العائدون الى الخريبة: ما بدنا نخسر اراضينا

 

إلى الخريبة في عكار وصلنا، هناك حيث الطرقات ضيقة ولا تصلح لمرور السيارات استقبلنا أهالي الضيعة، وضع لا يبشّر بالخير ومشاهدات تبرز الواقع المأساوي الذي يعيشه أبناء الخريبة. أقلّ ما يمكن قوله عن هذه الضيعة أنّها محرومة لدرجة الفقر وأن أهاليها مغبونون، هذه الضيعة المنسية كانت لها محطات بطولية خلال الحرب اللبنانية هي التي وقفت إلى جانب المؤسسات العسكرية وقدّمت الشهداء دفاعاً عن الوطن. لكن للأسف للآن لم تردّ الدولة جميل الخريبة لا بمشروع إنمائي ولا بتمويل بناء معمل أو مصنع ولا حتى بتعويضات وزارة المهجرين. بسيطة هي الحياة في الخريبة لكن أقلّ مقوّماتها غير موجودة، جميلة طبيعتها لكنها تحتاج إلى الاهتمام بها. صرخة حرمان أطلقها أبناء الخريبة من خلال المسيرة كرسالة إلى الدولة والمسؤولين والسياسيين، صرخة يدركون مدى عمقها وألمها.

 عند دخولنا عكار طالعتنا كروم شاسعة مزروعة بشجر الزيتون، مساحات خضراء وأراض لا تزال عذراء؛ الماعز يرعى في الأحراج وصوت المياه العذبة يصدح في الأرجاء وشمس آب تلوّن الأجواء. لم يعد مخفياً حجم الصعوبات التي تعاني منها محافظة عكار لكن كونها فقيرة ومحرومة لا يعني أنّها ليست جميلة ولا تحتوي على أماكن سياحية، هذه المحافظة التي تظلمها الحكومة يظلمها أيضاً الإعلام. في عكار قرى متواضعة جدّاً فيها منازل قديمة لكنها جميلة، بعضها أعيد ترميمه بعد الحرب والبعض الآخر يرسم على جدرانه آثار القصف، قليلة هي البيوت التي بُنيت حديثاً.

في طريقنا إلى قرية الخريبة سألنا عجوزاً: بدنا كتير لنوصل لضيعة الخريبة؟ فأجاب: “بعد في أكتر من كيلومتر لتوصلوا، خليكون مع وجكم”. وما هي إلّا نصف ساعة حتى دخلنا شوارع ضيقة تكتظّ فيها المنازل الملاصقة لبعضها البعض، طرقات لا تصلح لمرور السيارات فهي غير معبّدة وتحتاج إلى تأهيل كما أنها لا تتسع إلا لمرور سيارة واحدة، وبنى تحتية بدائية جدّاً.

نصل إلى كنيسة مار يوسف في الخريبة التي شُيّدت عام 1950، أهالي الضيعة يتجمهرون من حولنا، منهم مقيمون هناك ومنهم من يقصد الضيعة يوم الأحد وفي الأعياد فقط.. على بساطتهم إستقبلنا أبناء الخريبة فرحبوا بنا وفرحوا لدى معرفتهم أننا وسيلة إعلامية ستنقل الواقع المأساوي الذي يعيشونه.

هناك في الخريبة لا تزال صورة القرية مطبوعة في المشهد العام. الرجال يرتدون الشروال اللبناني، وهم متمسكون بتقاليد بلدهم، “نحنا ممحيين عن الخريطة اللبنانية، ما حدا بيسأل عنا” يصرخ أحدهم.

ويقول آخر، يدعى سمعان جريج: “تهجّرنا عام 1975 إثر اندلاع الحرب اللبنانية حينها بدأ الفلسطينيون بالتعاون مع جيراننا في القرى المجاورة للخريبة بمضايقتنا. آنذاك كنت لا أزال في السلك العسكري ووضعت على إحدى الجبهات لم أستطع المجيء إلى ضيعتي لإخراج زوجتي وأولادي ما اضطرهم إلى الهروب إلى سوريا ثمّ إلى البقاع فجونية حيث استقرينا”.

عندما تهجّر أبناء الخريبة استقرّ بعضهم في العاصمة بيروت والمناطق المجاورة لها فيما نزح آخرون إلى كوسبا في قضاء الكورة، لكنّ قلّة منهم تمكنت من العودة بعد التهجير وإعادة بناء منازلها والسكن فيها. لماذا؟ الأجوبة متعدّدة.

من استطاع العودة إلى منزله في الخريبة بعد انتهاء الحرب هو من سلم منزله من الهدم فيما الآخرون الذين لم يبقَ حجر واحد من منازلهم قدّموا طلب مساعدة من وزارة المهجّرين للحصول على التعويضات اللازمة. والمضحك المبكي في الموضوع أنّ من قبض تعويضاً، وهم فقط 3 أو 4 عائلات، حصل فقط على مبلغ 3 ملايين أو 4 ملايين ليرة لبنانية كحدّ أقصى، فهل هذا المبلغ يبني منزلاً؟ “هذا المبلغ بالكاد يغطي تكلفة باب المنزل” يجيب رجل مسن من القرية.

“هذه الضيعة المسيحية بامتياز شهدت على الكثير من الأحداث الأليمة مع بداية الحرب” كما أخبرنا العمّ أسعد فؤاد. وأضاف: “أذكر أننا أُجبرنا على تسليم كل أنواع الأسلحة الموجودة في بيوتنا حتى بواريد الصيد، دخل علينا المسلحون، كانوا أكثر منا عدداً فهددونا بأسلحتهم وأجبرونا على ترك منازلنا. وكانوا قد قتلوا عددًا من أبناء قرية رحبة المجاورة لنا، وعندما علمنا بما حصل لهم اضطررنا إلى الخروج من ضيعتنا”.

لغاية اليوم لم يستطع العمّ فؤاد إعادة بناء منزله على الرغم من أنّه قدّم طلب تعويض إلى وزارة المهجّرين، ولكن لا آذان صاغية ولا من يجيب على نداءات أبناء الخريبة.

وعند سؤالهم عن نوّاب المنطقة وكيف يتحرّكون في ما يخصّ ملف التعويضات المالية يجيب الجميع بضحكة: “أيا نوّاب؟ ما في حدا يسأل عنا، بعد الإنتخابات بينسونا”.

يقول أحدهم “نريد التفاتة صغيرة من الدولة، الأرض موجودة لكننا بحاجة إلى تعويضات مالية لتأمين كلفة السقوفية أقلّه وهذه وحدها تكلّف 12 مليون ل.ل. فهل يعصى على الدولة التي تقدّم لبعض اللبنانيين، الذين ينتمون إلى جهات سياسية معروفة، تعويضات كبيرة أن تنظر إلينا؟”

عدا عن عدم حصولهم على تعويضات الكثير من أبناء الخريبة لا يستطيعون الإقامة فيها بسبب افتقارها لأبسط مقوّمات الحياة، “مي ما عنا، صرف صحّي ما في، على شو بدهم يرجعوا الشباب يعيشوا هون؟ تعودوا على الرفاهية ببيروت” كما قال العمّ مطانيوس.

ويتابع وفي صوته غصّة: “مليونان ونصف مليون متر مربع من الأراضي اشتراها أجدادنا بعرق جبينهم فكيف سنتخلّى عنها؟ لا نريد أن نخسر أراضينا. نريد من وسائل الإعلام أن تضيء على وضعنا التعيس، الدولة غائبة عنا كثيراً، الكلّ حصل على تعويضات تليق به أما نحن فلا أحد ينظر في مشاكلنا”.

تقول إحدى السيدات “لو أنّ الراهبات يقمن ديراً هنا لكانت تغيّرت الأمور، فمن خلال الدير نستطيع إنشاء مدرسة ولو صغيرة وهذا سيحفّز أبناء الخريبة على تسجيل أولادهم فيها والعودة إلى الضيعة. نحن نضطرّ أن نأخذ أولادنا إلى المدارس في الضيع المجاورة، لا ينقصنا أرض ولا شهادات للعمل لكن ينقصنا مؤسسات”.

تفتقر ضيعة الخريبة إلى المشاريع المنتجة فلا مصانع أو منتوجات زراعية يستطيعون تصريفها والعيش من مردودها، على الرغم من أنّ أراضي الضيعة زراعية ومن يسكنها يهتم بأرضه ويزرعها لكن الدولة لا تمدّ يد العون لهم.

إضافة إلى مشكلة المياه تمّت إضاءة شوارع الخريبة مؤخراً بعد جهود من مختارها نبيل غصن الذي أخبرنا أنّ “القرى المجاورة تحاول التعدّي على أراضي الخريبة والمسّاحون المكلفون من قبل الحكومة يحاولون تسجيل بعض أراضينا كمشاع للدولة. تواصلنا مع نوّاب ووجهاء المنطقة لكن أحدًا لم يحرّك ساكناً، ونحن نعمل حالياً على تقديم عريضة لمحافظ عكّار لتعيين ناطور للضيعة، يكفينا ما عانيناه سابقاً. كما أننا نحرّك ملف التعويضات في وزارة المهجّرين التي وعدتنا أنّ نقبض تعويضاتنا قبل فصل الشتاء، على أمل أن يصدقوا بوعدهم وأن يقدموا مبلغاً أكبر يغطّي مصاريف البناء”.

والجدير ذكره أن البنى التحتية في الخريبة شبه معدومة والطرقات غير صالحة، واللافت أنّه بعد عودة أبنائها من التهجير لم يكن يُحتفل بالذبيحة الإلهية في كنيستها سوى مرتين في السنة فقط وذلك في عيدي الميلاد والفصح. لكن مع تعيين الخوري كامل كامل كاهن رعية في كنيسة مار يوسف منذ كانون الأوّل 2015 بدأت الأمور تتغيّر وكانت أولى خطواته إقامة قداس كل يوم أحد كما أنّه زار أبناء الضيعة المهجّرين ودعاهم للمواظبة على حضور القداديس.

يلفت الأب كامل أنّ “الموارنة دخلوا لبنان من عكّار وأوّل كرسي بطريركي أقيم كان في ضيعة القريّات في عكار لذلك تجدون هنا كنائس قديمة عمرها 1500 سنة. عندما أتيت إلى كنيسة الخريبة للمرّة الأولى كانت فارغة ما أحزنني كثيراً وقد عكست هذه الصورة وضع المسيحيين في هذه الضيعة وسواها أيضاً”.

ويضيف: “في وزارة المهجّرين هناك 102 طلباً لم يتم تحريكها بعد لكن الوزيرة أليس شبطيني وعدتنا خيراً، الخريبة مظلومة من كل النواحي لكنها ليست متروكة أو منسية فنحن لن نتخلى عنها مهما حصل. ولأن شفيع الضيعة هو مار يوسف الذي لم يترك العذراء مريم عندما علم بحملها فأنا لن أترك الخريبة. والبداية كانت في دعوة أبناء الضيعة لزيارتها وحضور قداس يوم الأحد في كنيستها، ثمّ دعونا المطران جورج أبو جودة لزيارتها فلبى الدعوة في 4 نيسان 2016. في 6 نيسان 2016 بدأ العمل على تشييد كابيلا مار يوسف التي كانت أصلاً موجودة لكنها تهدّمت في الحرب، الأعمال لم تتوقف أبداً وبسرعة قياسية أتممنا  المشروع وسندشنها قريباً”.

على الرغم من وجود نحو 1000 ناخب من الخريبة على لوائح الشطب إلا أنهم لا يمتلكون بلدية، خصوصًا أن عدد القاطنين فيها لا يتجاوز 20 شخصاً، ويسعى أبناء الضيعة حاليًا لأن يكون لديهم بلدية خاصّة بهم فتكون مهامها الاهتمام بالبنى التحتية وتزفيت الطرقات وتوفير المياه وترميم البيوت القديمة.

يشير الأب كامل إلى أنّ “الضيعة تحتاج إلى خارطة رسمية من الدولة اللبنانية تحدّد حدود الخريبة ويوقّع عليها أبناء القرى المجاورة بهدف منع التعدّي على أراضيها”.

يلتجئ أهالي الخريبة إلى بلدية الحويش وهي ضيعة ذو أكثرية مسلمة وأقلية مسيحية، هناك تختلف الأمور كثيراً عن الخريبة. إلى جانب كنيسة سيدة العطايا داربيا في الحويش التقينا بأمين صندوق لجنة الوقف في الكنيسة طنوس شاهين الذي أكّد لنا “نعيش هنا في سلام مع أبناء الحويش من المسلمين، ولا مشاكل أبداً”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل