
“ما بعرف شي عن مجلس الشيوخ، يمكن يكون رفاهية الطرح، ما بعرف إذا كان صورة عن مجلس الشيوخ الموجود بأميركا أو ببريطانيا. بس يللي بعرفو أنو كيف الواحد بيبلش من الآخر بدل ما يبلش من الأول، والأول هو انتخاب رئيس، وبعدا منغوص بالتفاصيل”، هكذا ردّت إحدى الزميلات الإعلاميات المخضرمات عندما سألتها: “شو بتعرفي عن مجلس الشيوخ اللبناني”؟
زميل آخر فكر جاهداً قبل الإجابة بالقول: “والله ما بعرف شي عنو وما بعرف إذا كان عندو سلطة ع مجلس النواب أو لا”.
ليست المرة الأولى التي يُحكى فيها عن إنشاء مجلس الشيوخ الذي أورده اتفاق الطائف، فمع كل استحقاق دستوري جدي يعود هذا الطرح الى الواجهة، وبدل أن يعمد مجلس النواب الى ممارسة دوره التشريعي، وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، ويقوم رئيس مجلس الوزراء بضبط “فلتان” حكومته التي وصفها بأنها “الأكثر فساداً في تاريخ لبنان”، عمد رئيس مجلس النواب نبيه بري الى طرح “بدعة” جديدة خلال “الثلاثية الحوارية” تمثلت بإنشاء مجلس الشيوخ، ومن الواضح أن هذه الخطوة تأتي تلبية للرغبة الجامحة بـ”تغيير النظام السياسي في لبنان” وعلى هذا الاساس أتى هذا الطرح وفي هذا التوقيت.
فالطائف لم يذكر صلاحيات هذا المجلس الذي سيمثل الطوائف مكتفياً بأن صلاحياته تنحصر في القضايا المصيرية، فما هو مجلس الشيوخ ولماذا يثير طرحه في هذا التوقيت الريبة، وما هي صلاحياته ومهامه؟

المرجع الدستوري والقانوني الذي كان من أبرز المشاركين في اتفاق “الطائف” الوزير السابق ادمون رزق أكد أن طرح إنشاء مجلس الشيوخ في هذه الظروف يدل إما على جهل وإما على سوء نية، ورأى في حديث خاص الى موقع “القوات اللبنانية” أنه إذا كان الهدف البحث عن مخارج للأزمة الراهنة، إلا أن هذا الطرح غير مسؤول وهو “رمية من غير رامٍ”.
رزق شرح أن اتفاق الطائف الذي أشار الى إنشاء مجلس للشيوخ ربط ذلك بإلغاء الطائفية السياسية وإلغاء الطائفية برمتها من خلال الإرتقاء الى الثقافة المدنية. وبعد الوصول الى هذه المرحلة من العلمنة في الحكم، يقوم أول مجلس نواب منتخب على اساس وطني لا طائفي بتشكيل الهئية الوطنية برئاسة رئيس الجمهوري، بعد ذلك يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتكون رئاسته على أساس الكفاءة وليس الطائفة.
رزق أوضح أن اتفاق الطائف لم يدخل في صلاحيات مجلس الشيوخ ولا بمهامه، مؤكداً أنه من غير الدستوري إنشاء مجلس الشيوخ قبل إلغاء الطائفية السياسية، وتابع: “اتفاق الطائف واضح وصريح وقد حرصنا في لجنة الصياغة على ألا يكون هناك مجال للإلتباس والإجتهادات، “الطائف” هو اتفاق المساواة في المواطنة الذي يحتم العبور الى الدولة المدنية، هو نص وروح والروح هي التي انطلقت من الحفاظ على الكيان اللبناني التعددي الموحد وعدم الوصول الى مواجهات بين مكونات هذا الكيان. ونحن نريد أن نكون نموذجاً لممارسة الحرية والمواطنة الحقيقية في العالم العربي”.
وفي حال تم السير بفكرة إنشاء مجلس الشيوخ اليوم وقبل إلغاء الطائفية السياسية، يقول رزق: “نعم نحن داخل دوامة إنقلابية متمادية، ولن نقبل بذلك أبداً”، موضحاً: “إحياء فكرة إنشاء مجلس الشيوخ في هذا التوقيت وقول رئيس مجلس النواب نبيه بري ووزير المال علي حسن خليل إن انتخاب الشيوخ يتم على أساس القانون الإرثوذكسي ـ أي أن كل طائفة تنتخب شيوخها ـ غير دستوري ويتنافى مع الهدف الذي من أجله كانت فكرة مجلس الشيوخ”، وتابع: “هناك من يريد الخروج من المناصفة، والتخبيص ماشي”.

الباحث القانوني النائب السابق صلاح حنين شرح بدوره آلية إنشاء مجلس الشيوخ، فلفت الى أنه عندما وضع الدستور اللبناني عام 1926 كان هناك مجلسان: مجلس نيابي ومجلس للشيوخ، وعام 1927 تم تعديل الدستور والغي مجلس الشيوخ الى أن وصلنا الى اتفاق “الطائف”. ويضيف حنين في حديث الى موقع “القوات اللبنانية”: “المادة 95 من الدستور، تقول بضرورة إلغاء الطائفية ومن ثم إلغاء الطائفية السياسية ما يعني أن تصبح القوانين “مدنية”، وبالتالي نكون قد وصلنا الى الدولة المدنية، ومع الوصول الى هذه المرحلة تُلغى الطائفية السياسية أي لا يعود المجلس النيابي مناصفة ولا الحكومة تؤلف بالتوازن بين الطوائف، حتى الرئاسات الثلاث لا تعود مرهونة بالقيد الطائفي لمن يريد ان يتولى المناصب فيها، وبعد إلغاء الطائفية السياسية وانتخاب أول مجلس نيابي على أساس مدني ووطني، يُنشأ مجلس الشيوخ”.
حنين أشار الى أننا لا نحتاج الى مجلس شيوخ كما هو الحال في فرنسا، ففي لبنان هناك مجلس نواب وهو يكفينا، أما مجلس الشيوخ اللبناني، الذي سينشأ بعد إلغاء الطائفية السياسية، يجب أن تكون مهمته المحددة الحفاظ على التعددية والعيش المشترك، وينحصر تدخله بالقضايا المصيرية، فيعطي مطالعته بذلك إما بتعديل القانون وإما بتعطيله.
وعن صلاحياته ومهامه أكد حنين أن اتفاق “الطائف” لا يستطيع الغوص في كل هذه التفاصيل، فعلى مجلس النواب وضع نظام مجلس الشيوخ والتصويت عليه.
“طرح إنشاء هذا المجلس اليوم من قبل رئيس مجلس النواب نبيه بري هو دخان للتغطية على شيء آخر”، يقول حنين، فـ”اليوم كل ما هو مطلوب انتخاب رئيس للجمهورية وقانون انتخاب وانتخابات نيابية، وبدل أن نسير بجدية في هذا الإتجاه، إذ بنا نطرح صخرة كبيرة لا يمكن لأحد أن يحملها، والمؤسف أن هذا الطرح يأتي في إطار غير دستوري”.
وتابع حنين: “توقيت الطرح يؤخر في حل الأزمات وليس العكس، وبهذا، نكون قد احرقنا الفرصة الوحيدة المتبقية لدينا للوصول الى الدولة المدنية إذ من غير المقبول أن يطرح إنشاء مجلس الشيوخ اليوم ليكون جائزة ترضية”.

المرجع القانوني الكبير الدكتور حسن الرفاعي، رفض التعليق عازياً السبب الى صومه عن الكلام في هذه المرحلة، معلقاً: “الله يكون بعون الشباب ب هل بلد”.
إذا كانت مرحلة الإحتلال السوري قد منعت لبنان من تحقيق الكثير من الإصلاحات التي نص عليها اتفاق “الطائف” ومن بينها إلغاء الطائفية السياسية وإنشاء مجلس للشيوخ، وبالتالي بقي تجديد مجلس النواب يتم على أساس طائفي مذهبي، إلا أن التوقيت اليوم فيه الكثير من الريبة، فلبنان يحتاج الى الإنقاذ وليس الى الهروب الى الأمام ومضاعفة المواضيع الخلافية، وبدل التلهي برمي “فقاعات الصابون” وتضييع الوقت، لا بد من الإنكباب على تأمين النصاب لانتخاب رئيس للجمهورية وهذا هو الأساس في هذه المرحلة.
