#adsense

أبناء الرجاء والقيامة الى الخريبة بعد اربعين عاماً.. شبطيني وعدت ووفت

حجم الخط

وبعد أربعين عاما عادوا إلى الخريبة في عكار… تلك القرية المسيحية التي حولتها بربرية المسلحين ودعسات الاحتلال السوري منذ بدايات الحرب عام 1975 إلى قرى فارغة ومهجورة إلا من دماء الشهداء وصدى صرخات الأمهات الثكالى ومشهد شبابها يدافعون عن آخر حبة تراب فيها. عادوا وحفروا التاريخ في سجلات وطن لا يزال قصره الرئاسي مهجورا منذ عامين و3 أشهر: نيسان 2016.

عادوا ليشهدوا للتاريخ أنه شتان ما بين نيسان 1975 ونيسان 2016، وللشهداء أن دماءهم لم تسقط هدرا، وللأرض أنهم هنا وباقون لأنهم أبناء أمل ورجاء وقيامة. عادوا ليرمموا مع كاهن الرعية كنيستهم ويدقوا أجراسها أيام الآحاد والأعياد ومع كل طلعة شمس. عادوا ليعيشوا مع محيطهم تفاصيل الحياة على مشهدية أنقاض بيوتهم في الخريبة التي كانت مراح ماعز لكنها كانت بمثابة قصور المرمر.

لكن ثمة من لم يعد بعد. ثمة من لا يزال يقف على أطلال بيته في الخريبة والحويش ويتذكر: “هنا كنا نلعب مع صبية الحي، هنا كنا نتعلم، وهنا كانت تعجن جدتي وهناك كان تخبز مع جدي… كلهم صاروا في دنيا الحق”. والحق يقال أن لا تاريخا يطوى على حرب إلا بعودة آخر مهجر إلى قريته وآخر مفقود ومعتقل في السجون السورية.

من لم يعد بعد، فالأرض وساحة الكنيسة تنتظرانه ليعود ويزرع من جديد مقومات الإيمان والرجاء والتجذر في البلدات العكارية.

كان المفروض أن نكتب عن عودة أهالي الخريبة إلى قراهم بعد 40 عاما من التهجير. كان المطلوب أن تكون الخريبة الحدث والحديث . لكن مجرد الوصول إلى حدود القضاء تتفكك المشهدية التي رُسمت في البال. وإذا صح أنه وراء كل باب حكاية فهنا في القرى والبلدات العكارية المسيحية منها والمختلطة ألف حكاية وحكاية.

قبل أن تمر بوسطة عين الرمانة لتشعل نيران الحرب اللبنانية العام 1975 كانت نسبة المسيحيين في  قرى وبلدات عكار تقارب ال60 في المئة. اليوم لا تتجاوز ال 30 في المئة. والثلاثون في المئة الباقون إما تعمدوا بالشهادة عندما اخترقت جحافل المسلحين قراهم في العام 1975 أو تشتتوا في الأطراف أو هاجروا أو صاروا في دنيا الحق. والروايات عن المجازر التي ارتكبت في عدة بلدات في عكار تبدأ ولا تنتهي فصولا إلا عند عودة أبناء الخريبة إلى قريتهم بعد 40 عاما على تهجيرهم.

من رحبة القريبة من الحويش مرورا بـ بيت ملات وممنع والقريات وإيلات والخريبة وتاشع حكايات لا تختصرها المسافات الشاسعة بين قرية وأخرى، كيف لا وبداياتها مغمسة بنضال عصا الراهب يوحنا مارون مرورابزمن  المقاومة ببندقية الصيد والرشاش والمدفع وصولا إلى الإيمان بالتجذر والعودة إلى الأرض. ثمة من سيقول إنها الحرب “تنذكر وما تنعاد”. صحيح لكن فصولها تستحق إعادة فلش بعض من اوراقها لأنها الأساس في تثبيت مفهوم العودة والتجذر في الأرض. ومن هذه الفصول نستمد ما يروى عن قرية رحبة العكارية التي استشهد فيها 20 شخصا في ليلة واحدة، تلك الليلة المجنونة التي زحف فيها المسلحون لا بل تسللوا إلى البيوت والممتلكات فقتلوا من قاومهم وتصدى لبربريتهم، واستباحوا الأراضي والمواشي ولم يرحلوا قبل ان يتأكدوا من تنفيذ همجيتهم حتى الرمق الأخير. وفي بيت ملات يتابع الراوي أن غالبية البيوت نُهبت وأُحرقت مما اضطر الأهالي إلى الهرب ومغادرة البلدة تحت التهديد والضغط. ومن بقي عاش فيها لمدة وجيزة تحت ضغط المحتل السوري لكنه ما لبث أن غادر بعد التضييق عليه وإقفال الطرق ومنافذ الحياة الكريمة والآمنة عليه.

وجهة النازحين كانت آنذاك ما يعرف ببيروت الشرقية باستثناء أهالي الخريبة الذين نزحوا نحو قرى وبلدات قضاء الكورة. اما أهالي الحويش فعادوا بعد فترة وجيزة على غرار أهالي بلدة رحبة والقريات .في حين توزعت مراحل عودة الباقين إلى قراهم بحسب الظروف الأمنية والسياسية وأيضا الاقتصادية. ويؤكد المعنيون أن “الجيرة” لعبت دورا في تعزيز ثقة الأهالي للعودة إلى قراهم المسيحية وتثبيت مفهوم العيش المشترك.

وحدهم أهالي الخريبة تأخرت عودتهم أربعين عاما، أما الحويش فيشكل المسيحيون فيها نسبة 10 في المئة وهم في غالبيتهم من عائلتي شاهين وبطرس والباقي من الطائفة السنية. في هذه البلدة المشهد شبه سوريالي. فالمنازل مشتتة وسكانها لا يغادرونها صيفا شتاء ويغلب عليها طابع العيش المشترك والإحترام المتبادل. وقد تجسد ذلك في الانتخابات البلدية الأخيرة حيث رفع الأهالي شعار”بلدتي أمانتي” دلالة على تثبيت صيغة التعايش بين النسيج السكاني وترسيخا لمفهوم التجذر والعيش في حمى الجيش اللبناني. ويروي أحد أبناء البلدة من آل شاهين أنهم لم يبخلوا يوما في تقديم شهداء من مؤسسة الجيش اللبناني دفاعا عن أرضهم وآخرهم الشهيد عبد الحميد نوح الذي كان اول شهيد يسقط في معركة عرسال وقد رفعت صورته وذُيلت بكلمات من الإنجيل المقدس والآيات القرآنية. والجدير ذكره أن المجلس البلدي في بلدة الحويش يضم 12 عضوا من بينهم إثنان من الطائفة المسيحية.

وصولا إلى ساحة الحويش. هنا لا بد ان يتوقف الزائر لساعات وساعات كيف لا والتاريخ نفسه يتكئ على جدران كنيسة دار آبيا أو “دار التعزية”. ندخل في صفحات التاريخ ونقرأ ما كتب الباحثون عن تلك التحفة الأثرية التي حاول الطغاة تدمير حجارتها الأثرية خلال الحرب اللبنانية، وتدنيس مذبحهاالمشرع على الفضاء الرحب والمظلل ببعضاغصان اشجار سنديانات عمر بعضها من عمر هذا الدير الذي لا يزال مقصدا للمؤمنين من مختلف المناطق. ومع رائحة البخور العالقة على نسيمات الهواء وأوراق السنديان نسبر في أغوار قصة هذا الدير الذي يحتاج إلى الكثير الكثير على غرار باقي  المواقع الاثرية والتاريخية القديمة في هذه المحافظة المحرومة.

يعود تاريخ بناء كنيسة دير أبيا الى أواخر القرن السادس وبداية القرن السابع الميلادي ومعناه في اللغة الآرامية “دار التعزية”، وهي تسمية تطلق عادة على السيدة العذراء التي توصف في الصلوات بـ”معزية الحزانى”. من هنا تحولت الكنيسة إلى مزار تقصده النساء الحزانى المتشحات بالسواد، خصوصاً في عيد السيدة ايفاء لنذورهن، وطلب الرحمة والغفران.
وعلى رغمتكدس السنين فوق حجارة هذه الكنيسة ومحاولات الطغاة هدم حجارتها وتحويل مذبحها إلى ملاذ لآثام احتلالاتهم، وتدنيس المقابر المحفورة في الصخور والعبث بها على أيدي اللصوص والمنقبين غير الشرعيين، إلا أنها بقيت متماسكة في غالبيتها لا سيما قبة المذبح القائمة عند الجهة الشرقية للكنيسة، وهي معقودة الحجرعلى مساحة لا تتعدى الـ24 متراً مربعاً من الداخل وبعلو 3 امتار، وهو ارتفاع الكنيسة الأساسي منذ تاريخ تشييدها.

بعد هدم كنيسة سيدة العطايا المشيدة إلى جانب كنيسة دار أبيا تحولت وجهة أهالي الحويش إلى كنيسة الخريبة التي كان يرأس القداديس فيها أيام الآحاد والأعياد المونسنيور الياس جريس. وبقيت الأمور على هذه الحال إلى أن تولى الخوري كامل كامل خدمة رعيتي مار يوسف في بلدة الخريبة وسيدة العطايا في كانون الأول عام 2015 حيث عمل على إعادة تدشينها بقداس إحتفالي تراسه المطران جورج أبو جودة. وفي عيد انتقال السيدة العذراء شهد حي المسيحيين الذي يحيط بكنيسة دار أبيا احتفالات تميزت بطابعها القروي والتراثي والتعاون المشترك بين كافة شرائح البلدة “كان المسلم السني عم يحضر معنا متل المسيحي من دون تمييز وهيدا اللي بيعزز مفهوم الشراكة والثقة بالعودة بغض النظر عن العددية لأنو في بعض القرى ما رجع من اهاليها المسيحيين إلا عيلة أو عيلتين على غرار ضيعة حرار القريبة من الخريبة اللي فيا عيلة واحدة من بيت أحمر ورقم سجلن 1.” يقول الخوري كامل كامل.

لكن ماذا عن باقي مسيحيي قرى عكار؟ وما هي مقومات العودة ومن يضمن توافر فرص العيش خصوصا بعد الكلام عن حرمان أهالي الخريبة من تعويضات وزارة المهجرين في العهود السابقة بحجة ان نتائج تقارير المساحين التابعين للوزارة أثبتت انه لا وجود لمنازل في المفهوم الهندسي إنما “مراح ماعز”؟ وحدها وزيرة المهجرين الحالية أليس شبطيني ضربت بيدها على الطاولة وقالت”كل مراح ماعز بمثابة قصر. وراح نعوض ع الأهالي”. الوزيرة شبطيني وعدت ووفت ولو بالجزء القليل الذي لا يكفي ربما لتسديد كلفة إعادة بناء سقف بيت. لكنها على الأقل فهمت أن البيوت في تلك القرى كانت مبنية في غالبيتها من الطين ولا تتوافر فيها الشروط الهندسية المعتمدة في المنازل عموما.

هذا على المستوى الإنمائي أما على المستوى الأنتروبولوجي والنفسي والإرث الاجتماعي والروحي فيؤكد الخوري كامل “أن المسيحي عموما والماروني تحديدا متعلق بأرضه على رغم مساوئ ظروف العيش في هذه المنطقة المحرومة والغائبة عن انظار الدولة وعدم توافر فرص العمل في القرى التي هجرها أهلها وأصابها الإهمال وربما الإهتراء. هذا ولم نتطرق بعد إلى الأراضي الزراعية التي اغتصبت او نهبت أو شطبت حدودها من السجلات العقارية. لكن لا يمكن الرهان على ذهنية العودة والتجذر في الأرض لأنهاتقتصر على الجيل الذي وطأ عتبة الستين من عمره. أما الجيل الجديد الذي ولد في المدينة وتربى  فيها فهي غائبة وربما لا تتعدى مجرد التفاصيل الهامشية في حياته العملية ونظرته إلى المستقبل. من هنا يتركز جهدنا الكنسي والروحي وحتى الوطني على تشجيع المسيحيين من الجيل السابق للعودة إلى قريته التي تهجر منها قسرا  ليعيد بث روح التجذر في نفوس الجيل الجديد من خلال إعادة تشييد بيته المهدم وزرع الأرض التي ستكون مصدر عيشه ورزقه، كما نحثه على الإستثمار للتجذر وتوفير فرص العمل لأبناء القرى المجاورة”. ويشير الخوري كامل الى الخطوات العملية التي بدأ العمل عليها في هذا الشأن بعدما أوكلته الكنيسة مهام رعيتي ماريوسف في الخريبة وسيدة العطايا في الحويش ويقول:” الملف الأول الذي وضعناه على طاولة وزير الداخلية هو ملف استحداث بلدية في ضيعة الخريبة الطلب من القوى الأمنية والجيش اللبناني استحداث نقطة أمنية في المنطقة لحماية الأراضي الزراعية لأن غالبية المحاصيل سائبة، كما نسعى لاستحداث تعاونية للمزارعين في الخريبة لتوعيتهم وإرشادهم على استصلاح الأراضي وتكثيف الزراعات المنتجة في البلدة ومنها السماق والصعتر والرمان بالإضافة إلى الزراعات تحت الخيم البلاستيكية وتربية الدواجن والأبقار لإنتاج الحليب والألبان والأجبان. وإعادة تشييد كنيسة سيدة العطايا في الحويش التي هدمت خلال الحرب. اما بالنسبة إلى كابيللا السيدة في الخريبة فقد أشرفت الأعمال على نهايتها و”متل ما هو معروف الكنيسة متل الإم بتلم” . وكشف عن مشروع بناء كنيسة جديدة  بدلا من كنيسة السيدة التي تهدمت خلال الحرب على قطعة أرض تبرع بها أهالي منطقة البيادر في الضيعة وهي كانت تستعمل لدرس القمح. لكن حتى الساعة لم يحدد إسم القديس الذي ستحمله الكنيسة الجديدة.

4 نيسان 2016 تم الإعلان رسميا عن عودة أهالي الخريبة إلى قراهم. وفي الحويش كانوا وباقون. عادوا وثمة بعد كثر لم يبادروا. لكن خطوة الألف ميل بدأت من خلال كابيلاالسيدة في الخريبة وإعادة تدشين كنيسة سيدة العطايا في الحويش. ومين قال الكنيسة ما بتلم؟

د. سركيس: العودة ما كانت لتتحقق لولا إرادتنا والعلاقات الجيدة مع الجوار

يتابع منسق منطقة عكار في حزب “القوات اللبنانية” الدكتور نبيل سركيس حركة عودة مسيحيي قرية الخريبة وباقي القرى العكارية إنطلاقا من استراتيجية الحزب المتبعة بعد خروج رئيسه الدكتور سمير جعجع من السجن في العام 2005 وممارسة العمل السياسي خصوصا في مناطق الأطراف ويقول:” إنطلاقا من هذه الإستراتيجية يتركز عملنا في حزب “القوات اللبنانية” على إعادة المسيحيين إلى قراهم وهذا حق مكتسب لكل مسيحي تهجر من قريته وارضه لا سيما في فترة الاحتلال السوري، كما هو حق لكل الأقليات وحتى من غير المسيحيين. وفي هذا الإطار نسعى إلى تشجيع المسيحيين على العودة إلى قراهم وإعادة تشييد أو تأهيل بيوتهم وأراضيهم الزراعية والإستثمار فيها لخلق فرص عمل وتوفير مقومات البقاء والتجذر”.

وحتى لا تبقى استراتيجية العودة مجرد كلام على الورق وأمنيات يؤكد د. سركيس أن الخطوات العملانية الأولى بدأت من خلال التواصل مع أهالي قرية الخريبة المنتشرين في قرى قضاء الكورة للعودة والإستثمار واستصلاح الأراضي الزراعية وفتح قنوات التعاون مع الخوري كامل كامل، لافتا إلى الإنجاز الذي تحقق من خلال إعادة تشييد كابيلا السيدة بمحاذاة الكنيسة التي تهدمت في الحرب”ومنعرف كلنا إنو الكنيسة هيي نقطة ارتكاز لتجمع المسيحيين بضيعن”.

يراهن منسق عكار على نجاح الخطوات التي يقوم بها بالتعاون مع أهالي القرى وكاهن الرعية لكن ماذا بعد العودة؟ يجيب الدكتور سركيس: “سوف نقوم بكل المساعي على المستوى الإنمائي وبما أوتينا من قدرات مادية في ظل غياب كلي للدولة. كما نسعى لإقامة قداس إحتفالي بهدف دعم أهالي هذه القرى وتشجيع الأهالي على العودة. وكل ذلك ما كان ليتحقق لولا العلاقات الجيدة القائمة مع الجوار وتحديدا وإرادتنا وإرادة إخوتنا في الطائفة السنية. وقد تجلى ذلك في احتفالات عيد انتقال السيدة العذراء حيث كان النسيج الطائفي متكاملا ويبشر بأن الخطوات التالية على مستوى عودة كل المسيحيين إلى قراهم في عكار حاصلة حتما”.

الأحد حلقة ثانية من العودة إلى الخريبة تحت عنوان “العائدون الى الخريبة: ما بدنا نخسر اراضينا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

خبر عاجل