
20 كانون الثاني 1976 يوم مشؤوم في تاريخ اللبناني عامةً والدامور خصوصاً، حيث هاجم مقاتلو “منظمة التحرير الفلسطينية” يومها ومن لف لفيفهم بلدة الدامور الراسية على الساحل الشوفي، فقتلوا وذبحوا عدداً من سكانها ولم يوفّروا النساء والاطفال والشيوخ.
المعركة التي استمرّت على نحو 13 يوماً، حاول أهل الدامور التصدي للغزاة ببطولة وباللحم الحي على الرغم من قلّة العديد والعتاد، ولكن المخطط كان أكبر من قدرتهم على إيقافه بوجه الجحافل المزودة بالأسلحة الثقيلة من مدافع ودبابات والتي شنت هجوماً إستخدمت فيه 5 الآف مقاتل فيما البلدة أضحت محاصرة وساقطة عسكرياً، ومع إرتفاع عدد الشهداء في صفوف الاهالي والذي تخطى ستمئة شهيد.
حينها هرب من نجا من الهجمة البربرية في البساتين الى السعديات حيث لجأ إلى الزوارق فاستقلها الى جونية. ترك الاهالي ارضهم وبيوتهم واموالهم وعاث بها الغزاة خراباً ونهباً واستولوا على كل شيء. لكن الاهالي نجحوا بأن يأخذوا معهم من كانت دوماً ملجأهم وإختبأوا خلال الهجوم عند مذبحها “أيقونة السيدة العذراء” التي كانت موجودة في كنيسة سيدة النجاة.
.jpg)
هذه الأيقونة لطالما عنت الكثير لأهالي الدامور، والدليل على ذلك أنهم تركوا أرضهم وبيوتهم ومجوهراتهم وأخذوا الأيقونة معهم بحراً الى جونية، في تلك الرحلة الى المجهول، الى التشرد، الى التهجير والمعاناة. واليوم، بعد 40 عاماً على ذكرى المجزرة وبعد العودة التدريجية، ها هم أهل الدامور يعيدون “السيدة” الى مذبحها وأهلها بالتزامن مع تدشين الكنيسة في عيد انتقال السيدة العذراء بعد إستكمال بنائها.

كاهن الرعية الأب اميل الرامي أوضح ان هذه الأيقونة قديمة العهد ولا تقدّر بثمن، وعائدة لعام 1870، ورسمها الفنان الكبير داوود القرم، وتحمل كل أفراح وأحزان أهالي الدامور لأنها واكبتهم بجميع مناسباتهم.
وروى الأب رامي لموقع “القوات اللبنانية” الالكتروني ان الأيقونة “لفّت عحالها” عندما احترقت الكنيسة خلال هجوم كانون الثاني 1976. وبعد ثلاثة أيام تمكن الأستاذ أديب شكيبان مع راهب يسوعي وهو الأب كليمون، من دخول الكنيسة فوجدوا الصورة، وتم نقلها لترافق ابنائها في “جلجلة التهجير” حيث وضعت في مطرانية بيروت المارونية بعهدة المطران اغناطيوس زيادة آنذاك.

من جهته، أكد أمين سر بلدية الدامور جوزف شعيا في حديث الى موقع “القوات” أهمية عودة الأيقونة الى الكنيسة وأهمية ترميم الكنيسة ككل، مشيراً الى ان هذه الخطوة تشكّل مرحلة مفصلية في الدامور.
شعيا لفت الى ان كل بيت يُبنى أو حجر يوضع هو نداء لكل أبناء الدامور المغتربين للعودة الى أرضهم، معتبراً ان كنيسة السيدة معلم روحي وتاريخي في آن لأهالي البلدة فهي تحتضن إيمان وصلوات الاجداد وشاهدة على معاناة الاهلي، فالأيقونة تهجّرت معهم وعادت معهم. واضاف: “عودة الايقونة علامة لتكريس عودة كل أبناء الدامور الى بيوتهم، بما تحمله معها من دلالات تاريخية واجتماعية ودينية”.
ولفت شعيا الى ان استعادة كؤوس القربان المقدّس الى كنيسة مار الياس ورفات الأموات العائدة لأبناء البلدة الذي دفنوا خارج أرضهم، والأيقونة العجائبية، خطوة مهمة لحضّ المغتربين والمقيمين خارج الدامور للعودة، وللدلالة على تشبّث الأهالي بأرضهم ومقدساتهم. وأوضح ان البلدية حريصة كل الحرص على مواكبتها كل المواضيع المتعلّقة بعودة أبناء الدامور الى أرضهم أكثر من أي موضوع آخر.

بدورها، أشارت رئيسة فرقة “إم البسمة” في “الحركة الرسولية المريمية” بشرى عون الى قدسية هذا العمل الذي تعاون أهل الدامور للقيام به مشددة على نعمة حضور هذه الايقونة بين أبنائها، ومشيرة الى إقامة قداس إحتفالي في باحة الكنيسة يوم الأحد، وأخر يوم الاثنين بحضور المطرانين بولس مطر، راعي أبرشية بيروت المارونية وميشال عون راعي أبرشية جبيل وابن الدامور، لإزاحة الستارة عن الأيقونة.

وأشار أحد أبناء بلدة الدامور جورج غريّب، الى موقع “القوات” أن إعادة الأيقونة الى البلدة أمر عظيم ويحمل الكثير من المعاني والدلالات لأهل البلدة، وخصوصاً ما عاناه أهالي الدامور منذ تهجيرهم حتى اليوم، لافتاً الى وجود أكثر من خمسين شاباً وشابة يعملون على إعادة تمركز الأيقونة في مكانها المناسب. وأكّد غريّب السعي الدائم لأهالي الدامور لإعادة كل ما فقدوه منذ الحرب الأهلية حتى اليوم، ما يدلّ أكثر وأكثر على تشبّث أبناء هذه البلدة بأرضهم.
