إن ننسَ فلن ننسى: كيفك محرز؟ منيح جان، حكيت امي اليوم… واستشهدا

كتبت فيرا بومنصف في “المسيرة” – العدد 1533

أي قضية تلك تتحمل أن يستشهد لأجلها أخوان وفي نفس اللحظة؟ أي قضية تلك لا تشبع، تتحمل أن يخرج من تحت سقف البيت الواحد نعشان أبيضان كُتب على أحدهما اسم محرز البيطار وعلى الآخر جان البيطار، وتصمد الأم والأب فقط لأن العذراء مريم سندت القلب المفطور حزناً، ولأن المسيح الثائر الأول في دنيا الظلام قال لهما من آمن بي وإن مات فسيحيا؟ أي قضية تلك؟ محرز وجان ما زال نهر بيروت يشهد وإن كان النسيان صار طوفانا في وطن النكران.

خرجا من البيئة الحاضنة إياها زمن السبعينات، هما من عكار لكنهما سكنا بيروت، جالا في متاريسها، هي سبعينات الحرب، حرب الوجود اللبناني المسيحي الحر، حرب المسلحين الغرباء على أبناء البلد، ودخول دبابات حافظ الأسد الى قلب لبنان لتدميره وتطويعه وإحتلاله. التحق الأخوان بالمقاومة، هذه كانت طبيعة الأمور في ذاك الوقت، أن يترك الشباب كل شيء ويتبعوا قضية الوطن، وقضية الوطن بعض كثير من درب يسوع حين يقول “اترك كل شيء واتبعني” وفعلوها، تبعوا القلب الذي هتف للارض ولم يقدر له أن يهتف لأحد آخر سواها.

توالت المعارك والجبهات والتحق الأخوان حيث يجب أن يكونا، من بيروت الى الشمال الى الجبل، زرعا عمريهما خطراً وشرفاً ودفاعاً، لم يسألا يوماً عن الموت المحدق بهما، عن الخطر الذي رافقهما ظلال حياة قبل أن يخطف منهما كل الحياة، حسبهما أنهما أبناء وهيبة والياس رشيد البيطار، ابن الدولة اللبنانية التي يجب أن تبقى دولة وأن تبقى لابنائها ولن تكون كذلك ما لم يلتحق بغصونها وأرزها وناسها وكرامتها رجال مقاومون مثل محرز وجان والآلاف مثلهما في “القوات اللبنانية”.

انتهت السبعينات وزمن البوسطة إياها وانهزم المسلحون الفلسطينيون في تل الزعتر وغيرها من المناطق الحرة بفضل دماء ونضال المقاومين الابطال، واستشهد البشير وبقي الشابان المناضلان على نضالهما، حزنا للموت الصاعق، للشهادة التي دوّت هزيمة في كرامة لبنان ووجوده، لكن ممنوع على المقاوم أن ينهزم، أن يعلن خسارته، هي درب طويلة ويجب أن يصل الى آخرها مهما كان الثمن، والتحق جان بجهاز الأمن في “القوات اللبنانية” بداية ومحرز أصبح آمر فصيلة في ثكنة الـsksوما لبثت أن اندلعت حرب الجبل تلك، كان الأهل في بيروت وجان ومحرز الى الجبهات فوق “كنت ضل صلي أنا وبيّن واخوتن البنات الاربعة تـ يرجعوا سالمين وإسأل عنن هون وهون بس تـ أعرف اذا بعدن طيبين، مش مهم كان شوفن بس المهم أعرف انن عايشين وروح ضوي شمعة للعدرا وإشكرها على هالنعمة” تقول الوالدة التي ما زالت تعيش الغياب المفجع، لكن قلبها المسكون بحب العذراء مريم يمنحها قوة استثنائية عجائبية.

ذهب الشباب الى حرب الجبل تلك، لم يعرف أحد يومذاك أن من سينتصر لاحقاً، ليس الوطن ولا الوجود الحر ولا العيش المشترك. “كان محرز آمر فصيلة ومن أشرس المناضلين معنا، ذات يوم وكنا على تلتين مقابلتين بحرب الجبل، محرز على تلة الصومعة بعين الحور وانا مع رفيق آخر على تلة مقابلة وهي الرقراق، تعرضنا لهجوم عنيف وتعطل جهاز التواصل في ما بيننا وجاءت الأوامر من “القوات” بضرورة قصف التلة حيث انا بعدما سقطت عسكرياً وصار محرز يصرخ  بكل قوتو من بعيد وينادينا ت ننسحب ويصرخ ع الشباب ما تقصفو فادي وجورج مرابضين فوق ما تقصفوا التلة وهيك صار والا لكنت انا ورفيقي جورج من عديد الشهدا، محرز وجان كانوا من أحلا الشباب بـ”القوات” وأقواهم قبضايات شجعان وما بيهابوا حدن” يقول المناضل فادي عازار رفيق الاخوة وخصوصاً محرز.

قبل أن يصل العام المشؤوم، 1986، كان محرز أصيب مرتين، الاولى في حصار بريح والثانية في المجلس الحربي، لكن الاصابات لم تمنعه يوماً عن إكمال مسيرته النضالية مع أخيه، وكان الأخوان يلتقيان أحياناً في المجلس الحربي أو في مهمات عسكرية محددة، يبتسمان، يقبلان بعضهما البعض  بلهفة اللقاء المتجدد، اذ كل يوم اضافي من الحياة كان بمثابة هدية لا تقدّر، هما أبناء الخطر، المقاومون في “القوات”. “كيفك خيي اليوم حكيت الأهل؟” يسأل محرز الأكبر سناً، ويجيب جان “ما فضيت خيي اليوم المهم تكون إنت طمنتن عنّا” يبتسم محرز “هيك بدك تضل مش سئلان الا عن الجبهة؟” ويضحك جان “ليش إنت عن شو سئلان غير الجبهة؟” ويمضي الاخوان في مهماتهما.

جاء العام 1986، دوّت الفوضى في المناطق الشرقية، وكانت دبابات العدو السوري الرابض احتلالاً على أبواب لبنان وأبواب الاشرفية وكسروان وكل شبر حر من هذه الارض، تتربّص باللحظة لتنقضّ على كل لبنان، وكان 15 كانون ذاك، خرج الشابان من البيت، ودّعا الاهل، رسما اشارة الصليب، قلب العمر نبض النضال ريح الرجاء، وذهبا وللمرة الاولى ربما في مسيرتهما النضالية في اتجاه واحد، كانا بعيدين عن البيت ليس أكثر من مئة متر، محرز في الخامسة والعشرين من عمره وجان في الثانية والعشرين، رن هاتف البيت “ولادكن جرحى بمستشفى مار يوسف” قال المتصل، ولما وصل الأهل علموا أن الجرحى شهداء وانهما قتلا في لحظة واحدة وان نهر بيروت صُبغ بالاسى واللون الاحمر من دمائهما التي روت الكثير من تراب الارض في كل البقع من الجبل الى السهل، لكن كانت حانت ساعة الابطال ليتركوا الارض ليرووا عطش الرب اليهم.

“ولادي شهدا فدا عن بلادن بتعرفي يا بنتي انو محرز كان يغني وكان صوتو كتير حلو وإنو جان كان خاطب صبية حلوة؟ هيدا نصيبن ونصيبي والعدرا مرافقتن بحياتن وبمماتن وأنا صمدت لأن العدرا مسكت بإيدي من هيداك النهار وبقيت معي لحد هلأ وبتمنى عليكي تكتبي عنن حلو ع قد ما بيستاهلو”، وكيف نكتب سيرة شهداء من هذا الطراز اذا كان القلم الحر لم يصل بعد الى مستوى بطولة الأبطال، ونضال المناضلين والأهم، شجاعة لم تصل يوماً الى درجة التماهي مع الخطر دفاعاً عن وطن مهما قيل فيه هو دائماً عظيم كما شهداؤه؟

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن. 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل