
ينقل بعض زوار واشنطن ممن تسنى لهم عقد لقاءات مع شخصيات فاعلة ومسؤولين في الادارة الاميركية اجواء تعكس عدم الارتياح للواقع اللبناني المعرّض في كل لحظة للاهتزاز بفعل المحيط به من عناصر تفجيرية، لا تمنع تسللها الى ساحته، سوى مظلة الاستقرار الدولية التي ما زالت تقيه تمدد الفتيل المشتعل الى داخله حتى الساعة. واذ يؤكد هؤلاء استمرار هذه المظلة بقرار دولي كبير يقولون ل”المركزية” ان الدوائر المختصة في الدول الكبرى التي لطالما تُعنى بشؤون لبنان وشجونه منغمسة حتى العظم راهنا، بقضايا أكثر أهمية توليها كامل عنايتها لدرجة لم تعد تفرز اي حيز في اجندات عملها للبنان، وهي للغاية وتجنباً لانفجار كبير قد يطيح الدولة وأسسها، توعز لمن يعنيهم الامر بابقاء مظلة الاستقرار الواقية مفتوحة فوق الساحة اللبنانية الى حين جلاء ضباب الاجواء الاقليمية وازمات المنطقة من سوريا الى العراق واليمن والى حين انتهاء ورش الاستحقاقات الرئاسية في هذه الدول.
واستنادا الى هذا المشهد، يفيد الزوار ان المسؤولين الاميركيين يعملون على خطين متوازيين في ما يتصل بلبنان، الاول أمني – عسكري – استخباراتي يترجم بالتنسيق الدائم بين الاجهزة واقامة شبكة تواصل بين قيادات امنية في البلدين، بحيث لا يمر اسبوع من دون زيارات لضباط اميركيين كبار الى نظرائهم اللبنانيين، كما بالمساعدات العسكرية التي تصل تباعا الى الجيش اللبناني والتي مكنتّه باقرار كبار المسؤولين في قيادته من مواجهة الارهاب المتمدد على حدوده الشرقية.
اما الثاني، فسياسي تعكسه رسائل الدعم الاميركية المتتالية للبنان وحكومته بشخص رئيسها تمام سلام. ويقول الزوار ان القيادات الاميركية تؤكد ان الرئيس سلام نجح في تخطي جميع المطبات التي تعرضت لها حكومته في ظروف بالغة الصعوبة وواجه الواقع بكثير من الحنكة والصبر. وتبعا لذلك فانه لا زال الشخصية القابضة على القرار السياسي اللبناني بدعم دولي لاجتياز المرحلة السياسية والامنية الطويلة بأقل قدر من الاضرار على لبنان الذي يتعرض لضغوط امنية وسياسية ومالية هائلة.
وفي حين تتجاذب ملف الرئاسة اللبنانية وجهتا نظر، تشير الاولى الى ضرورة انجاز الاستحقاق قبل الانتخابات الرئاسية الاميركية التي باتت على الابواب لتمريره قبل ان يرجأ الى العام المقبل، في حين تعتبر الثانية ان تطورات السياسة الاقليمية وإعادة التواصل بين روسيا وتركيا وايران قد تفضي الى تسهيل ورقة الاستحقاق، يرجح الزوار فرضية استمرار الفراغ متربعاً على الكرسي الرئاسي في بعبدا الى آجل غير منظور راهناً، الا في حال طرأ تطور أمني كبير حتّم كسر معادلة الجمود على غرار ما جرى في 14 شباط 2005. اما خلاف ذلك فلا يمكن ان يؤدي الى عودة الحياة الى دورتها الطبيعية في لبنان حيث هناك استحالة لوضع مشروع سياسي جديد يدفع نحو الحل خصوصا ان الاطراف السياسية في الداخل عاجزة عن تجاوز تأثير القوى الاقليمية عليها وفك حلقة الارتباط الوثيق معها.
والى حين نضوج “طبخة البحص” الرئاسية بعد عامين ونيف على وضعها على نار تقلبات الاقليم، يشير زوار واشنطن الى مساعٍ يبذلها بعض اللاعبين على المسرح العربي من بينهم مصر مدعومة من عدد من الدول المهتمة بلبنان في محاولة لانتشال الرئاسة من فراغها وتحصين هيكل الدولة تجنباً لانهياره.