
قبيل وصول الدكتور باسم يوسف إلى بيروت للمشاركة في “مهرجانات بيت الدين” بعرض خاص تحرّك زملاء ونشطاء وسخفاء ممانعون لمنع العرض والتشويش عليه، بحجة “أن يوسف سبق أن تناول بالنقد مرحلة القائد الخالد جمال عبد الناصر”، فانبرى بعض ورثة الفكر الناصري للإصطياد في الماء العكر وجذب الإنتباه إلى قاماتهم وأصواتهم الناشزة، والحجة الأخرى أن خارطة إسرائيل ظهرت في برنامج (Democracy Handbook) أو كتيب الديمقراطية الذي يقدمه النجم المصري على القناة الرقمية F-Comedy بالتعاون مع شركة “فيوجن”.
سبق ليوسف أن قدم عرضاً مشابها في بيروت في شهر أيار،بدعوة من جمعية “سند” (وبمشاركة سلام الزعتري الذي خصّه يوسف بتحية) وتعرض لهجوم كلامي لانتقاده عبد الناصر. يومها إعترضت مجموعة من الشبان على انتقاد يوسف لزعماء الأمة ورفعوا الشعارات المندّدة، ثم حاولوا الاقتراب من المسرح، لكن سرعان ما تمكن المولوجون بحفظ الأمن من معالجة الوضع بالحسنى والحزم. برأي شبيبة الممانعة هناك شخصيات فوق النقد في كل زمان ومكان: القائد الخالد،سماحة الأمين العام، مرشدو الثورات… إلخ.
فرض الجو “الترهيبي” والنفسي الضاغط نفسه على المهرجان، وتظهّر بإجراءات أمنية مشددة لم تلامس حدود إزعاج روّاد المهرجان، وكان بينهم عدد كبير من الصحافيين الذين فوجئوا بحضور وليد بك جنبلاط ووزير الصحة وائل أبو فاعور وقد سرقا أضواء فلاشات الأجهزة الخلوية وإعجاب السيدات.
هذا من جهة، من جهة ثانية لم يأتِ يوسف على ذكر الرئيس المصري المتوفي منذ ستة وأربعين صيفاً، لا تلميحاً ولا مباشرة، لكن هذا الحرص على عدم إستثارة رومنسيي الزمن الناصري لم يمنع إحداهن من الزعيق إثر انتهاء العرض “كلنا عبد الناصر” زعيق خارج السياق. أما ما تردد عن انسحاب قسم من الجمهور إحتجاجاً على إنتقاد يوسف للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (وهو الرئيس السادس لجمهورية مصر العربية) فيبدو من نسج الخيال. كنت هناك ولم أرَ سوى وجوه منشرحة ولم أسمع سوى قهقهات طوال فترة العرض.
حمل عرض النجم المصري عنوان:
«The Joke is Mightier Than The Sword».
أي «النكتة أمضى من السيف” واستُهل بفيلم قصير بالإنكليزية عن شخصية اختيرت بين أهم مائة شخصية مؤثرة في العالم وحطّمت أرقامًا قياسية في نسب المشاهدة على يو تيوب. في خمسة أعوام، وهو عمر يوسف في مهنة النقد الساخر، أثبت الرجل الوسيم البالغ من العمر 42 عاماً أنه خطير وجريء وحرّ إلى درجة لم تحتمله لا بلاده ولا الأنظمة العربية ولا فضائيات العالم العربي.
قبل الدخول في صلب الموضوع مازح وليد بك، وزعيم المختارة من أسياد السخرية، وتوقف عند رولا يموت التي تقاسمه الشهرة هذه الأيام. وصف اللبنانيين بالعباقرة “إنتو حليتوا مشكلتكم، بلا رئيس جمهورية، كل الدول العربية تتقاتل وتنهار والشعوب والشارع من أجل رئيس ودستور، وإنتو خلاص تجاوزتوا الأزمات وتجاوزتوا الربيع العربي وقررتوا الخلاص من الأحداث وبلا رئيس للجمهورية” وأيضا نحن بلا دستور. قلها لا بأس في الأمر.
قدم يوسف عرضاً مقتضباً لمسيرته المهنية.بدأ بثورة الياسمين وانتهى بالدعوة إلى ثورة بعيداً من الشعارات والتخوين. إستعرض محطات نافرة من التاريخ الحديث جداً. إنتقد على طريقته الإخوان المسلمين والأحزاب السلفية والتكفيريين والمسكونين بفكرة المؤامرة. إنتقد عهد مبارك ومرسي وما بعد مرسي. إنتقد الإعلام والخطابات المهجوسة بالجنس. أعدّ (وفريق عمله) توليفات ذكية. أوصل النكتة طازجة بمواد قيل أنها بائتة ولم تأتِ بجديد. وما الضير في الإستعادات أمام جمهورٍ انتظر الحدث منذ أشهر؟
بخلاف زملاء أقدّر رأيهم، لم أتوقع أكثر مما سمعت. لكن تقنية الصوت ووتيرة الكلام السريع التي يتميز بهما يوسف أضاعتا علي لذة متابعة الإعلامي الرشيق الكلمة والحضور.
للمرة الأولى باسم يوسف في بيت الدين، أما كاظم الساهر (السامرائي سابقاً) فصار من ثوابت المهرجان حتى لو أعاد البرنامج نفسه صيفاً بعد صيف. إنه من أسياد الرومنسية على المسرح من دون حاجة للقب قيصر أو ملك أو إمبرطور. كاظم رافعة شعبية راقية حيثما وُجِد الوجدُ والحنين والحلم والشوق إلى وطن ورجل وأنثى لا تشبه أي من النساء.