كنا هناك – الياس نخلة: نضالنا كان واجباً كالذهاب الى الكنيسة

كتبت تشارلي عازار في “المسيرة” – العدد 1573:

يخطئ من يعتقد ان أبطال المقاومة اللبنانية ناضلوا لأنهم كانوا يتقاضون رواتب مقابل تضحياتهم، هناك من نذر روحه التي لا تقدر بثمن فقط لأجل الدفاع عن الأرض، هناك من استشهد ورحل لنبقى، فأي مال يعيد لنا من فقدناهم؟ على عكس ذلك، عندما امتشق المقاتلون السلاح كانوا يدفعون ثمنه وثمن الذخيرة والعتاد من جيوبهم. من هؤلاء الرفاق الياس نخلة الذي كان هناك حيث التضحيات عن الأرض والوجود. هذا هو إيمان الياس يعلنه بعد تجربة طويلة ومستمرة في “القوات اللبنانية”.

يرفض الياس نخلة اعتبار أي مقاوم بمثابة مقاول حمل السلاح من أجل المال، أو من أجل انتظار أجرِ مقابل نضاله، وهو الذي تطوع في بداية الحرب كمقاتل، فكان يناضل ويعمل في آن معاً ليعيل أهله ووالده الذي فقد العمل بسبب الحرب.

نخلة ابن عين الرمانة قلعة الصمود، ومن سكان الشياح التي شهدت على بداية الحرب اللبنانية، كان في سن الحادية عشرة من عمره، يجلس على شرفة منزله عندما كان يهدأ صوت المدفع ليراقب مقاتلي أحزاب المقاومة المسيحية وهم يتنقلون ويتمركزون، يصغي الى أحاديثهم، ينتظر اللحظة المناسبة ليطلبوا الماء أو القهوة ليسرع ويقوم بواجبه تجاه من يدافعون عنه وعن أرضه.

“كنت صغيراً”، يقول نخلة، “جلست أنتظر الأيام والسنوات ان تمضي لأصبح في سن تتيح لي الإنخراط في العمل النضالي. من عام 1975 ولغاية 1978، كانت منطقة الشياح كناية عن نقطة عمليات، تندلع المعارك لأسابيع، لتهدأ بعدها، وأنا أنتظر حتى مللت الانتظار”.

في هذه الفترة، كان والد نخلة يراقب ابنه وقد لاحظ اندفاعه وميله الى العمل القتالي، وكان معارضاً من باب الخوف عليه، ولكن عروق نخلة كانت تنبض بالنضال والحماسة من أجل مساعدة الشباب في الأحياء.

عندما أصبح نخلة في سن الـ14، توجه الى مركز “الكتائب” في المنطقة والتحق به مدشِّناً بداية حياته الحزبية. بعد التدريبات الأولية في المركز، أصبح بمقدوره مرافقة الرفاق الى الجبهات مستبدلاً سريره ووسادته بأكياس الرمل.

يتابع نخلة: “كانت خطوط التماس قد رسمت في الشياح، ومن محور كنيسة مار مارون كانت بدايتي الأولى، أولى الرصاصات أطلقتها ضد جيش احتلال النظام السوري عندما تسللوا نحونا، اشتعلت المنطقة خلال دقائق، إطلاق نار وقذائف “آر.بي.جي”. تعرضت المنطقة لرصاص وقصف كثيف من شارع الاستقلال الذي يتمركز به السوريون والفلسطينيون، أصيب خلال هذه المواجهة الرفيق سيمون رعد الذي فقد ساقه وأصابع يده”.

يضيف: “بعيداً من لغة الحرب والرصاص وحكايات الأبطال وغبار المتاريس، يعلم الجميع ما قمنا به للدفاع عن أرضنا يقول نحلة. مدافن الشهداء شاهدة على نضالنا، ويكفينا فخراً أن التاريخ ينصفنا كل يوم، وأن أرض لبنان مزروعة بشهدائنا وسنحصد زرعنا المقدس”.

لم يشارك نخلة في كل الحروب، ولا يحبذ كثيراً التكلم عن واجب قام به وآمن به، لان ما فعله لا يوازي تضحيات الرفاق الذين استشهدوا ودفعوا حياتهم ثمناً للبقاء.

يتابع: “عام 1980- 1981، وتزامناً مع تأسيس “القوات اللبنانية” توجهت برفقة 1200 عنصر من ثكنة كسارجيان الى طبريّة في كسروان للتدرب، فتخرجت قواتياً أنا وأخي الذي اختار أيضاً الانخراط في صفوف “القوات”، وبدأت العمل في معمل للثياب لأعيل أهلي بعد انتقالنا الى منزل جديد لأن منزلنا القديم احترق نتيجة الحرب؟ بين العمل والخدمة في كسارجيان قمت بما أستطيع من تلبية المهمات”.

استشهد الشيخ بشير الجميل بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية عام 1982، وبدأت حرب الجبل عام 1983، ولكنه لم يشارك فيها: “ذهب أخي وبقيت في كسارجيان تحت إمرة الرفيق طوني أبو جوده “زورو” الذي سلمني جبهة بناية المعلم وصولاً الى البريد في الشياح”.

توالت الانتفاضات وأصبح الدكتور سمير جعجع قائدًا لـ”القوات اللبنانية”، كما تسلم الرفيق سمير بو يونس ثكنة كسارجيان.

وبعد معارك 14 شباط 1988، طُلب من نخلة الصعود الى معهد غوسطا ليتخرج من بعدها ملازماً في صفوف “القوات”، وبعدها رقّي الى رتبة ملازم أول حين أصبح مسؤولاً عن الأمن العسكري في المتن الجنوبي وأوكلت إليه مهام أمنية عديدة.

يتابع نحله حديثه عن عين الرمانة وصمودها لفترة 17 يوماً في حرب الإلغاء. يرفض مقولة سقوط عين الرمانة لأنها لم تسقط، ونظراً للحصار المفروض عليها، أصبح أي جريح يسقط يُعتبر بمثابة شهيد لأن الوصول به الى أي مستشفى أمر مستحيل، ولهذه الأسباب خرجت “القوات” من عين الرمانة للحفاظ على أهلها، وعلى الرفاق الأبطال لأن أرواحهم كانت أهم من أي شيء آخر.

من عين الرمانة انتقل نخلة الى الأشرفية وبقي فيها الى ان تزوج وسكن في حي السريان، ومع انتهاء حرب الإلغاء عاد الى الشياح، وبدأت المعاناة والإعتقالات التي لم يسلم منها أي قواتي، وصولاً الى حل “القوات” واعتقال الدكتور سمير جعجع بعد تفجير كنيسة سيدة النجاة في 27 شباط 1994.

كانت المرحلة صعبة، لا يستطيع نخلة العيش بعيداً من “القوات”، بدأ التواصل مع إدي أبي اللمع ويسوع الملك مقر ستريدا جعجع الذي كان حاضناَ للقواتيين.

في تلك المرحلة، كان النضال شاقاً جداً ولا يقل خطورة عن أيام الحرب، فـ”القوات” تتعرض للملاحقة والاضطهاد. يروي نخلة كيفية الالتقاء بالرفاق سراً، وفي عتمات الليالي لإعطاء التوجيهات، وكانت المراكز القواتية كناية عن سيارات. يقول نخلة: “كنا نلتقي داخل السيارات، نقوم بنزهة ونتبادل الآراء ونعطي التوجيهات اللازمة لنحافظ على ما تبقى من القوات حينها، كان همّنا ان تبقى رايتنا مرفوعة، وان تبقى تضحيات الرفاق حاضرة راسخة لا تموت مع مرور الزمن، ونجحنا، وها هو سمير جعجع خارج القضبان، وها هي راية “القوات” مرفوعة، وها هو لبنان الذي ناضلنا من أجله”.

لا يزال الياس نخلة في صفوف “القوات”، ولا تزال آثار المعارك حاضرة في وجدانه، يتذكرها مع كل إشراقة شمس، يتذكرها كلما دخل وخرج من حيّه في الشياح.

لم يشأ التكلم عن الحروب، بل أراد توجيه رسالة مفادها ان النضال كان واجباً مقدساً، كالذهاب الى كل يوم الى الكنيسة، أو كوصية من الوصايا العشر.

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل