
مما لا شك فيه أن بشير الجميل هو من الشخصيات النادرة التي عرفها لبنان وكان له دور مهم في صنع التاريخ الحديث، كمناضل أولاً، وكقائد إستثنائي أحدث فرقاً كبيراً في سير الأحداث.
إنتخب رئيساً للجمهورية، لكن الإصطفاف الحاصل يومها لم يكن ليسمح لشخص جريء بنزاهة عالية أن يحكم لبنان، الوطن المتناتش من كل الجهات، وكانت النتيجة إغتياله قبل وصوله الى بعبدا. ومع إغتياله سقط حلم، ليس فقط عند المسيحيين، وإنما حلم كل اللبنانيين، بقيام دولة مؤسسات قوية وقادرة، تكون السد المنيع في وجه كل المشاريع الخارجية وأدواتها الداخلية، وهذا ما عاد وتكرر لاحقاً، وما زلنا حتى اليوم نعاني من تداعيات هذا الإغتيال التي تضع الوطن في مهب الريح.
كان الحلم كبيراً وما زال، لكن قوى الشر لم تترك شيئاً إلا وفعلته، لتدمير الحلم.
أسس بشير “القوات اللبنانية” وكانت عصارة المقاومة اللبنانية منذ 1975، وبقي قائدها منذ تأسيسها وحتى إستشهاده.
إستطاع بشير أن يقود “القوات” في أصعب الظروف والمعارك العسكرية التي مرت بها المناطق الشرقية، وأبعد منها، وإستطاع أن يصل بها الى القمة من خلال وصوله الى رئاسة الجمهورية، وبعد استشهاده والمحاولات التي جرت لشرذمة “القوات”، وقف سمير جعجع وقال الأمر لي، وأعاد “القوات اللبنانية” الى مكانها الأساسي، رأس حربة ضد كل محتل، وأصبحت في فترة زمنية قصيرة صورة مشرقة عن “دولة المؤسسات” التي يحلم بها اللبنانيون، فأطلق على المناطق التي كانت تحت سيطرتها، سويسرا الشرق. تربصت بها عيون الشر أكثر فأكثر، وحيكت المؤامرات والمخططات في عتمات الدهاليز والأقبية السوداء، لتصفيتها ودفنها، أيضاً وأيضاً.
وهكذا، توالت الحروب والنكسات وكثرت السلاخين، من الطغاة العتات الى الصعاليك الصغار، كلهم إجتمعوا على وليمة جنائزية لمحاولة دفن “القوات اللبنانية”.
وفاتهم، أننا أبناء يوحنا مارون، وفاتهم، أن لنا قائد في السماء مع آلاف الشهداء الذين يغمروننا بصلواتهم، وفاتهم، أن لنا قائد لا يساوم ولا يهادن ولا يرزح ولا ينكسر أمام كل العواصف والأعاصير، وواجه هو وآلالف الأبطال الذين نُكل بهم، مخرز الحقد والكره والشر بلحمهم الحي، وإنتصروا بثباتهم وعزيمتهم وإيمانهم الثابت أبداً الذي لا يتزحزح.
“لا تخاف يا بشير عا الأرض اللي حبيتا، رح نحرسها ونسير عالدرب اللي شقيتا”. إطمئن أيها القائد البطل، فهنا قائد وأبطال يحافظون على الأمانة برموش العين، هي القضية ذاتها منذ 1400 سنة حتى اليوم، الوقوف دائماً في وجه الظلم والقهر والإستبداد والدفاع عن حريتنا مهما غلت الأثمان وتكاثرت النفوس الصغيرة والضعيفة، وسنبقى ملائكة هذا الشرق، فمن هنا أطل نور المسيح على العالم، وسيبقى هذا النور مشعاً مهما إشتدت الظلمات… وإستبدت.