#adsense

…  حين دبك لبنان في عنفوان مهرجانات الأرز

حجم الخط

وقف سمير جعجع حول الموقدة، سألوه “حكيم منشوي بطاطا؟” ضحك “شو رأيكن لو بتحطوني أنا بالنار بلكي بدفا شوي؟” نادى على المخرج باسم كريستو “باسم ليش استعملت تقنية الصور الثلاثية مع نانسي بس؟” يجيب باسم بما يجب، ينده الحكيم على المهندس إيلي رزق “إيلي من بكرا بدي حلّ للعطل التقني الطارئ اللي صار بالمهرجان”. وذهب الجميع الى العشاء الذي تلا المهرجان…  كنا نعلم ما ينتظرنا ولكننا ما علمنا شيئا لما أصبحنا فوق. بحماس مشاعر الصيف، وبلهفة اللقاء وبمعرفة شبه تامة لما سيجري، وبعدما ملأنا الصفحات وأفرغنا القلم من حبره عن الاستعدادات لمهرجانات الأرز، حانت اللحظة، حملنا مؤونة الثياب الدافئة وصعدنا الى حيث الهواء لا ينحني لا لحرارة شمس ولا للهيب آب ولا لصيف مهما تعاظم لهيبه تجده منهكا على عتبة صقيع الأرز وجبروته، في الليلة الأولى قلنا خلص انتهى الإدهاش، وفي الثانية قلنا شو بعد في أكتر من هيك؟ وفي الثالثة والرابعة سنقول وسنقول…

“هيدا مهرجان إلو صاحب” قال سمير جعجع. صحيح، هذا مهرجان تبدأ تفاصيله من الطريق الطويلة باتجاه الأرز وصولا الى لحظة المغادرة. قلت في سري ما سأكتشفه بعد في ليلة ماجدة الرومي؟ من زمن لم أحضر تلك السيدة مباشرة على المسرح، آخر المرات كانت منذ نحو سبعة أعوام في مهرجانات بيت الدين، لم نشأ أن نراها عبر النقل المباشر لتلفزيون الـ mtv، من لم يحضر الحدث مباشرة غاب عنه حدث آخر بحد ذاته، التفاعل وما يجري وذاك الإحساس الغريب العالي بفرح الحياة، كي لا أتهم بالمبالغة وأقول، الإحساس بالانتماء المطلق للوطن ويا ويل من يتجرّأ ويمد يده إليه!!

طورزا أول قرى القضاء، شمس متهالكة، اليوم حار من دون شك، قرية بعد قرية تتوالى المشاهد من نوافذ السيارة، نظافة مطلقة، من حين لآخر يافطة إعلانية باسم نائبي القضاء ستريدا جعجع وإيلي كيروز ترحب بالوافدين، مكان جميل، ضيع ما زالت تسرح فيها الضيعة بنهم الشوق الى تاريخها وعراقتها.

“وين صرنا؟” هذه ساحة حصرون، صف رجال الى مقهى وأركيلة يراقبون الوافدين، ما عادوا يجيبون عن السؤال الذي تكرر مئات المرات في خلال يومين “من هون طريق الأرز؟” يشيرون بأياديهم وبسماتهم الى الأمام ليكمل من لا يعرف الدرب بعد تماما.

وصلنا بشري عند السادسة، عند أبوابها يتجمهر شباب وصبايا من طلاب “القوات اللبنانية”، يستقبلون الوافدين ويقدمون لهم هدية رمزية كناية عن أرزة من خشب، رمز بلدتهم، مع زجاجات المياه “أهلا بربكن ست فيرا” يصرخ أحد الشباب، لا تعبر من المكان من دون صرخة حب خصوصا إذا كنت في مرمى معرفة أبنائه، ونحن فوق في قلب قلبهم.

تضج الساحة بالناس، الحركة كثيفة والناس منذ نحو الشهرين ينتظرون الحدث، عند أبواب المهرجان ترجلنا، مواقف السيارات مزدحمة ولا زحمة، باصات النقل تتولى نقل الوافدين الى ساحة المهرجان وفي داخل كل منها صبية تهتم بالناس، تستقبلهم ترشدهم وتودعهم متمنية لهم تمضية أوقات ممتعة في مهرجانها… مهرجانها؟! هذا هو التعبير المعتمد فوق، هكذا يقول أهل المنطقة وبشري.

نصل الى موقع المهرجان، من حوله مقاه استحدثت لاستقبال الزوار، كل شيء موجود، تجلس الى فنجان القهوة تمزمزه على رشفة الشمس وهي تغطس في المغيب، تنتحر في أفقها وتترك ذاك الغبار الأرجواني متناثرا في الأرجاء، صوت ماجدة ينساب من حين لآخر، السيدة تتمرّن، تدور في المكان لتلتقط الصور مع رفاق وأصدقاء وذاك الجبل، كيف تبدو وأنت على كفه؟ ليس أكثر من تفصيل صغير، في تاريخ المكان كلنا تفاصيل صغيرة أمام عظمة جبل مماثل، شجر أرز مماثل، تاريخ مماثل، وكان من الضروري أن يقارب المهرجان هذه العظمة، لن يستطيع بالتأكيد، لكنه حاول ويحاول، نجح ويجاهد ليصل الى أعلى مراتب النجاح بعد.

حانت الساعة المنتظرة ودخلنا بعد تفتيش دقيق دقيق لنجلس الى أماكننا، كل شيء يخضع لتنظيم دقيق، كل شيء محسوب فوق كي لا يتذمّر أحد، برد كثير، واللجنة المنظمة وزعت أكياس تدفئة خاصة، هنا الأرز وهنا لا صيف يعلو على علو الأرزات، تسلحنا بمؤونة الألبسة الشتوية التي حملناها معنا وجلسنا ننتظر ما لم نكن ننتظره فعلا، وبدأ حفل الإبهار غير المتوقع، الى طرف العين جبران خليل جبران بالليزر محفور الوجه على صفحة الجبل، جبران الذي استقبل العالم قبل اللجنة المنظمة، جبران العالمي فاق حضوره الإنارة المدهشة والتقنيات العالمية التي تستعمل للمرة الأولى في لبنان، قلنا سابقا إن حضور جبران  بين أرزه  لم يغب منذ غياب جبران منذ خمسة وثمانين عاما.

صعدت ستريدا الى المسرح، أناقة خالصة متلالئة بثوب مبدع لبناني آخر عالمي، إيلي صعب، تلك السيدة منظومة رقي حكاية نضال عصامية دخلت الى الحياة السياسية مدللة لتصبح أولى المناضلات وليس آخرهن، قالت كلمتها العميقة الأبعاد، تحدثت عن جبران، بحب بالغ، بشغف الحب والفخر لرجل عبقري من لبنان، تحدثت الى أبناء جبة بشري، وكأنهم يتسامرون وجها لوجه في جلسة وكاس، كانت سعيدة، هي الوجه الجميل القامة الممشوقة النشاط الذي لا يستكين، عيناها تبرقان من فرط الفخر والفرح، مهرجانات الأرز من تعبها وتعب اللجنة المنظمة وأهل بشري والناس المتعاونين في القضاء كافة، قالت كلمتها المتحلقة حول جبران خليل جبران ولبنان ولتختم وهي تمد يدها باتجاه السماء “هذا أرزك يا لبنان هذا مهرجانك يا أرز لبنان فلتشع أنوارك في سماء لبنان” واشتعلت السماء والجبل والمكان بالمفرقعات النارية، كان حصارأ أحمر أصفر أزرق ملوّن متضارب متمازج متخالط الألوان والبريق، وقف الناس وسط الذهول يصرخون، وانطلق الحفل.

لا نعرف كيف تحول ذاك المجسّم الذي يمثل بيت جبران خليل جبران، الى لعبة سحر تنقلنا، تنقلنا في أرجاء البيت وجبران دليلنا يحوم حولنا بكلماته بصوته بحضوره بكتابه برسوماته، على ضوء القنديل الحنون حينا، تحت وطأة إنارة مشعة أحيانا، دخلنا دنيا العبقري، اقتحمنا عليه هدوء السنين وهو رحب بالحضور، تجوّل فيما بيننا بوضوح تام “حاسة جبران قاعد حدي” قالت لي صونيا صديقتي، “ما تخافي ما بيعمل شي غير انه بيخلينا نشتاق” قلت لها مطمئنة، وذهب جبران ليفسح في المجال لدخول النجمة…

…ودخلت ماجدة الرومي بالأبيض المقصّب ذهبا، جن الناس تصفيقا، حكايتها والناس عتيقة، هم ليسوا معجبيها ولا هم أصدقاؤها، هم ناسها، أهلها، بيتها اللبناني الكبير تلك الكبيرة في فنها وألقها وكبريائها ووطنيتها الصافية، تلك المرأة التي لا تكبر سنا بل قيمة وتبقى طفلة الحب تلعب على مسارح الوطن وتزرعه من حالها كل ذاك الحب والإبداع والفن الراقي اللبناني الأصيل.

غنت ماجدة من خوابيها كل نبيذها المعتّق في ضمير الناس، غنوا معها وعنها أحيانا، على رغم الصقيع لم يبردوا، كانت أمسية الدفء، أمسية الحب، أمسية الدبكة والتراث اللبناني الذي اختتمت به ماجدة أمسيتها هي التي تعرف كيف تضرب على وتر الوطن ليبقى ناسها في الوطن في كل الأوقات، حملت العلم ولوحت به لنا كأنها تدعونا ألا ندعه يفلت من أيادينا، لم أشهد بعد في زمني على امرأة ترسل هذا الكم من رسائلها بحركة أو لفتة ولا أقول الأغنية، غنت كل شيء ماجدة في تلك الأمسية المبدعة وتراقصت خلفها الإنارة والصور بحسب مزاج الأغنية ونوعها، صوتها المدهش ترافق والإنارة المدهشة، والتلاعب المدهش بالإضاءة، وفجأة انتهت السهرة، هدأ جنون الوطن الذي تمايل على وقع فرقة الدبكة والصوت لـ بيودي لأبعد من البعيد، ذهبت ماجدة، تركنا مقاعدنا وبقينا هناك بقلبنا المرتجف دهشة في انتظار ما ينتظرنا في الغد…

ماجدة الرومي: لو أرزنا بيحكي

في الليلة الثانية حضرت الرومانسية والرقة مع نانسي عجرم، وصوت الجبل ذاك كأنه متهالك من كعب الأرزات مباشرة، صوت عاصي الحلاني، تقول وماذا سيحصل أكثر بعد مما حصل في الليلة الأولى؟ ويأتي الجواب ما أن تجلس الى مكانك وتنسى حالك لتصبح وكأنك من ضمن تلك المشهدية، بيت جبران، كلمات جبران حضوره الغريب لألف مرة أكرر.

اليوم الثاني أشد بردا من الأول، لا يهم، الكل محصّن، صعدت نانسي بثوبها الأبيض الأنيق عروس الأرز الرقيقة، تلجت الدني في صوتها الدافئ، أحلى أغانيها توالت بانسيابية الصوت والحضور، بردت، ألبسوها معطفا، نزلت عن المسرح لتجول بين الناس، وقفوا لها، رقصت ستريدا والحضور على وقع أغانيها الراقصة، فنانة حاضرة بكل رقيها، بكل ذاك الصوت الجميل العذب.

غنت وأطربت وأبدعت وذهبت نانسي على وقع التصفيق الحاد ليأتي من وصفه الحكيم بـ”صوت الأرز”، تعبت الدبكة ولم يتعب عاصي الحلاني تلك الليلة، في تلك الليلة تحول المسرح الى دبكة البعلبكية، الى الحِدا والعتابا والميجانا، زرع  ابن الضيعة والتراث ضيعته في كل النغمات والدبكات، لبنان العتيق الأصيل في خبطات الأقدام حوّلت المسرح الى جبهة لم تطلق من فوقها النيران، إنما سهام الحنين، تعرفون ذاك الحنين الموجع للأرض للوطن للبنان الوجع الحب المستحيل، للبنان الضيعة والكبة بالجرن والتبولة وكاس العرق، وأيضا وقبل كل هذا، لبنان الرجال الرجال الأشداء، ناس البواريد حين تحملها لتزود عن شرف الأرض والعِرض.

لم يبق أحد الى مكانه في القعود، جنّ الحضور، صعدت ستريدا الى المسرح تشبك يديها مع فرقة الدبكة، دبكت الأضواء والتقنيات على وقع جنون عاصي، جنون وليس أقل، وذاب المكان في اللحظة، ساعة ونصف الساعة كانت لحظة “يي خلص؟” نعم خلص، كان يجب أن نعود، مشوارنا طويل الى بيروت، الى البقاع، الى الجبل، مر يومان ونحن في الأرز… الأحرى سكن الأرز فينا، سكنتنا تلك الأضواء المدهشة، تلك التقنيات غير الاعتيادية، ذهب الفنانون الى تكريمهم من قبل سمير وستريدا جعجع، تركوا المسرح وبقيوا في قلوب الناس وأهل المكان، وفي مهرجان كتب لهم حضورا إضافيا مكللا بمجد اللحظات، أما من سأل لماذا لم يحضر الدكتور جعجع المهرجان، نجيب أنه كان حاضرا وعلى بعد أمتار قليلة من المكان يراقب التفاصيل كافة، الضرورات الأمنية غيّبته عن الحضور الى المسرح لكنه كان من أكثر المراقبين له، وما ان انتهى المهرجان طالب الحكيم اللجنة المنظمة ببدء التحضيرات للسنة المقبلة.

كبيرة حراس الهيكل والأميرة

لم يكن هذا مهرجانا فنيا وحسب، لم يكن عرسا في التقنيات المبدعة والأضواء المبهرة، التي تتكرر في ليلتين مماثلتين مع فرقة كركلا العالمية، لم يكن جبران خليل جبران وحسب، كان حضور الأرزات فينا، وفي العادة حضور كهذا لا يترك سوى أثر واحد لا يقبل بديلا، عظمة هذا الوطن، وفخر الانتماء إليه، شو حلو تقول أنا ابن الأرز، أنا بنت الأرز وليكرج لبنان فرحا ومهرجانات وذاك النضال…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل