إفتتاحية “المسيرة” –  جعجع عرّاب الحل

إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1573

يتصرف رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع في موضوع رئاسة الجمهورية وكأنه أم الصبي. يعمل ليكون عراب الحل ويحاول أن يفتح الطريق نحو انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية ليكتمل من بعده فتح سائر الطرق المقفلة نحو قانون الإنتخاب والإنتخابات ورئاسة الحكومة وتشكيلتها. فهل ستنجح المحاولة وتتحقق المعجزة التي تتطلب قرارات جريئة مماثلة خصوصاً من “حزب الله” و”تيار المستقبل”؟

منذ أعلن ترشحه لرئاسة الجمهورية “القوية” كان سمير جعجع يريد أن يكون هو مباشرة عراب الحل سيراً على البرنامج الذي أعلنه لإنقاذ الجمهورية ولكي تكون فعلاً جمهورية قوية برئيس قوي ومؤسسات قوية وديمقراطية مفتوحة على تداول السلطة ومكافحة الفساد والتغيير الدائم والمحاسبة. جمهورية قوية بجيشها الذي لا رديف له ولا منافس. جمهورية قوية بحضورها في الداخل وفي العالم تعيد الإحترام إلى المواطن الفرد وإلى الدولة كدولة وتفرض وجودها في الأمم المتحدة وتلغي من أذهان العالم الصفات التي ألصقت وتلصق بها وتعتبرها جمهورية فاشلة ومارقة وغير قابلة للحياة. أراد سمير جعجع أن يعود لبنان إلى غايته وأن يستعيد هويته الحقيقية ولم يعتبر أبداً أنه من خلال ترشحه سيكون الوحيد الذي يمكنه أن ينفذ عملية إنقاذ الجمهورية بل أراد أيضاً أن يفتح اللعبة على كل الإحتمالات الممكنة والمتاحة ولذلك كان دائماً على استعداد لاتخاذ القرارات الصعبة مهما كانت صعبة.

لذلك عندما ذهب إلى تبني ترشيح العماد ميشال عون من معراب في 18 كانون الثاني الماضي كان يؤكد أيضاً أنه مستمر في لعب دور العراب للحل الممكن الذي لا يجب أن يبقى مستحيلاً مستنداً إلى قناعة راسخة لديه بأن التضحية واجب على كل من يريد أن يكون شريكاً في عملية الإنقاذ على قاعدة أن حسابات الربح والخسارة في هذه العملية لا يجب أن تكون شخصية بل انطلاقاً مما قد يربحه لبنان لأن هذا الربح عندما يتحقق يكون ربحاً وكسباً للجميع بمن فيهم الذين يقفون ضده ولا يساهمون فيه.

اعتقد رئيس “القوات” أن خطوة تبني ترشيح العماد عون ستحدث زلزالاً سياسياً وستخرق الجدار وستفتح الطريق نحو قصر بعبدا. كان يعتبر أن “حزب الله” أولا سيبادر إلى التقاط هذه الفرصة ويمشي بانتخاب العماد عون ويقنع النائب سليمان فرنجية بسحب ترشيحه. ولكن الحزب بدل أن يبادر ذهب في الإتجاه المعاكس ليدرس خلفيات الخطوة التي أقدم عليها جعجع وما إذا كان انتخاب العماد عون عن طريق معراب يبقي على تفاهم 5 شباط 2006 معه في كنيسة مار مخايل وما إذا كانت “القوات” هي التي ستكون الرابحة من خلال هذه العملية. وأراد أن يعرف ماذا ستكون انعكاسات هذه الخطوة على قانون الإنتخاب وعلى الإنتخابات والتحالفات والنتائج التي ستسفر عنها وأي أكثرية نيابية ستتشكل وهذه الأكثرية من ستمسي رئيساً للحكومة وهذه الحكومة كيف يجب أن تتشكل. لم يوافق “حزب الله” أصلاً على تفاهم رئيس “تيار المستقبل” الرئيس سعد الحريري مع رئيس “تيار المردة” النائب سليمان فرنجية لأنه لم يكن مطلعاً على كامل تفاصيله وبقي يشكك في ما إذا كان فرنجية قد وافق مع الحريري على بياض على مسألة رئاسته للحكومة معتبراً أنه لن يكون في الموقع الذي يريده فيه وأنه قد لا يحقق ما هو مطلوب منه من دون أن يكون أبلغه مسبقاً ما هو هذا المطلوب، معتبراً أيضاً أنه ترك الأمر لتقدير فرنجية أولا ليذهب إلى باريس ويرى ما يريد الحريري من خلال عرضه بينما هو منصرف إلى حروبه في سوريا والمنطقة.

لم يراهن جعجع على أن الرئيس سعد الحريري سيقبل بسهولة مسألة ترشيح العماد عون. كان يدرك أن رئيس “تيار المستقبل” سيكون مستاء من هذا الترشيح ولكنه كان يعتبر أنه يمكنه أن يتفهم في النهاية أن هذا الخيار هو الأقرب إلى استعادة الجمهورية من خلال قراءة سريعة لا متسرعة لرد فعل “حزب الله” التي كان من الأفضل تلقفه واستيعاب عملية تبني العماد عون قبل أن يستهلك الحزب مفاعيل هذا الترشيح. ولكن جعجع على رغم مضي سبعة أشهر على إعلان معراب لا يزال يعتبر أن الرئيس سعد الحريري لا يتحمل مسؤولية التعطيل الرئاسي وأنه لم يتوقع منه أن يؤيد العماد عون ولم يستطع أن يقنعه بهذا الخيار نظراً إلى تخوف الرئيس الحريري من انعكاساته السلبية عليه شعبياً بعدما لمس في الإنتخابات البلدية الأثر السلبي الذي تركه تبنيه ترشيح النائب سليمان فرنجية.

يعمل الدكتور جعجع بكل قناعته على ضرورة تجزئة الحلول. من الأساس لم يشارك في الحكومة إلى جانب “حزب الله”. ولم يذهب إلى طاولة الحوار لأنه رأى فيها تضييعاً للوقت وهدراً لفرصة انتخاب الرئيس ومحاولة لربط هذا الإستحقاق بتفاهمات تقيّد الرئيس وتحد من دوره وتتعلق بما سمي السلة التي تشمل قانون الإنتخاب والإنتخابات ورئاسة الحكومة، وصولاً إلى فتح باب جديد من الجدل البيزنطي حول جنس ملائكة مجلس الشيوخ ومجلس النواب غير الطائفي ولكن الذي تتم المحافظة فيه على المناصفة.

في الأساس كان فرنجية في صلب 8 آذار. في انتخابات العام 2005 لم يذهب “حزب الله” إلى التحالف مع العماد ميشال عون لأنه كان لا يزال متوجساً من طروحاته السابقة التي لم يوفر  فيها الحزب من انتقاداته له واعتباره امتدادا لولاية الفقيه. منذ تفاهمه معه في 5 شباط 2006 اعتبر أنه حقق خرقا في الشارع المسيحي لم يكن باستطاعة النائب سليمان فرنجية أن يؤمنه له ولذلك كان محرجاً في مسألة عدم تلقف مبادرة الدكتور جعجع تبني ترشيح العماد عون بعكس ما كان عليه في موضوع التعاطي مع ترشيح الرئيس سعد الحريري للنائب فرنجية. عندما يرفض انتخاب عون ولا يسهّل وصوله إلى قصر بعبدا فتلك مسألة فيها نظر، أما عندما يرفض انتخاب فرنجية فأمر عادي يمكن أن يمر من دون عواقب.

مع استمرار ضغط عراب الحل الدكتور جعجع بات على “حزب الله” أن يقرر لأن مسألة الوقت لم تعد تعمل لصالحه وهو حاول أن يرمي الكرة في ملعب الرئيس سعد الحريري من خلال الكلام الذي قاله أمينه العام السيد حسن نصرالله في الذكرى العاشرة لحرب تموز عندما اعتبر أن مسألة رئاسة الحكومة قابلة للتفاوض.

هل يقبل الرئيس سعد الحريري أن يذهب إلى تبني خيار العماد عون؟ تلك المسألة تعني أساسا الدكتور جعجع الذي حاول إقناعه بهذا الخيار. يعتبر جعجع أن موضوع رئاسة الحكومة لا يجب أن يكون منّة من أحد. ليس السيد حسن نصرالله هو الذي يسمي رئيس الحكومة وإن كان يملك القدرة على التأثير على هذا الخيار. الأساس يبقى في الإنتخابات النيابية والنتائج التي ستسفر عنها. ولذلك لا بد من أن يكون هناك قانون جديد للإنتخابات بعد انتخاب الرئيس. وعلى أساس هذا القانون تتحدد التحالفات النيابية التي ستؤمن وصول أكثرية تسمي الرئيس سعد الحريري وتحرره من مسألة رفض “حزب الله” عودته إلى السراي الحكومي وبذلك يكون مستندا إلى أحكام الدستور وإلى شبكة من العلاقات التي تحمي الحكومة والطريقة التي سيحكم بها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون.

فالمعركة بالنسبة إلى “القوات اللبنانية” وعراب الحل الدكتور سمير جعجع لا تقتصر على رئاسة الجمهورية. الرئيس وحده لا يمكن أن يفعل شيئا بل يمكن أن يتحول إلى أسير اللعبة السياسية والتوازنات وربما أسير “حزب الله”، ومن هنا تأتي أهمية أن تتوسع عملية تبني ترشيح العماد عون والتخطيط للمواجهات الأخرى التي تعيد شد عصب القوى التي تريد أن تستعيد الدولة حضورها ولا يمكن أن يتأمن هذا الحضور طالما أن “حزب الله” مستمر في حروبه خارج لبنان وداخل لبنان. ولذلك لا بد من قرارات صعبة سيظهر لاحقا أنها ستكون في محلها تماما كما كان قرار “العراب” تبني ترشيح العماد عون والعمل على أنجاحه وصولا إلى إنقاذ الجمهورية قبل فوات الأوان لأن لبنان لن يكون في النهاية ولا يمكن أن يكون إلا على شكل الذين يشبهونه ويعرفونه ويريدونه وعليهم أن يكونوا شركاء وشهودا على عمادته الجديدة بميرون الخلاص الجديد.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل