
كلّما اقترب ذاك الأيلول ولاحت بشائره غصّت الصرخات في حناجر شبابٍ يوم ولدوا كان البشير رُفِع شهيداً على مذبح القضيّة بهتافات: “بشير حيّ فينا”.
كلّما كتب شابٌّ منّا عبارة على مواقع التواصل الاجتماعيّ عن بشير تتوالى إلى مسامعه عبارات وكلمات على وزن: “لمّا كان بشير كنت بعد ما خلقت، شو بتعرف إنت عن بشير”.
بعض هذه العبارات يتوجّه قائلوها إلى الشباب لثنيهم عن العمل السياسيّ أو الحزبي، وبعضها الآخر للمزايدة خاصّة ممّن نقلوا البندقيّة من كتفٍ إلى أخرى ويدّعون أنّهم رفاق بشير.
لكن فاتهم أنّ من يوجّهون إليهم الكلام هم من عرفوا البشير حقّ المعرفة خبروا معه ذاك النضال البطوليّ يوم أضحى الجسد سراباً والوطن حلماً والقضيّة ضحيّةً والاحتلال أخوّة والحريّة وجهة نظر.
عرفتم بشير خطّيباً في الساحات، عرفناه صوتاً مسجّلاً على أشرطةٍ كان لتهريبها وتبادلها عقوبةً أقسى من عقوبات تهريب الممنوعات.
لمستم بشير جسداً يتنقّل بينكم، تتبادلون وإيّاه أطراف الحديث، تتّفقون معه أحياناً، تختلفون معه أحياناً أخرى، عرفنا بشير ذاك الأقنوم الرابع الّذي أضفناه إلى قدس أقداسنا، عرفنا بشير القضيّة، الرمز، الحلم والحقيقة.
عرفتموه بطلاً لقسم من اللبنانيّين وخصماً للقسم الآخر، عرفناه مرادفاً لوطن تقاذفته أنواء النزاعات وصمد فيها صمود الأرز في قلب العاصفة.
عرفتموه رئيساً لجمهوريّةٍ انتظرته لتلملم أشلاءها، عرفناه الشهيد الذي أرسى حدود الجمهوريّة الحلم، جمهوريّة تخطّت عتبة أشخاص لتصبح جمهوريّة بحجم وطن.
عرفتم بشير مقاتلاً في الميادين، عرفناه الرمز الذي التفّ حوله اللبنانيّون مرددّين شعار “لبنان أوّلاً”.
عرفتم بشير شهيداً تحطّمت على نعشه الأماني والأحلام، عرفناه عهداً لنبقى ونستمرّ.
عرفتم بشير لتقارنوه بمن أتى بعده، عرفنا بشير الّذي أراد لكلّ منّا أن يكون بشيراً من بعده.
عرفتم بشير القائد الّذي لا يتكرّر، عرفناه الأمثولة التّي تكرّرت كلّما وقف أحدنا ينادي بالحريّة.
يوم رافقتم بشير، كان ذاك المقاوم الذّي يهابه أخصامه، يوم رافقناه كان بشير جريمةً يواجه صاحبها مصيراً يلفّه الغموض.
عرفنا بشير، عرفناه خطراً يدقّ أبواب منازلنا فما تردّدنا أن نستقبله، عرفناه تهديداً بطردنا من جامعاتنا ومدارسنا فما تمهّلنا لحظة لنفكّر قبل أن نتبنّاه، عرفناه نفيراً ما دقّ مرّة إلاّ ولبّيناه، عرفناه صلاةً ما تأخّرنا عن تردادها، عرفناه قائدأً معتقلاً أسيراً وما تركناه، عرفناه تهمةً فلبسناها، عرفناه رايةً فرفعناها، عرفناه مشعلاً فتناقلناه، عرفناه جلجلة فمشيناها، عرفناه صليباً فحملناه، عرفناه مقاومةً فها خرائطها مرسومةٌ بدم رمزي وبيار وطوني وكلّ رفاقنا، عرفناه سجناً فها آثار أصفاده على أيدينا، فها زنزانة قائدنا خير شاهدٍ على نضالنا، وها هو أيلول يأتي ليشهد على وفائنا.
عرفتم بشيراً ظننتم القضيّة دُفِنَت معه، عرفنا البشير تلك القضيّة التي لا تموت ولا تنتهي، عرفتم بشير البداية، عرفنا البشير تلك اللا نهاية.
خذوا بشيركم الإنسان إن أردتم، فبشيرنا باقٍ مهما كان الثّمن بشيرنا خالدٌ مهما طال الزمن.