إن ننسَ فلن ننسى: ع البَرَكة نوّاف يا عاشق الضيعة

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1534

سبعة شباب وأربع بنات وأب وأم يهتفون “قوات لبنانية”، ذات يوم صارت السبعة ستة فأنحنت المقاومة لحساب الشهادة لكنها إنحناءة التحية وليس الهزيمة، وصار عدد المناضلين في البيت مضاعفاً، وصار الكل، آباء وأبناء وأحفاد، كل واحد فيهم  نوّاف متري، ماذا فعلت عند جبهة الشمال يا بطل؟

جبهة الشمال؟ وماذا عن باقي الجبهات؟ لأنه ابن شناطة فهذا لم يكن ليعني أن مقاومته شمالية فقط وأن كان الهوى في الأساس شمالياً، فالابن البكر للعيلة الكبيرة، لم يحدد حين قرر الانتماء للمقاومة، عن أي بقعة جغرافية سيدافع، ولم يختر من يحميهم ويدافع عن وجودهم مناطقيا، قل اختارته المقاومة ليكون واحداً من أبطالها الكثر وليصبح من بعدها سندباد الجبهات، هناك وهنالك وهنا وحيث يجب أن يكون، وحيثما لزم أن يُزرع علم الوطن بدل بندقية الغريب والغرباء كانوا كثراً كثراً.

منذ منتصف السبعينات والوطن مشلّع بالحروب، اجتاح المسلحون الفلسطينيون والسوريون مع أعوانهم من بعض اللبنانيين بلد الأرز، منتصف السبعينات بيوت اللبنانيين صارت متاريس وجبهات لصد الاحتلالات التي كانت مرسومة سلفاً من دون أن يرسم هؤلاء، ولا حتى في خيالهم، أن ثمة مقاومة ستتصدى وتعيش وتموت ليحيا وطن وينهزم الغريب. منتصف السبعينات جنت فينا الثورة حين حاول المحتلون انتهاك وطن من أجمل الأوطان وأعرقها ديمقراطية فنزل شباب لبنان ليكونوا المتراس في وجه العدوان وكان نوّاف من بينهم، أولهم، ولم يكن آخرهم وأكيد لن يكون…

كان نوّاف لا يزال في شناطة التحتا، في بداية العشرين ربيعاً، يحب الضيعة يرحل الى سهول قريته الحلوة، يغرق في بساتينها ورائحة ترابها، قالوا عنه عاشق الضيعة يمزمز من ليلها وسهراتها وسمرها، يجالس الحب البريء المتناهي من عبّ الشجر والورق والمواسم، لم يعرف يومذاك أن ثمة منافساً شرساً لذاك العشق الأخضر، الوطن كله، كل ضيعة فيه كل مدينة. لم يعرف أن في القلب الهادئ الرومانسي ثمة مناضل شرس لا يساوم، لا يقبل الجدل حين يتعلّق الأمر بالكرامة، لم يعرف انه ورث جينات المقاومة من الأب والجد والرائحة وتاريخ الوطن المناضل عبر الأيام، وأن الورثة ستتحول سيرة تروىفي العائلة وتدوّن في سجل “القوات اللبنانية” ليأتي زمن ونكتب عن “المقاوم” نواف متري الذي لم يهب الموت، وذهب اليه متحدياً يواجهه في عقر ظلامه، مع يقينه انه قد يبتلعه في لحظة حقد.

إذن حمل نواقف أول بندقية حين هاجم الغرباء قريته، ومن القرية إنطلق الى جبهات كل لبنان، حارب في تل الزعتر والنبعة حيث كان قائد محور، وفي حرب المئة يوم في سن الفيل ضد الاحتلال السوري، وفي الجبل حيث كان التقى ذات مرّة ومن دون علم مسبق منه، بأخويه مطانيوس وفواز الى جبهة واحدة في معركة عاليه القماطية. الكل مقاوم والكل لا يعود يسأل عن الفرد في عز معارك الكرامة، بل يسألون عن الجماعة حين يتحوّل الكل لأجل الفرد والفرد للجميع، هكذا علمتهم جبهات العز وهكذا كان نواف وأخوته وكل الرفاق.

العام 1981 تكرر الهجوم على ضيعته شناطة، حاصرها القوميون السوريون بمؤازرة مسلحين آخرين، عاد ابن الضيعة الى شماله المقاوم، ونزل واخوته ووالده وكل أبناء الضيعة للدفاع عنها، فعلوا المستحيل لانقاذها، قاوم وقاتل ببسالة نادرة، وذهب مع مجموعة كبيرة كان من بينها أخوه رضوان وانطلقوا من بلدة كفرحلدا بقيادة الشهيد اللاحق فوزي الراسي، للدفاع عن الضيعة التي رفض الشباب الاستسلام فيها لمناورات المهاجمين الذين أوهموا بعض السكان فيها بأنهم إن سلّموا بعض الشباب ممن قاتلوا وقتلوا منهم، سيخلون الضيعة بساعات قليلة، ورفض الشباب الاستسلام وهوجمت الضيعة من جديد واستشهد 16 من أبنائها بعدما أحرق المهاجمون أكثر من مئة منزل فيها انتقاماً وحقداً، وجاء 11 أيلول ذاك، والرصاص يزرع البلدة بذور الموت والشباب يزرعونها نضالاً، وإذ برصاصة تصيب الرأس الممتلىء من حب الضيعة ومن عبق وطن، ليرتفع ابن الرابعة والعشرين شهيداً يشبه كل الشهداء أمثاله من الرفاق ولا يشبهه أحد من الشهداء رفاقه، كان يجب أن يدخل الجامعة ليكمل عامه الثالث في كلية العلوم حيث كان يتخصص في الرياضيات، لكن حسابات الأرض لا تتوافق دائماً وأرقام الرياضيات وطبيعة العلوم، حسابات الارض تُحسب فقط بلون الدماء وعمر الانتماء، ولون وعمر نوّاف كانا أحمر على أخضر لا محدود، لا أرقام هنا تحتسب إلا ذاك العمر الذي صار حكاية العيلة الكبيرة المناضلة، يحكي عنها الأخوة والأحفاد والأبناء والرفاق “كلنا نواف بالبيت، عايش فينا وبكل تفاصيل حياتنا، كلنا منحكي عنو وكأنو بعدو موجود بيناتنا، أو كأن راح مشوار زغير وراجع بعد شوي” يقول أخوه الأصغر سناً جيلبير. لكن نواف لم يرجع بعد شوي، والعيلة التي كان يظن البعض أنها ستصاب باليأس ويسكنها الحقد، ازدادت صلابة ومقاومة، ويروي كل أهل الشمال، وحتى الدكتور جعجع نفسه، ما حصل معه عندما ذهب الى كنيسة مار الياس في سن الفيل حيث أهل نواف ليقدم واجب العزاء وهو حزين على رفيق الدرب وصديقه نواف، فتقدمت منه والدته وبعنفوان العالم كله لتقول له حرفيا: “إنت الدكتور جعجع؟ نواف شهيد وولادي العشرة الباقيين كلن إلك وللمقاومة، كلن فداك”.

ابن الضيعة ما زال حاضراً في قلب أهل البيت الذي صار بيوتاً وبيوتاً أحجارها من صلب المقاومة، لا تخضع، لا تضعف، لا تستكين، وكيف تفعل إذا كان عميد البيت شهيداً، عاشق الأرض والضيعة، يفوح من غيابه عبق الحضور الذي لا ينتهي، عبق الشهادة يا عاشق التراب.

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن. 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل