.jpg)
لم يكن ذاك النهار غير عادي في يوميات من كانوا مكلّفين ببعض المهمات الروتينية في “المؤسسة اللبنانية للإرسال” في دار المعلمين في جونية. ولم تكن المؤسسة التي أسسها الشيخ بشير الجميّل واراد لها دوراً رائداً، قد انطلقت إلى النور بعد. كان ذلك في مطلع صيف العام 1982. كان هناك فريقاً من الطلاب يَجري إعداده لمهمات إعلامية وتقنية بإشراف المخرج منير معاصري يعاونه مخرج من الجنسية المصرية، وكنت واحداً من فريق المتدرّبين.
لم يكن ذاك النهار غير عادي، لأن أحداً لم يكن ينتظر أو يتوقع حضور الشيخ بشير إلى المؤسسة ومتابعة أعمال الفريق. وصل بسيارة الفيات تلك، بجانبه مرافق واحد، وهو يقود السيارة بنفسه. كنا ساعتذاك في الباحة الخارجية نُجري بعض التدريبات على التصوير الفوتوغرافي والسينمائي. ترجّل من سيارته، حيا الجميع وصافحنا واحداً واحداً، واستأذن ليقوم بجولة في الداخل لم تستغرق أكثر من عشر دقائق، ليعود بعدها لمتابعة سير الأعمال في الخارج.
الجميع كان مذهولاً ولا يصدق، ليس فقط حضور القائد، بل طريقة متابعته لأدق التفاصيل التقنية التي لا يتوقع أحد أن لها نصيباً ولو قليلاً من اهتمامات من يحمل بين يديه وعلى كتفيه همّ الـ10452 كلم2 بكل ما كانت قد ألقته الأحداث يومها من أثقال ناء تحتها الكثيرون. سأل عن أنواع الكاميرات المستخدمة والفرق بينها وعن حساسية الأفلام. لم يتردد في طرح السؤال البريء “شو يعني ASA” فسارعه المخرج معاصري بالإجابة، هي درجة حساسية الفيلم تجاه الضوء.
ربما كانت هذه مجرد مقدمات لينتقل الشيخ بشير سريعاً إلى صلب الموضوع: “أنتم تتحضرون اليوم كما آخرون كثر مثلكم لمهمة حسّاسة ومهمة جداً. ستحملون همّ القضية وعليكم ألا تُخطئوا الهدف في إيصال الرسالة المطلوبة لأن الخطأ قد يكون أكثر ضرراً من خطأ من هم على الجبهات. ليس أحد منا يقل دوره أهمية عن آخر من أعلى الهرم حتى أسفل القاعدة. يجب أن تعلموا ذلك جيداً وأن تتصرفوا بموجب ذلك، فإن دوراً كبيراً وحاسماً ينتظركم في الآتي من الأيام، وأنا إلى جانبكم متى تشاؤون. فلهذه المؤسسة دور كبير ستتبيّنوه بعد حين”.
طبعاً كان الشيخ بشير يتحضّر للترشّح إلى رئاسة الجمهورية في تلك الفترة، لكنه لم يكن قد قرّر بعد عدم إطلاق العمل في التلفزيون الخاص لحساب تفعيل وتطوير التلفزيون الرسمي، بعد إعلان الترشح وحسم مسألة الرئاسة. كان يتوخى دوراً كبيراً من تلك المؤسسة التي عادت فخرجت إلى النور بالنبض الذي زرعه فيها بشير، والذي تغيّر إيقاعه مع الزمن حين خلت الساحة من حملة المشاعل. فخسرت القضية واحداً من عناصر قوّتها، لكنها تنبّهت وتعلّمت في المقابل أن ليس الإثنا عشر كلهم تلاميذٌ صالحون على صورة المعلّم.
أنهى الشيخ بشير كلامه وهمّ بحركته المعهودة الثائرة إلى المغادرة. في تلك اللحظات كنت أنتظر زميلاً مصوراً لإحضار الكاميرا من الداخل رغبة بالتقاط صورة مع القائد، لم نكن ندرك أنها صورة العمر، ولكنها كانت بالنسبة إلينا بمثابة ذلك. ربما كان الجميع أيضاً ينتظر تلك اللحظة الرائعة: صورة مع بشير تحفظ في الأرشيف. في هذه اللحظات كان قد صعد إلى السيارة المركونة بقربنا ويهم بالمغادرة. فاقتربت منه طارحاً سؤالاً، كان يهدف في الواقع إلى كسب الوقت حتى وصول المصور، أكثر من الحصول على إجابة محددة. أجاب بشير عن السؤال، وقال هل من سؤال آخر؟ فقلت نعم هل نستطيع التقاط صورة قبل المغادرة؟ قال: طبعاً أين المصور؟ أجبت نحن في انتظاره لكنه تأخر. قال وأنا أيضاً تأخرت، لدي الكثير ينتظرني في غير مكان، ربما في مناسبة أخرى يكون الوقت متاحاً أكثر… وأقلع بسيارته ورحل.
لم يطل الوقت بعد ذلك ليتبيّن لنا جميعاً أن الوقت الآتي ليس ملكاً لأحد، وأنه في المناسبات الأخرى لم يكن الوقت أفضل. تزاحمت المواعيد قبل الإنتخابات الرئاسية ثم صار القائد رئيساً… ثم شهيداً. وظلت غصة مضافة إلى غصّة فقده، أننا لم نتمكن من التقاط صورة لحفظها في أرشيف، لكن صورة القائد لم تبارحنا وظلت وستبقى محفوظة في الأذهان والقلوب. وبقي صوته هادراً أيضاً: أن لتلك المؤسسة دوراً مهما ودقيقاً فحذار التفريط به.
انتقل المشعل إلى قائد آخر استمرت القضية، واستمرّت المؤسسة الكبرى “القوات” والصغرى “المؤسسة اللبنانية للإرسال”، كما أرادهما بشير. ولكن في غياب القائدين بين الشهادة والإعتقال، ثمّة من وجد الفرصة سانحة لالتقاط أكثر من صورة مسلوبة من أرشيف الذاكرة إلى أمتعة الهروب من الحقيقة التي أبى بشير إلا قولها مهما كانت صعبة… حتى الموت.
استعجل بشير الرحيل دائماً ليس فقط من اجتماع أو لقاء، بل من الحياة التي ضاقت به. فاستعجل الرئاسة واستعجل الشهادة… وترك الكثير من الصور والكلمات لمن يريد أن ينظر ويسمع.