رغم توافق الدولة والكنائس المصرية الثلاث على صيغة مشروع قانون “بناء الكنائس” الذي يفرض الدستور إقراره قبل انتهاء دور انعقاد مجلس النواب الشهر المقبل، إلا أن الحكومة أدخلت على المشروع قبل إحالته على البرلمان لمناقشته وإقراره تعديلات قالت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أنها “فوجئت” بها.
كان يُفترض أن يضع القانون الجديد قواعد مبسطة وواضحة تسد الباب أمام أحد أبرز أسباب العنف الطائفي، فمحاولات بناء الكنائس – أو الإشاعات عنها – مسؤولة عن أقل بقليل من نصف حوادث العنف الطائفي التي باتت تتكرر تقريباً مرة كل شهر.
غير أن التعديلات الأخيرة منحت “جهات معنية” لم تحددها سلطة منح التراخيص مع المحافظين، كما أحالت التظلمات من قرارات الرفض على القضاء العادي، بدل القضاء المستعجل، وربطت البناء بأعداد الأقباط التي لم تعد الدولة تعلنها في الإحصاء السكاني منذ العام 1986.
ولا يحتاج إبراز أهمية القانون المرتقب بالنسبة إلى مسيحيي مصر، سوى التذكير بأن الدولة لم تمنح في السنوات الخمس الماضية، وفق إحصاء أعدته “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، سوى عشرة تراخيص بناء كنائس، اثنان منها فقط للأقباط الأرثوذكس الذين يشكلون غالبية المسيحيين في بلد زاد سكانه أكثر من عشرة ملايين خلال هذه السنوات الخمس. هذا بخلاف استمرار غلق عشرات الكنائس “لأسباب أمنية” ورفض منح تراخيص لترميم كنائس أخرى توشك على الانهيار.
لا تزال دوافع التعديل المفاجئ الذي أدخلته الحكومة على الصيغة المتوافق عليها لمشروع القانون، غير واضحة. لكن ربما لم تكن الوقفة المحدودة التي نظمتها إحدى مجموعات المهجر القبطية أمام البيت الأبيض مطلع الشهر الجاري احتجاجاً على تزايد الهجمات الطائفية، بعيدة من حسابات التعديل، خصوصاً أن الاحتجاج هو الأول لأقباط المهجر منذ العام 2013، ونظمته جماعة كانت تشارك في تنظيم التظاهرات المؤيدة للرئيس عبدالفتاح السيسي في زياراته الخارجية.
صحيح أن بطريرك الأقباط البابا تواضروس الثاني هاجم الوقفة والداعين إليها، لكن الدولة كانت تتوقع منه التدخل لمنع تنظيمها في إطار “وحدة الصف الوطني” التي شدد الرئيس السيسي على أهميتها خلال استقباله وفداً من الكنيسة قاده البطريرك قبل الوقفة بأيام. وربما وجدت أجهزة أمنية في تنظيم الوقفة، فرصة للرد على رفض الكنيسة جعلها مرجعية لمنح تراخيص بناء الكنائس وترميمها.
قد لا تكون الكنيسة فوجئت حقاً بالتعديلات التي وصفتها بأنها “غير مقبولة وغير عملية”، خصوصاً أنها ليست المحاولة الأولى للالتفاف على الصيغة التوافقية للمشروع. غير أنها ردت هذه المرة بلهجة حادة تشكل افتراقاً عن التماهي الكامل الذي طبع علاقتها مع الدولة منذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي في تموز 2013، فاعتبرت التعديلات “خطراً على الوحدة الوطنية المصرية بسبب التعقيدات والمعوقات التي تحويها، وعدم مراعاة حقوق المواطنة والشعور الوطني لدى المصريين اﻷقباط”. ودعت إلى التحلي بـ “نية خالصة وحس وطني عالٍ ﻷجل مستقبل مصر وسلامة وحدتها”.
هذا الرد سبقه مقال لبطريرك الأقباط في مجلة “الكرازة” الناطقة باسم الكنيسة، حذر فيه من تفريغ مشروع القانون ليصبح “تورتة (كعكة) بها زجاج… بنود جميلة شكلاً، ومعقدة ومعطلة ومبهمة موضوعاً”.
ويعكس كلا الموقفين تحولاً في العلاقة بين الدولة والكنيسة مرشحاً للتصاعد، في حال تجاوز الاستحقاق الدستوري أو إصدار القانون بصيغة تكرس الأزمة الطائفية الحالية وتقوّض الثقة بين الطرفين.
