية في 7 أيار 2008 بعد سبعة أشهر على الفراغ في قصر بعبدا. بينما تعطيل الإنتخابات الرئاسية اليوم يأتي بعد خمسة أعوام على غرق “حزب الله” في الحروب السورية. فهل يجب أن تكون هناك عملية 7 أيار جديدة في لبنان من أجل أن يعيد الحزب فرض شروطه الرئاسية والحكومية والإنتخابية؟

لا بد من التوضيح أولاً أن “القوات اللبنانية” كانت معارضة للطريقة التي تمت بها التسوية في الدوحة. لا يمكن تقديم التنازلات تحت التهديد العسكري. وهذا الموقف لم يتغيّر ولم يتبدل لدى “القوات”. إذا كان “حزب الله” يستقوي بحربه في سوريا فهذا لا يعني أن المطلوب الخضوع لشروطه. ولذلك لم تشارك “القوات” في الحكومة إلى جانب الحزب ولم تذهب إلى طاولة الحوار.

الحديث اليوم عن أن لا انتخاب رئيس قبل ما يسمونه الإصلاحات أو تطبيق ما تبقى من بنود الطائف بصورة انتقائية وسلبية وسيئة، يشبه إلى حد كبير ما كان يقوله النظام السوري قبل الطائف وبعده من أن لا انتخاب رئيس قبل إقرار الإصلاحات الدستورية وتطبيقها.

الطائف كان تسوية للخروج من الحرب. البعض أراده هزيمة للمسيحيين تمهد لإلغاء دورهم في الحياة السياسية. وهذا ما طبقه النظام السوري بعد اغتيال الرئيس رينيه معوض والبدء في تنفيذ قرارات التعيين من الياس الهراوي إلى إميل لحود إلى الوظائف الدنيا في دوائر الدولة. لم يكن هذا التطبيق على مستوى الرئاسة فحسب. الطائف نص على سحب سلاح الميليشيات كلها وعلى انتخابات نيابية تؤمن التمثيل الميثاقي الصحيح وعلى اللامركزية الإدارية الموسعة وعلى مجلس الشيوخ وعلى تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية. والطائف أكد على استعادة الدولة سيادتها على كامل أراضيها. وجاء القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي ليؤكد على هذا الطائف وبعده جاء القرار 1701 ليشكل الآلية التطبيقية لاستعادة السيادة. وإذا كانت هذه السيادة هي الهدف الأساسي لقيام الدولة فإن رئاسة الجمهورية تبقى البند الأول في خارطة الطريق.

اعتبر البعض أن الطائف يعني أن المناصفة في مجلس النواب لا يجب أن تعني أن يكون النواب المسيحيون ممثلين لطوائفهم بل أن يتم تعيين هؤلاء وأن العدد يبقى أمرًا شكليًا. وعلى هذه القاعدة اعتبر البعض أيضًا أن الرئيس المسيحي لا يجب أن يكون ممثلاً وقويًا بل أن يتم تعيينه أيضًا كما يتم تعيين النواب وكما كان يفعل النظام السوري: يحدد قانون الإنتخاب. يسمي النواب. يطلب منهم انتخاب رئيس. يطلب من الرئيس أن ينفذ ما يريده منه.

تدرك “القوات اللبنانية” خطورة هذا الوضع كله. هي لا تنظر إلى الرئاسة من الزاوية التي تؤمن التمثيل المسيحي في الحكم فقط بل من زاوية استعادة الحضور الوطني ودور الدولة واستعادة هوية لبنان في شكل أساسي بعدما ضاعت هذه الهوية 15 عامًا في ظل عهد الوصاية وخمسة أعوام في ظل عهد الإغتيالات وخمسة أعوام في ظل عهد المشاركة في الحروب السورية. وهي تعرف أن لبنان من دون رئاسة قوية لا يبقى وأنه سيتحول إلى ساحات مواجهة مكملة لما يحصل في سوريا والعراق واليمن والخليج. وهي تدرك أيضًا أنها في النهاية لن تتخلى عن الدور التاريخي الذي تكفلت به وكلفها شهداء ودماء وتضحيات في خلال الحرب وبعدها. وهي تؤمن أن الرئيس المطلوب اليوم يجب أن يكون جسرًا للعبور نحو طائف حقيقي يعيد التوازن إلى الحياة السياسية والدور إلى الدولة ويلغي الدويلة بدل البحث عن جنس الملائكة في حوار بيزنطي عقيم وحتى لا يبقى هذا الحوار ملهاة كبيرة ومأساة صغيرة يبكي فيها الجميع في النهاية على وطن لم يعرفوا كيف يحافظون عليه وأرادوه جسر عبور إلى أوطان أخرى، وإن كان في النهاية لن يصح إلا الصحيح ولن تكون القيامة إلا للبنان الحقيقي برئيس حقيقي وسيادة كاملة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

خبر عاجل