
كيفك يا رجل، هل وضع الغيم فوق مستتب؟ هل الشعاع من صوبكم باهر؟ الا ينقطع تيار الضياء من وقت لاخر؟ آه على فكرة اعرّفك الى حالي، انا مثلك ما زلت اقف في تلك اللحظة، انا بعد على باب المراهقة بالكاد اعرفك، سمعت الكثير عنك في حرب زحلة وصليت لاجلك ولاجل الشباب واهل المدينة الابطال عندما اجتاحها ذاك الحاقد السوري، وصرخت يومذاك “لا السوي ولا الاكبر منو بيركّعنا” لغة جديدة لم نكن بعد سمعنا احداً ينطق بها في لبنان، اساساً لم نكن نعرف من ينطق لبنانياً ومن لا، ثم صرت اعرفك اكثر يوم انتخبوك رئيساً للجمهورية.
في خيالي كنت افهم ان رئيس الجمهورية دائماً كهل مثقل بالسنين واذ بك تأتي شاباً جميلاً وسيماً، صوتك وخبطة العنفوان، تقف تتكلم فتهتز الصخور، لم اعرف يوماً ان للصخور مشاعر الا حين كلمتها انت بلغتها، صلابة العنفوان، يا الله معقول بابا اتجوز شي مرة شب حلو قدّ الشيخ بشير؟! ضحك ابي ولم يجبني شيخ، بطل الجمهورية كان في حلم المراهقة بطلاً لانه حلو، لانه شاب، لأنه لا يخاف، كيف لا يخاف؟ معقول ان يرهب رجل لوحده تلك الجيوش الغريبة؟ قبله لم نكن نعرف ما معنى كلمة احتلال الا في كتاب التاريخ، معه عشنا ابعاد الكلمة ومشاعرها وواقعها لاننا عرفنا ان ذاك الغريب لم يأت لسواد عيوننا انما لزرع السواد الكامل في أرض الوطن تحت اسم الاخوة.
…وجاء 23 آب 1982 وصرتَ رئيساً للجمهورية، رقصوا في ضيعتي، في كل مكان، غناء زلاغيط فرح فرح في كل الزوايا وصرنا نرقص مع الراقصين، بلا هوادة نفعل ونلاحق الشباب، فرحنا، صار للجمهورية رئيس شاب هذا كان أحلا ما تصورناه في تلك اللحظة، لم نعرف ان الشاب سيجعلنا بلمحة حلم ونحن على باب المراهقة بعد، سيجعلنا كباراً، كباراً في العمر، كباراً في الوطن، كباراً في حالنا، في نظرتنا الى انفسنا كمسيحيين لبنانيين مواطنين، شيخ، أنت الشاب ادخلتنا في نضوج العمر في تلك اللحظة بالذات، في تلك العشرين يوماً ويوم، ولذلك اتمنى الان لو اني لم اعرفك، لم اؤمن بك، لم اؤمن بوطني بهذا الشكل كي لا اتألم لاحقاً بهذا العمق، الالم ذاك الاحساس العميق الموجع المغمّس بالخوف، علّمتنا أن نخاف يا شيخ وادخلتنا في دنيا الكبار قبل أن نفرح بمراهقتنا، صرنا نخاف عليك وعلى وطننا بعدما كان الوطن فصلاً في كتاب التاريخ والجغرافيا والتربية المدنية، فصار الوطن ارضاً واحساساً وناساً وقلباً نابضاً، صار الوطن بحجم الكون، وهنا كان عالمنا معك، هنا الحلم…
صرت الان كبيرة، ناضجة، موغلة في تجاربي، الاهم صرت “قوات لبنانية” كما كنت لتحب ان يكون كل شباب لبنان، وعند كل 23 آب ارى حالي وانا اقف في ساحة البيدر بضيعتي اصفّق للشباب وهم يرقصون لانك انتخبت رئيساً، اهرع الى التلفزيون اتفرّج على وسامتك واذهب معك في احلام الصبايا ووشوشاتهم حول الصبيان، تصوّر كنت اجعلك موضوع غيرة مع رفاقي الصبيان المعجبين المتحلّقين من حولي والزموا ان يعجبوا بك علّني اقبل بهم اصدقاء من ضمن مجموعتي، الى هنا وصلت الامور معي، الى ابعد من الكثير وصلت الامور معك فينا، أنت العجينة التي صنعت منا خميرة المقاومة وخمرتها يا شيخ، والله يسامحك ولا اعرف ما اذا كان سيفعل يوماً، أتعرف لماذا؟ لاننا وحتى اللحظة لم نتمكن من القبض على حلمنا بك وبمن حمل المشاعل من بعدك، وها هي الجمهورية تترنح تحت ضربات الكوابيس، ونحن نقاوم ونقاوم ونقاوم وبعدين؟
على فكرة ما زلت رجل احلامي واخبرك اني رغم تقدمي في عمري ما زلت مراهقة امراة ناضجة تعشق قواتها اللبنانية بكل ما فيها، واكثر بعد، تصور ما زلت مؤمنة بجمهورية حلمك، بك، بسمير جعجع، بالشباب، بهذا اللبنان المستحيل ولذلك انا عاتبة عليك واريد ان ايأس وانت لا تسمح لي…يا شيخ.
