#adsense

مطر: نعتقد ان فرنسا قادرة على إعادة السلام في منطقتنا

حجم الخط

احتفل رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر، في كنيسة السيدة في المقر الصيفي للمطرانية في عين سعادة، بقداس عيد انتقال السيدة العذراء على نية فرنسا، كما جرت العادة في كل سنة، في حضور أركان السفارة الفرنسية، تقدمهم القائم بالأعمال آرنو بيشو والنائب في البرلمان الفرنسي كريستيان كامرمان. كما شارك في القداس النواب: فؤاد السعد، إيلي عون، نديم الجميل، ناجي غاريوس، حكمت ديب وآلان عون، سفير لبنان في الأونيسكو خليل كرم، الوزراء السابقون: ميشال الخوري، ابراهيم ضاهر وسليم الصايغ، نقيب المحامين أنطونيو الهاشم، رئيس المجلس العام الماروني الوزير السابق وديع الخازن، رئيس الرابطة المارونية النقيب أنطوان قليموس والامين العام للجنة الحوار المسيحي الإسلامي حارث شهاب.

وعاون مطر في القداس نائبه العام المونسنيور جوزف مرهج، النائب الأسقفي المونسنيور أنطوان عساف، رئيس المدرسة الإكليريكية المونسنيور عصام أبي خليل وأمين سر مطران بيروت الخوري إيمانوييل قزي، في حضور رؤساء مدارس الحكمة.

وألقى مطر عظة جاء فيها: “حضرة القائم بالأعمال، أيها الأصدقاء، من هذا المعبد المكرس على اسم السيدة التي نود تسميتها أم الرحمة، ومن هذا الكرسي الأسقفي لمطرانية بيروت الذي يجدد، منذ أكثر من مئة وخمسين سنة، وفاء كنيسته المارونية لفرنسا، أود تسليط الضوء على عالمنا اليوم، هذا العالم الذي يلتمس له قداسة البابا فرنسيس الرحمة الإلهية. مع كل إطلالة شمس تروع حواسنا أخبار الفظاعات التي تجتاح العالم. إنه عالم مجنون لا يهدئ روعه إلا تدخل السماء. وهو عالم قريب منا بكل معنى الكلمة. وينعقد اللسان أمام هذا الجنون القاتل الذي يرتكبه الإنسان بحق أخيه متذرعا بالدين أو بالحرية، بينما هناك طرق شتى لبلوغ هذه الأهداف دون إراقة الدموع والدماء وتحمل أعباء النزوح والتهجير والموت لملايين من البشر. لم يتمكن أي رئيس دولة أو مسؤول عن منظمة غير حكومية من كبح هذا السيل من المآسي غير المبررة. وهل ثمة سوى البابا فرنسيس من يسمعون له أو يلجأون إليه؟ بل من من أهل القرار، كما قداسته، قادر على جعل كلام البابا شرعة له فتعتمد وسائله تحويلها إلى أعمال ملموسة”؟.

وقال: “إن واجب كل واحد منا، أكان إكليريكيا أم علمانيا أن يحاول، بشفاعة مريم الكلية القدرة، إخماد الغضب والأنانيات من أصحاب المطامع، بإشعارهم إنهم ليسوا هنا إلا في مرحلة عبور، وإن الأرض جسر وليست محل إقامة دائمة، وبأن التاريخ سيحكم عليهم، وبأن أولادهم سيدفعون خزي أنانيتهم. فماذا سنترك لأولادنا من بعدنا؟ هل نترك لهم عقارات وأموالا تتبخر؟ أم إن أولادنا سيكونون ورثة لمن أعطوهم فرح الحياة بالانسجام مع الآخرين واحترامهم لهم. إذ هم أوصوهم بتقديم المصلحة العامة على مصالحهم الفردية، مما يؤهلهم للمثول أمام الله بضمير نقي، بعد أن يكونوا قد ثمروا وزناتهم لمصلحة الجماعة بدلا من طمرها في الأرض أو في خزنات المصارف؟ سيكون من يخلفوننا فخورين بأسماء عائلاتهم التي تتماهى مع التضحية والشجاعة وحب الآخر وبعد النظر. إن عالمنا يحتاج حقا إلى أبطال حقيقيين يعتبرون الانتصار الحقيقي انتصارا على الذات، والمعارك الصحيحة هي التي تقضي على التعصب واللامساواة والبؤس. وإن هذا يرتبط بكل واحد منا. فلا يكفي القول إن على هذا أن يفعل كذا بل القول أيضا إن علي أنا أن أفعل كذا، وأن أغير نفسي أولا، وإن قريبي ستصيبه العدوى الإيجابية عندما يراني فاعلا هكذا”.

أضاف: “لقد شهدنا منذ أيام لحدث مفعم بالتفاؤل والرجاء، عاشه أكثر من مليونين ونصف المليون من الشباب المتحدرين من عشرات البلدان- ومنها من هي بحالة حرب مع بعضها- فقد عاش هؤلاء الشباب تأملات حول الرحمة ومفاعيلها في قلوب الناس. ونتساءل بدورنا كيف يمكننا أن نبني عالم الغد، المضمخ بالدم وبرماد المجازر والحروب إن لم يكن الغفران والرحمة في أساس البناء؟ في كراكوفيا وبرعاية البابا فرنسيس، حمل هؤلاء الشباب إلى العالم نفسا يعتبر إن “المستحيل ليس مسيحيا”، وشكلوا “فسيفساء من الأخوة في عالم يعاني من الخوف والألم والحرب والحقد والكآبة”، حابسين أنفاس العالم على مدى تلك الأيام القليلة التي عاشوها معا. نستطيع اليوم من لبناننا هذا حيث أم الرحمة التي نكرمها- كما يكرمها مؤمنو فرنسا- وحيث قديس لبنان شربل الذي يتوسل العجائب لصالح المتألمين، أن نطمئن العالم بأسره مع البابا فرنسيس إنه بدون المعونة الإلهية تسقط كل الحلول إذ ليس للمدافع والطائرات الحربية، وليس للحقد والأنانية أن تمنع المجازر التي تهددنا. أما فرنسا العلمانية فتتذكر دائما جذورها المسيحية التي ساعدتها في خياراتها العلمانية كأفضل سبيل لتأمين حرية الفرد وحقه في اختبار معتقده. إن فرنسا هذه، العزيزة على قلوبنا، والتي أغنتنا مما حمله إلينا مرسلون فرنسيون، لمدركة إن تاريخها زاخر بتدخلات العذراء والقديسين الذين أنقذوها من المخاطر في مناسبات متعددة. وإن الشرف الذي منحته العذراء مريم لفرنسا في ظهوراتها في أماكن متعددة فيها باتت مزارات عالمية لا يمكن إنكارها على مستوى احترام الإنسان في حين يظهر في أماكن أخرى التطرف الديني القاتل المدمر”.

وتابع: “حين كان الحبر الأعظم لا يزال رئيسا لأساقفة بوينس آيرس، كان يشيد بمريم التي يصفها بحلالة العقد أو بسيدة الأرجنتين. وبالفعل فإن هذه العذراء، أم المعونة، هي التي تحل العقد سواء على مستوى الخلافات العائلية أم على مستوى حالات اليأس والقنوط، أم على مستوى النزاعات المحلية والدولية. وهي القادرة على إنارة ضمائر المسؤولين كي يقلعوا عن السبل الملتوية التي تقود شعوبهم إلى الكوارث. ألا يمكننا والحالة هذه أن نتوسل أم الرحمة طالبين منها العمل على فك العقد بصلاة نبتكرها ونريدها صادرة عن قلب كل منا؟ ليس رجال الدين أو المكرسون وحدهم من يحتكرون التضرع أو طلب الشفاعة: فالقديس لويس كان ملكا، والقديسة كاترين السويدية كانت ملكة، والمارشال فوش كان عسكريا، ولويس وزيلي مارتان، والدا القديسة تريزيا، كانا علمانيين عاديين. عندما يقرر كل المواطنين في بلد ما إنقاذ وطنهم من كارثة طبيعية أو مصيبة تسبب بها جنون البشر، فإن السماء وحدها والأصفياء- من كانوا مواطنينا على هذه الأرض- هم القادرون، بمساعدتنا، على تأمين الانتصار. لقد أنقذت مريم “حلالة العقد” ملايين البشر الذين لجأوا إليها، شفتهم من الحقد والبخل والافتراء وقلة العدالة والأمراض النفسية والجسدية. إن عالمنا مريض حقا، يقاوم ما بوسعه لانتزاع سم الأفاعي التي تعمل على افتراسه. وحدها المعجزة تخلصه. فلنتوسل إذن، كلنا، مريم، ونصلي من أجل فرنسا وأوروبا كما من أجل لبنان والشرق الأوسط. فيا عذراء، إن العالم مصاب بإرهاب أعمى يجتاح الأبرياء أينما كانوا ويهدد حياة الجماعة بتصدع اجتماعي عصي عن الإدراك. ويا مريم، إن فرنسا أيضا مصابة بجسدها وروحها من هذا التيار الإرهابي الذي أصاب باريس ونيس وتلك الكنيسة الريفية حيث قتل كاهن بدم بارد دونما اعتبار للقداس الذي كان يقيمه ولا لتقدمه في السن ولا لبراءته ولا للحب الذي كان يكنه للآخرين”.

وختم مطر: “إن أولادك يا مريم، من كل الطوائف والانتماءات، يتقاتلون في ما بينهم، في سوريا، في الشرق، في أفريقيا وفي كل مكان، دونما اعتبار لدعوتهم حيث هم أخوة، لهم أب واحد هو في السماء. أعط يا مريم ذوي الضحايا في فرنسا وفي لبنان وفي أي مكان العزاء والصفح واستعادة الرجاء. ويا عذراء مريم، فيما نحيي هذا القداس على نية فرنسا، صديقة لبنان الدائمة، نطلب كي يستمر بلدانا بطلين في الإنسانية والانفتاح والعدالة والحرية والمساواة والأخوة. هي النعمة التي نطلبها لفرنسا وللبنان كما للعالم بأسره. فلتتراجع الحرب، وليتقدم السلام بشفاعتك يا مريم، الممتلئة رحمة. آمين”.

المصدر:
الوكالة الوطنية للإعلام

خبر عاجل