
إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1574
هل يسيطر “حزب الله” على لبنان عسكرياً؟ ليس السؤال مجرد مسألة افتراضية يتم طرحها للتخويف، ذلك أنه يطرح نتيجة ممارسات الحزب المستمرة وخطابات أمينه العام السيد حسن نصرالله واستراتيجيته العامة التي يعتمدها في لبنان منذ انطلاقته في العام 1982. هو لا يخفي هذا الطموح الذي يربطه بهدف إعلان الجمهورية الإسلامية في لبنان التي تكمل مشروع الجمهورية الإسلامية في إيران وتكون فرعاً لها. ولكن هل لدى الحزب قدرة على تنفيذ هذا الحلم وهل لديه خطة لذلك؟
لا شك في أن النية موجودة والرغبة أيضاً. في وثيقة الإعلان عن مشروعه في العام 1985 في “الرسالة المفتوحة” التي أذاعها السيد ابراهيم أمين السيد في 16 شباط كان الحزب مباشراً في تحديد أهدافه بالنسبة إلى لبنان ونظرته السلبية تجاه الموارنة والمسيحيين فيه. “نحن في لبنان لسنا حزباً تنظيمياً مغلقاً ولسنا إطاراً سياسياً ضيقاً، بل نحن أمة ترتبط مع المسلمين في أنحاء العالم برباط عقائدي وسياسي متين هو الإسلام… إن الحد الأدنى الذي يمكن أن نقبل به على طريق تحقيق هذا الطموح هو إنقاذ لبنان من التبعية للغرب أو للشرق وطرد الاحتلال الصهيوني من أراضيه نهائياً. واعتماد نظام يقرره الشعب بمحض اختياراته وحريته… إننا أبناء أمة “حزب الله” التي نصر الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم أوامر قيادة واحدة حكيمة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط. كل واحد منا يتولى مهمته في المعركة وفقاً لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد. نحن في لبنان لا نعتبر أنفسنا منفصلين عن الثورة في إيران… نحن نعتبر أنفسنا ـ وندعو الله أن نصبح جزءاً من الجيش الذي يرغب في تشكيله الإمام من أجل تحرير القدس الشريف”.
في 30 تشرين الأول 2009 أصدر الحزب ما سماه “الوثيقة السياسية” التي جاءت مخففة من دون أن يتنكر فيها للرسالة المفتوحة ولكن الحزب في نهجه العام وسلوكياته يؤكد في شكل دائم أنه في عمل مستمر لتحقيق ما ورد في الرسالة لا في الوثيقة. فلقد أعلن أمينه العام أكثر من مرة أنه لا ولن يتخلى عن مشروع الدولة الإسلامية وولاية الفقيه إلا أن تحقيق هذا الأمر في لبنان لا يفرض بالقوة. في الواقع لم يتخل الحزب عن استخدام القوة لفرض هذا المشروع.
عندما خاض حروبه الدامية ضد حركة “أمل” كان يحمل هذا المشروع. وعندما عارض اتفاق الطائف كان يؤكد على هذا المشروع الذي يتنافى مع الطائف. وعندما احتفظ بسلاحه كان يريد أن يبقى هذا السلاح في خدمة المشروع. وعندما كرس نفسه بديلاً عن عهد الوصاية السورية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب الجيش السوري من لبنان كان يخوض معركة الإبقاء على هذا المشروع. وعندما ذهب إلى القتال في سوريا دفاعاً عن النظام كان يتابع مسلسل حلقات هذا المشروع.
عندما خاض الحزب حرب تموز 2006 في الجنوب كان في صلب تكريس مشروعه استدراكا للتراجع الذي لقيه بعد تحقيق 14 آذار الأكثرية النيابية في العام 2005 وتشكيل حكومة برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة. اعتبر الحزب أن هذا التحول في السياسة العامة في لبنان بداية طريق لتطويق دويلته ومشروعه ولذلك أعد العدة للإنقلاب عليه. فبعد العام 2005 اتسعت دائرة التخوين لديه وتخطت الموارنة لتشمل باقي الطوائف في لبنان. هذا التوجه برز في الخطاب الذي ألقاه السيد حسن نصرالله بعد ما سماه “النصر الإلهي” في حرب تموز واتهامه الحكومة وقوى 14 آذار بالخيانة والتآمر على “المقاومة”.
في مقابلة له على قناة “المنار” في 20 آب الحالي عاد السيد نصرالله إلى حرب تموز وإلى الوعد الدائم بالنصر الإلهي الذي كان أساس “الرسالة المفتوحة” وكشف عن “أن هناك في الإدارة السياسية هنا وخصوصاً رئيس الوزراء فؤاد السنيورة أصدر أمراً الى الجيش بمصادرة السلاح الذاهب الى المقاومة، يومها تدخل بقوة الرئيسان لحود وبري ووصل الأمر الى مرحلة التهديد لأنه لا يمكن أن نقبل بالوصول الى صدام مع الجيش. ونتيجة التهديد حصل التراجع عن ذاك القرار”.
ما هو التهديد الذي أطلقه “حزب الله”؟ لم يكن إلا اتخاذ القرار باستخدام قوته العسكرية في الداخل لمنع تنفيذ القرار 1701 بالقوة، وبالتالي كان مدركا أن هذا القرار يعني الإصطدام بالجيش اللبناني الذي كان ينفذ قرارات مجلس الوزراء الذي اتهمه نصرالله بالتآمر والخيانة.
لم تكن تلك المواجهة عابرة. في 7 أيار 2008 طبق السيد حسن نصرالله وعده باستخدام السلاح دفاعًا عن السلاح. وهاجم بيروت الغربية ومناطق الشوف وعاليه وحاصر الرئيس سعد الحريري في قصر قريطم والنائب وليد جنبلاط في منزله في كليمنصو ووجه قوات عسكرية نحو قصر المختارة عبر جبل الباروك من دون أن يضع أي اعتبار لعدد القتلى الذين سيسقطون.
يعتبر “حزب الله” أنه يتفوّق على بقية اللبنانيين من خلال قدراته العسكرية. ولا يترك مناسبة إلا ويؤكد فيها قدرته على السيطرة عسكرياً على لبنان والقضاء على الذين يعارضونه مذكراً بأنه يستطيع ولكنه لا يريد. وتحت نير هذا التهديد يحاول تأكيد سيطرته من دون الحاجة إلى استخدام القوة العسكرية المشغولة والمستنزفة حالياً في الحروب السورية. ولذلك يمتنع الحزب عن تسهيل عملية انتخاب رئيس الجمهورية حتى ولو كان العماد ميشال عون. ولذلك يتمسك بما يسميه “سرايا المقاومة” التي أعلن السيد حسن نصرالله تشكيلها في العام 1997 لكي يخلق من خلالها اختراقات داخل الطوائف اللبنانية الأخرى. ومن هنا ربما يأتي التذكير بأن هذه السرايا تضم اليوم جيشًا من خمسين ألف عنصر وأن لديها مهمتين: مواجهة التهديد الداخلي والمساهمة في المواجهة الخارجية.
ماذا يعني التهديد الداخلي؟ من طرابلس إلى الطريق الجديدة والسعديات في إقليم الخروب وصيدا وعبرا حُكي كثيراً عن أدوار عسكرية تقوم بها “سرايا المقاومة”، بالإضافة إلى المهمات الأساسية التي ينسبها “حزب الله” إليه مباشرة واتخاذه مواقع في مناطق كثيرة حوّلها كلها إلى مناطق عسكرية. وضمن هذا الإطار يمكن النظر إلى ما يحصل في لاسا أو في منطقة الدلهمية التابعة لبلدية الدبية في إقليم الخروب.
إذا كان هاجس التآمر عليه طاغياً لدى الحزب فإنه يتصرف على هذا الأساس. ثمة كلام كثير عن خطط وضعها قيد التنفيذ لربط مناطقه ببعضها عن طريق مراكز متفرقة بين بيروت والضاحية الجنوبية وصيدا وبين الضاحية والبقاع وبين البقاعين الغربي والشمالي. وهذه الخطة تستند أيضاً إلى نقاط ارتكاز تمتد من النبعة والفنار والرويسات إلى جبيل وجبة المنيطرة. وهي لا تنفصل عن خطته العسكرية في حروبه السورية.
ولكن وعلى الرغم من تمتعه بقدرات عسكرية كبيرة هل الحزب قادر على السيطرة عسكريًا على لبنان وإخضاع باقي المناطق بالقوة؟ لعل المشكلة الأساسية التي تواجهه هي في الدور الذي يلعبه الجيش اللبناني وفي الرفض الشعبي لسيطرته من دون مواجهته عسكرياً خصوصاً. فهل يقف الجيش على الحياد في حال قرر الحزب أن يغامر بعملية شاملة من هذا النوع؟
هناك من يعتبر أن الحزب قد لا يكون هدفه السيطرة على كل لبنان. وهو ينظر بقلق إلى ما يحصل في سوريا خصوصاً في مناطق الأكراد وعلى الحدود التركية. وهو إن أدرك أنه لا يمكنه السيطرة على لبنان كله فقد لا يتوانى عن السيطرة على المناطق التي يعتبر أنها تؤمن له المجال الحيوي لاستمرار مشروعه في لبنان بالإرتباط مع مشروعه ومشروع إيران في سوريا. وهو بذلك يكون ينفذ مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي لا ينفك يحذر منه ويقول إنه يقاتله وسيهزمه.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]