كانت الساعة تشير الى الثالثة من عصر يوم الأحد 14 آب 2016. شمس بشري تلفح الجباه. لكن رحيق نسمات الأرز الهابطة من أعالي شموخه أشاحت بلهيب آب. جرس كنيسة مار سمعان العمودي في قرية بعزقتا في قضاء بشري يقرع. الشباب والمسنون وحتى الأولاد كانوا يقفون بالصف لتربيعه كيف لا والحدث الديني في الداخل سيتوّج بعمادة الطفل مارون طوني طوق. الأقارب وأصدقاء العائلة في الداخل يتقدمهم والدا الطفل طوني وزوجته والعرّاب عمّه مارون.
الكل في انتظار العرّابة التي ستحمل الميرون. وصلت العرّابة. رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع والنائب ستريدا طوق جعجع. تأخرا في الدخول. جرس الكنيسة يدق والسباق على تربيعه مستمر. ثمة مشاورات في الخارج. ثمة شيء ما يجري لكن الضحكة التي تشرقط في العيون تبشر بالخير. المختار فادي الشدياق يصل. يدخل الكنيسة ويطلب من شقيقة الوالد طوني دنيز طوق الخروج من الكنيسة. خير؟ ما في إلا الخير. بدك تكوني العرّابة وراح تتسلمي الميرون. وماذا عن العرّاب؟ د. سمير جعجع العرّاب…
للحظات لم تستوعب الحدث. وليست وحدها. فالتغيير لم يكن متوقعاً إلا قبل دقائق من الوصول الى الكنيسة. قالها سمير جعجع: “بدّي كون العرّاب. ودبّروا عرّابة. ما أنا صهر العيلة”. ودخلوا الكنيسة بعدما سلم عم الطفل مارون طوق الميرون للدكتور جعجع بفرح وفخر كبيرين.
العرّاب سمير جعجع وزوجته ستريدا يدخلان مع العرّابة والشباب الى الكنيسة. حتى اللحظة كان الجميع في ذهنية المشهد الذي سبق لحظة استبدال العرّابين. سمير جعجع يتقدم نحو المذبح وبين ذراعيه الطفل مارون والى جانبه العرّابة دنيز. وبدأت مراسم رتبة العماد… الخوري هاني طوق والأب سيمون طوق ترأساها، كيف لا والخوري هاني هو من كلل الأب طوني وصار مرشده الروحي… عينا سمير جعجع تشخصان الى الطفل مارون… لحظات كأنها ساعات لا بل زمن يعبر في عينين تشعان فرحاً وليس مجرد فرح عابر. إنه الفرح الحقيقي الذي اشتقنا أن نراه في عيني سمير جعجع.
كلمات العظة التي ألقاها الخوري هاني طوق عمّدت المكان بالروحانية. استذكر طفولته يوم تعمّد في عمر 9 سنوات وكانت عرّابته سيدة من بشري. وصارت أمه الثانية… حكايته مع تلك الأم التي حملته بالميرون كانت مؤثرة. الحكيم يصغي لكن عينيه شاخصتان الى عيني الطفل مارون. ومن وقت لآخر كان يداعب أنامله الطريّة. الخوري هاني طوق يتابع العظة وحكايته مع عرّابته التي، وقبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، طلبت أن يكون “فليونها” الخوري طوق حاضراً وأسلمت الروح بين يديه بعدما منحها مشحة الغفران…
إنتهت الحكاية لكن ليس العظة لأن المغزى يكمن في تلك التفاصيل التي حاول الخوري طوق أن يبرزها عن دور العرّاب والعرّابة… الى أن توجه الى العرّاب وقال: “بدّك تكون أمين على هالطفل وترافقوا بالإيمان، إنت اللي حملتو بالميرون بدّك تكون معلمو بالحياة ورفيق دربو بلحظات الفرح والحزن. وبس يوقع بدّك تكون الإيد الأمينة اللي رح تلمو وتحملو متل ما حاملوا اليوم قدام مذبح الرب… إنت بلحظة قررت تكون “العرّاب”، والعرّاب هوّي اللي بلحظة بيصير مسؤول عن الطفل اللي بيحملو بالميرون… يا حكيم إنت اليوم صرت عرّاب مارون اللي رح يحمل الإسم نفسو بالمعمودية والوزنات والمسؤوليات كبيرة، وإنت العرّاب”..
العيون شاخصة نحو المذبح، نحو العرّاب الذي كان يعيش حالته الإنسانية والوجدانية بتفاصيلها المتجردة من صفات القائد والمحارب والسياسي… كان العرّاب المؤمن والمتواضع وإبن الأرز الشامخ، وأيضاص الأب الحنون الذي نادى على ستريدا عندما بكى مارون بين يديه، فهرعت نحوه ومنحته لمسات الحنان ووضعت في فمه “Tetine”… ضحك العرّاب من قلبه وعاد الى عيني مارون ليسكن فيهما حتى انتهاء رتبة العماد.
من الكنيسة الى منزل طوني طوق مشى العرّاب وستريدا جعجع وعائلة مارون طوني طوق وكل من شارك في الرتبة نزولاً عند رغبة العرّاب الذي اشتاق أن يمشي تحت سماء بشري. فعلها كما في الأيام التي كان حاضراً فيها خلال مهرجانات الأرز، حيث كان يخرج ليتمشى ويسرق من فضاء الأرز لحظات الحرية التي تسكن في نبض عروقه… وهناك في بيت آل طوق شرب وستريدا نخب الطفل مارون وأهله وكل الشباب ونخب “القوات” والوطن ودبك مع جد الطفل على مدى ساعة.
ذاك اليوم كان سمير جعجع عرّاب مارون طوني طوق كما سيكون عرّاب وطن معمّد بدماء الشهداء.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
