#adsense

“ملوك الطوائف” تحيي ليالي تنّورين… الأرز احتضَن الجمال

حجم الخط

إلى تنّورين ترافقك الشمس لتغيبا معاً في حنايا شجر الأرز. في محمية غابة أرز تنورين تلتحف حرير الخضار لتردّ عنك نسمات برد «جرد البترون». في تنورين شواهد جمالية أثرية كثيرة تروي للزائر حكاية التاريخ. ووسط الغابة المتألّقة بأشجار لا تنحني رغم ثقلها العمري والتاريخي، ذكّرَنا مروان وغدي وأسامة الرحباني بماضي «ملوك الطوائف»، بالحاضر! مصالح ومنافع وتبعية وتشرذم وانقسام… كما الأمس (سنة 1200)، كما اليوم! يُقال إنّ «التاريخ لا يكرّر نفسَه إلّا عند الشعوب الغبيّة».إستعادة صائبة من حيث الزمان والمكان لمسرحية «ملوك الطوائف» للراحل منصور الرحباني. مساء أمس افتُتِحت «ليالي أرز تنورين» بهذه المسرحية الغنائية التاريخية، على أن تُعرض مساء اليوم والغد أيضاً.

 

حكاية الماضي والحاضر

 

«ملوك الطوائف» مسرحية غنائية تاريخية، تأليف وتلحين ومسرحة منصور الرحباني، إخراج مروان الرحباني، وبطولة غسان صليبا في دور المعتمد بن عباد ملك اشبيليه، وهبة طوجي في دور اعتماد الرميكية زوجة المعتمد، إلى جانب نخبة من الممثلين، نذكر منهم: بول سليمان، اسعد حداد، زياد سعيد ونزيه يوسف، بمشاركة اكثر من مئه فنّان بين ممثل ومغنٍّ وراقص وراقصه ومنشِد ومنشِدة وعمّال تقنيين وفنّيين.

 

شاركَ في تلحين وتوزيع أغنياتها الياس الرحباني، غدي الرحباني، أسامة الرحباني ومروان الرحباني. أمّا كوريوغرافيا وتصميم الرقص فلفلكس هاروتونيان، وتدريب الرقص والكوريوغرافيا لدانييل الرحباني.

 

تتناول هذه المسرحية التي كتبَها منصور الرحباني في العام 2003 فترةََ تاريخية في الأندلس، حين كان بارزاً ومؤثّراً على مجريات التاريخ والجغرافيا صراع ملوك الطوائف أو الجماعات في الأندلس بين بعضهم البعض، ما يتماهى مع الظروف المحيطة بلبنان والدول العربية، ويَعكس الوضعَ الذي نعيشه اليوم.

 

ففِعلاً التاريخ يكرّر نفسَه والأحداث نفسها التي حصلت في سنة 1200 في الأندلس تحصل اليوم في الدول العربية، من ناحية المصالح ومن ناحية حبّ الملوك أو الحكّام لبعضِهم بعضاً علناً وتدبير المكائد لبعضهم البعض في الخفاء، إضافةً إلى التبعية ودفعِ الجزية أو الضريبة للملك الإسباني الفونسو السادس، في إشارة لـ«قوى» أو «دولة» كبرى تحكم العالم والملوك والحكّام والناس في الماضي البعيد كما اليوم، فتتغيّر الوجوه والأسماء ويبقى الفعل واحداً.

 

الأندلس انقسَمت الى 22 دولة، يحكمها الفساد، الخيانة، القمع، السرقة، الخضوع، التشرذم والضعف. عُرِضت «ملوك الطوائف» لثمانية أشهر متتالية في كازينو لبنان في الـ 2003، وكانت من بطولة الفنّان غسان صليبا والفنّانة كارول سماحة. وأُعيد عرضُها لمرّة واحدة فقط في قطر عام 2010 مع الفنّانة هبة طوجي عوضاً عن الفنّانة كارول سماحة.

 

مشهدية خلّابة في الغابة

 

في تنورين بقيَ نص المسرحية ثابتاً، إنّما تمّ تنفيذُ العمل برؤية إخراجية ومشهدية جديدة خلابة بتقنية عالية تلائم الإطارَ العام لمَحميّة تنورين.

بين أشجار الأرز، ليوازي «كبرها» بُنِي مسرح كبير وديكور ضخم بتقنياتٍ حديثة، و إضاءة مميّزة تبهر العين.

 

حين تشاهد أيّ عمل لأولاد «المعلم» منصور الرحباني، يظهر لك أنّ أبرز ما ورثه حاملو رسالة المسرح الغنائي في لبنان، هو دقّة العمل وحِرفيته وجودته. تقنيات الموسيقى، الإخراج، الإضاءة، تصميم الأزياء والرقص… كلّها وفقَ أفضل المعايير.

 

غسان صليبا يَجمع ما يَندر أن يجتمع في فنّان، الصوت الجميل، الحضور القوي ومهارة التمثيل على خشبة المسرح. هبة طوجي، أمام صوتها يَخفت ضوء أيّ شيء، رغم مواهبِها وإبداعاتها الكثيرة. روعة الصوت تَستحوذ حواسَّك كافة وتمتصّ تركيزك بأكمله. وفي تنورين أضافت خطوة ناجحة على خطواتها الثابتة السريعة. أسامة الرحباني يشرف على كلّ ذلك، ثنائيتهما قليلٌ عليها صفة «النجاح».

 

ترحل ممتلئ العقل والروح

 

في «محمية غابة أرز تنورين الطبيعية» تَوازى غسان صليبا وهبة طوجي على دفّتَي ميزان الحب بين ملك و«غسالة» أصبحت زوجة الملك، لحوالي الساعتين ونصف الساعة تخلّلها استراحة لنحو العشرين دقيقة.

 

وختم غسان صليبا المسرحية بصوته، قائلاً: «يا عرب أنا واحد منكم، أنا آخِر نصر وآخِر شاعر… اللي خسَّرنا إنّا سكِرنا بمجد الماضي ونسِينا الحاضر… إنشالله منتحرّر ومنصير عرب المستقبل مِش عرب التاريخ».

 

من غابة أرز تنورين حيث تقبَع حوالي أربعة ملايين شجرة تمرّ «درب الجبل اللبناني». ومن الغابة تمرّ «درب المحابس»، في الوادي الممتد من أرز تنورين إلى المحابس في حردين. ومن هناك مرَّ «ملوك الطوائف»، ومرّت «ملوك الطوائف». الملوك لفَظتهم الأرض التي جذورُها تمتدّ بدائرة كاملة من بشرّي إلى دوما واللقلوق وجرود جبيل والعاقورة وصولاً إلى اليمّونة.

 

أمّا المسرحية فحضَنتها الغابة ولجنة مهرجانات «ليالي أرز تنورين»، لتقول ليالينا ليالٍ لبنانية من ثقافة، تنسكب كمياه بالوع بلعة إلى العمق، موطئها البحر المفتوح على وإلى العالم.

 

المناظر الخلابة والطقس المنعش يسهّل الدربَ الطويل نحو أرز تنورين. والـ«أهلا وسهلا» النابعة من قلب الأهالي المقدّمة لك مع علم لبنان تجعل طريقَك تستحقّ العناء. تستذوق أطيبَ المأكولات قبل تذوُّقِك مسرحية لذيذة على مدخل الغابة، ترحل ممتلئ العقل والروح على ضوء البدر… ستعود.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل