اعترف بأنني عندما قرأت خطاب السيد حسن نصر الله الأخير عجزت عن ربط ما قاله ببعضه، أو إيجاد منطق منسجم يضم مواقفه. شتات مواقف ماضية، معروفة، مكررة، حاول إلباسها ثياباً “قشيبة”.. كل ما قاله معروف حتى عندما يتناقض مع ذاته، أو تخونه الوقائع (كما جرى في حلب). كأنما يصرح بشيء، ليعني شيئاً آخر. أو يؤكد أمراً من باب نفيه، أو ينفيه من باب تأكيده.
ظن بعض الناس، انطلاقاً من هذه المجازات والترميزات والإشارات، ان السيد “متفائل” بالمشاركة بحل القضايا العالقة المتصلة بما خلّفه حزبه من فراغ، وشغور في عمق الدولة، وما أنتجه حزبه من “مجهول” في مصير البلد. عال يمدّ يداً لخصومه، ويسحب الأخرى، يرمي اقتراحاً ليشطبه بآخر، يعلو الدستور والمواثيق والقوانين ويطالب بالحفاظ عليها. يُملي “أمراً” على خصومه، ليتبنّوه كاقتراح… يتكلم عن الديموقراطية، ويتبجح بديموقراطية الملالي، ليصفّي الديموقراطية عندنا. يصر على اجراء الانتخابات النيابية ليعطل الانتخابات الرئاسية.
يرشح عون للرئاسة لكن لا ينتخبونه في المجلس. وهكذا حزبه، يدعون الآخرين إلى النزول لانتخاب الرئيس وهم يقاطعون. وعليك ان تزلق بخفة ومهارة بين هذه المتاهات، لكي تصل الى شيء.. بل لكي لا تصل.
يمحض نفسه الحرية المطلقة لكي يفعل ويقول ويمارس ما هو نقيضها عند الآخرين، ويصادر هوية الآخرين بالاستئثار، يحضر جلسات الحكومة لكي لا تحضر الحكومة..
وهكذا دواليك، وأنت تستمع أو تشاهد أو تقرأ مواقفه. أهي مواقف؟ أم أفكار؟ أم آراء؟ والفارق شاسع بينها، يتكلم كمقاومة وهو يحارب الشعب السوري، ثم يحذر من “التآمر” على المقاومة، وهو دمرها في العراق و7 أيار، والمدن والأزقة السورية. وعليك انت ان تصدقه في كل احواله، خصوصاً عندما يتعامل مع الناس وكأنهم أطفال سذّج، أو جمهور كرة قدم. “فالطفل” يصدق والده لأنه والده. وعليك ان تثق بكل ما يقول (ولو تعارضت أقواله) لأن المؤمن يؤمن “بمرشده”. وأنت بالضرورة من حوّاريه. إذا هو من باب الارشاد (مشتقة من الرشد والنضوج والحكمة والكمال)، وليس عليه ان يشكك به، أو يناقشه، أو حتى يسائله، فالكلام الآتي من فوق لا يمس الارض. إنه القول “النهائي” دائماً يعلنه القائد النهائي. وإذا تجاوز المنطق، فعليك انت الا تتجاوز الخضوع أو “التفهم” أو “إكباراً” لمهارة البلاغة والتعبير، ونبرات الصوت، فهذه كلها من حواضر القداسة.. والإصرار، وتأكيد الحقيقة الواحدة المطلقة!
مرشد الحقيقة
مرشد الحقيقة إذا. ولمَ لا؟ فقد عرفنا في لبنان على امتداد الحروب مرشدين كثراً بلباس الميادين أيضاً، وببنادق الميليشيات وبمتاع الايمان والصدق بالقيم السماوية والإلهية، أو الطائفية، أو العلمانية أو القومية أو الوطنية. كانت “تفقّس” الحرب في لبنان كل يوم “مرشداً” برتبة ميليشيا، أو بمؤهلات عميل أو بخطاب شعبوي. إذاً من السهل ان يرتجل كل من شاء، نفسه مرشداً. فالمؤمنون جاهزون. والدماء جاهزة. والخراب كذلك… والوطن في صيغة الغائب أو المنكوب أو المغلوب على أمره. لكن لكل ارشادية عرفناها (من مجموع القتلة والعملاء) مواثيقها وأوطانها ومرابط خيولها وحظائرها الخارجية… وكذلك نهاياتها… فهي توضّب في الخارج لتثمر دماراً في الداخل.
وها هو السيد حسن آخر عناقيد الإرشاديين الميليشيويين بشعارات المقاومة. (كل الذين سبقوه كانوا ايضاً مقاومين، يا للمصادفات التراجيدية). وها هو، في خطابه الأخير، غير المعروف أوله من آخره، يؤكد “سلطانه” ويلعب دوره “كدليل” وكحكيم وأحد الكهنة المتنبئين كما تتطلب المرحلة الحالية. فهو المنكوب ـ المنتصر في سوريا، والحائر بين دور روسيا وإيران، لكن المُصرّ على الاستمرار، بذهن صافٍ وارادة فولاذية، في قتال السوريين في دمشق، والمسلمين “العرب” في كل بلادهم.
فالهدف بادٍ للعيان، وللاصابع، وللأذهان: انه الحاكم بأمر “الالهة” وهم كثر، اقصد المرشدين الذين يفوقونه رتبة وفقهاً ومرتبة، في تراتبية المصائر، والقرارات: المرشد الأعلى في بلاد الفرس، والثاني في بلاد القياصرة، والثالث في ذمة “الانتظار”.. أو في قسمات الخراب. والمعروف عن المرشدين جودهم وتدفق عطاءاتهم، وها هو السيد حسن يوزعها على الآخرين: الرئاسة لميشال عون (وهو لا يريدها لعون)، والبرلمان للرئيس نبيه بري (بحكم الضرورة والحاجة!)، “ووعد” أخيراً بتفهم مواقع سعد الحريري “ورغباته” وعهد بتسهيل أموره في رئاسة الحكومة في حال قبوله عون.. او “السلة كلها” أو “كيس الهدايا” برمته. ولأنه “عارف” ببواطن الأمور وخفايا النيات، ورغبات السرائر، فقد أعطى الثلاثة (عون، بري، الحريري) ما ظن أو تأكد أو استبطن ما يسعون إليه! لعبة نفسية؟ نعم! فرويدية ربما! فمكرماته لا تدرك فقط هؤلاء بمظناته، وإنما كل ما هو قائم في البلد: مكرمات دستورية، بمقايضته بأي ثمن. مكرمات ميثاقية، بتحويلها لعبة أطفال. مكرمات برلمانية بجعله كهفاً يشبه كهف افلاطون، ومكرمات حكومية يجعلها لعبة مشخصاتية تتغير ادوارهم باستمرار، كبعض المسرح العبثي.. ثم مكرمات الوطن وهي الأغلى التي يقدمها حزب الله الى أهله، وشعبه… لكن لتصل إلى ايران.
الدستور المغيب
فالدستور في حكم “المؤجل” أو “المغيب” هو نعمة من نعم الله! فالتأجيل سمة من سمات الروّية وبُعد النظر، وكذلك التخريب، فهو علامة من علامات “النهاية”، أو إشارة إلى بداية العهد الجديد المنتظرّ.. فكأن الحزب (بما تمليه عليه الارشادية الخامنئية)، بابا نويل لبنان والجنوب والشمال، وصولاً إلى سوريا والعراق واليمن والبحرين: يوزع الموت والدمار بالعدل والقسطاط… وفي لبنان ينثر ورود الأمل، والأحلام، على مفاصل الدولة، فتبدو كأكاليل الموتى، أو كأخشاب التوابيت.
ذوو الألباب
لكن المشكلة في كل ذوي الالباب، من مرشدين وطغاة وسلاطين، وفقهاء، انهم لا يعرفون دائماً ان ما يوزعونه على العالم من عنف، وإرهاب، ووحشية، بعلب من الكبتاغون، او الهيرويين أو الأدوية المزورة والقنابل، او القتل.. لن يوصلهم لا الى برّ الأمان، ولا إلى “اصابع” النصر يرفعونها بعزة وكرامة!
والسيد حسن نصر الله ذهب منصوراً الى بلاد الشام العربية، بمعية يافطته المذهبية، وها هو لم يعد بعد: بل عادت الهزائم والخيبات مع جثث الشباب اللبنانيين الذين ساقهم الى هناك كالخراف بايمان المجبرين، او المحتاجين أو المخدوعين. عادوا كلهم ما عدا حزبهم، عاد كل الضحايا من موتى وجرحى، وبقي الحزب ينتظر مجيء شبان آخرين من لبنان، ليرميهم في طاحونة الموت، وفي اتون الجحيم. ينتظر هناك ضيوفه “الشبان” بزفات الدم، وبأعراس الموت..
في سوريا يوزع الدماء الطازجة، وفي لبنان يوزع “المكرمات” وفي سوريا يوزع الخيبات.. والانتكاسات. لكن إلى متى؟ فلو كان يعرف في الماضي لما تنكب لبنان كل هذا الخراب الذي خلفته حربه الارتجالية الموصوفة من بلاد الملالي. فهو “جندي في جيشها العظيم”، وفاصلة في جملها الالهية، وتفصيل صغير في عناصرها المتشعبة. فلا دور له اساسياً في سوريا، كما ظن في بداية مغامرته بالذهاب إلى هناك، ولا دور له فاصلاً في العراق، ولا في اليمن، ولا في البحرين.. فأدواره “الأولى” كفتى الحرب (على غرار فتى الشاشة العربية)، صارت من أدوار الكومبارس، وها هو وايرانه باتا من توابع روسيا… تسوقهما بعدما تنازل طغاة إيران عن سيادة بلدهم ومحضوها لبوتين لتكون منصة كبرى لطائراته العملاقة لتقصف الشعب السوري. أين هي سيادة إيران يا سيد حسن؟ أبات الروسي وصياً عليها، كما كانت ايران وصية على لبنان؟ اين التبجح بقيام الامبراطورية الفارسية، وتعيين لبنان، وسوريا، والعراق، ولايات تابعة لها! فمن الصدارة الى الذيلية والتبعية أترى هل تصبح إيران نفسها ولاية روسية ـ إسرائيلية (بحكم تحالفهما الميداني؟).
انهيار تراجيدي
هذا الانهيار التراجيدي للملف الخامنئي ـ البوتيني ـ الإسرائيلي ـ الأميركي، أتراه من اشارات نقصان، أم انه اشارات عد عكسي للارتداد على هزيمتهم في حلب أخيراً، لتحويل سوريا كلها، بأهلها، ومدنها، وبيوتها أرضاً محروقة لا ينبت زرعها، ولا تقوم حضارتها، ولا يبقى سكانها!
أهكذا تحول دورك يا حزب الله من “منقذ” لبشار الاسد إلى مستجير بمن ينقذك من هزائمك! في بداية الحرب، تبجحتم بإيران، بانه لولاكم لسقط الأسد الذي استجار بكم استجارة الغريق بقشة، أو بقشرة بطيخ، وانقلبت اللعبة، فها هي إيرانكم “العظمى” تستجير بروسيا (وبأميركا ـ إسرائيل طبعاً) لتنقذها من فضيحة سقوطها كدولة “عظمى”.
فإذا صارت إيران لاعباً ثانوياً بعد الانخراط الروسي في الحرب، فما بال الحزب الذي صار بلا دور.. وها هو ما زال يدفع ثمن هامشيته وحضوره المهمش، دماً من شباب لبنان، الذين باتت مشاركتهم “لزوم ما يلزم” في لعبة الحسم، وميزان القوة الفاعلة في الميادين!
اللامعقول
انه مسرح اللامعقول، ومقولة “بكل الذين بقوا”، أو الموت من أجل الهزيمة لا الانتصار. فلعب الصغار مع الكبار محصلته معروفة… لا تؤدي فقط إلى مجانية الموت، بل الى لامعناه، ولامعقوله. أهذا ما يبقيكم يا سيد حسن في سوريا؟ العبث بأرواح اللبنانيين في مشاركة وهمية (معنوية) لا تقدم ولا تؤخر. وهنا نسألكم ما هي قيمة الحياة الانسانية في منظوركم! لا شيء! بل قيمتها مُشيأة كأي بضاعة تعرض للبيع أو للشراء.
حياة اللبنانيين بلا قيمة. فهي منذورة لما هو أدنى منها. واي حياة هذه يكون اهدارها دون قيمتها! فالحياة يا سيد حسن معجزة. والانسان معجزة. بل الكائن هو المعجزة الالهية (بحسب الأديان)، والمعجزة الكونية بحسب التحاليل والاكتشافات العلمية. والعقل هو المعجزة الكبرى، صلب الكائن. لأنه يا سيد حسن، هو اداة الاختيار والحرية.. ومن دونه يتساوى الانسان بالحيوانات والأشجار والأعشاب والنبات. فماذا فعلتم بهذا العقل؟ حاولتم تدميره في لبنان، ليصبح شعبه كائنات مفرغة من عقولها، كائنات خاوية، أو روبوتات آلية تحركها عقول شريرة. والمشاعر؟ ماذا فعلتم بها؟ أطفأتم أنوارها لتسقط في العماء، والصم، واللاشعور، والكراهية، ومجاراة القتل بلا رحمة ولا شفقة. ممنوع البكاء علناً في منظوركم. فهو علامة ضعف تؤثر في المعنويات. وممنوع ان يرثي الآباء والأمهات أولادهم، واليتامى آباءهم، والارامل أزواجهن، أمام العلن، والكاميرا، لأن ذلك يكشف عورات قراراتكم. إذاً فليكفكف الجميع دموعهم، لتكون دموعهم خفية، وليبتلعوا آهاتهم لتكون آهات مخنوقة.. إنها قمة الإرهاب. تذكرنا ببعض الأنظمة الطغيانية الستالينية والنازية والماوية.. والفارسية (حالياً) تقبلوا القتل بإيمان من يقبلون الشهادة! بإيمان من يقبلون ارادة الله! الله الله! لا حيوات تجل، ولا عقول تفكر، ولا مشاعر تنبض… إذا ماذا تبقى من هذه المعجزات التي صنعت العالم والعواطف والفنون والشعر والموسيقى والحضارة. لا شيء! وأنتم ماذا تبقى منكم؟ لا شيء! مجرد روبوتات معدنية أو خشبية أو أشياء تضاف إلى نكرات هذا العالم: مجرد ركام يوتيوبي متعفن؟ مجرد كائنات لا انتماء لها، ولا وطن، ولا ناس: ماذا تبقى لكم؟ لبنانيون ينفون لبنان، وأرومات عربية تريد اقتلاع العرب والعروبة، وهوية اسلامية تدمر كل هوية اسلامية “فلا وطن ولا أهل ولا جار” (على قول ميخائيل نعيمة).
أما اليوم، فتظهر يا سيد حسن في مونولوغاتك المعهودة، وتكمل ما بدأته، ضارباً بعرض الحائط كل ما سببته للبنان واللبنانيين والعرب، لتكرر كلاماً اقل من “مناورة”، وأكثر من اعتراف بالفشل…
لكن تأكد يا سيد حسن، ان الانسان “المعجزة” ما زال في قلب اللبنانيين كلهم (سائل بيئتك الراهنة)، وان العقل ما زال عصياً على لعبة الخرافات والاساطير والشغوذة، وأن المشاعر ما زالت فياضة بالحياة.. وبحب الحياة، وخصوصاً بهذه الارض اللبنانية المعجزة!
فانت الخاسر اليوم!