
على وقع التنسيق الثلاثي الروسي الإيراني التركي المستجد في ملف الحرب السورية، تراجع دور الولايات المتحدة ومعه المسار التفاوضي، وتقدّم تحرّك القوى الإقليمية بقيادة “الدب الروسي” لرسم خارطة التعامل مع الأوضاع في سوريا، قبل أن تدهم الحرب جميع اللاعبين ويفرض مسارها عليهم خارطة جديدة لدول المنطقة في سياق مستقبلي يتخطى منظومة “سايكس ـ بيكو” التي قد تبقى سائدة أو تتغير تبعاً لمجريات الصراع الجاري بدءاً من الأرض السورية مروراً بالعراق ووصولاً إلى اليمن.
مع تراجع السياسة الأميركية في متابعة تطورات النزاع السوري بسبب ما يمكن وصفه بـ”غيبوبة” الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة التي ستجري مطلع تشرين الثاني المقبل، والاكتفاء فقط بتكرار مواقف دعم العملية الانتقالية في سوريا ومطلب خروج رئيس النظام السوري بشار الأسد من سوريا في لازمة تكرّرت على مدى خمس سنوات من عمر هذا النزاع، تعمل واشنطن عبر تواجدها في شمال سوريا على الاحتفاظ بدورها في المنطقة، وبشراكتها عندما يحين موعد وضع نهاية للصراع، وعلى التأكيد من جديد أن قيادتها التحالف الدولي الجوي ضدّ تنظيم داعش هو الذي يحقق النتائج العملية على أرض الواقع وكان آخرها استعادة قوات سوريا الديمقراطية مدينة منبج بالكامل.
ففي سابقة تسجل في هذا المجال، هنأ وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر أهالي مدينة منبج على تحرير مدينتهم من سيطرة تنظيم “داعش” الإرهابي. وأشاد كارتر في بيان له بنجاح “قوات سوريا الديمقراطية” في تحرير مدينة منبج بدعم من التحالف الدولي، معتبراً ذلك خطوة مهمة في هزيمة “داعش” بصورة نهائية.
وبحسب مصادر عسكرية أميركية فإن مدينة منبج كانت تشكل نقطة لتأمين تنقل مسلحي “داعش” بين سوريا والعراق، كما كانت موقعاً لحبك المؤامرات والخطط ضد الولايات المتحدة وحلفائها، من هنا شدّد وزير الدفاع الأميركي على أن تحرير منبج سيساهم في زيادة العزلة المفروضة على مدينة الرقة مما سيؤدي الى انهيار سلطة “داعش” عليها، وأقر كارتر ان لدى اهالي منبج مهمة صعبة حالياً وهي اعادة بناء منازلهم ومجتمعاتهم، داعياً اعضاء التحالف الدولي الى مساعدتهم في هذه المهمة.
هكذا إذاً تمثل عملية منبج التي لعبت فيها القوات الخاصة الأميركية دوراً مهماً على الأرض أكثر الانتصارات طموحاً تحققها جماعة متحالفة مع واشنطن في سوريا منذ أن شنت الولايات المتحدة حملتها العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية قبل عامين.
وفي سياق متكرر لتصريحات وزير الدفاع الأميركي كشف مسؤولون أميركيون بارزون في واشنطن أن انهاء عملية منبج بالنجاح الذي تمت فيه سيوفر الظروف المواتية للتحرك باتجاه الرقة معقل التنظيم في سوريا.
كيفية السيطرة على منبج
كانت “قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة من الولايات المتحدة أعلنت السيطرة بالكامل على هذه المدينة القريبة من الحدود مع تركيا بعد خروج آخر مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية الذي كان يستغل المدنيين كدروع بشرية. وقال مسؤول في هذه القوات وأقارب على صلة بسكان في منبج إن مئات السيارات والمركبات التي تقل عائلات وأمتعتهم دخلت إلى المدينة. وكانت معظم تلك العائلات لاذت بمخيمات موقتة ومناطق ريفية خلال حملة استمرت على مدار شهرين.
وفور دخول “قوات سوريا الديمقراطية” إلى منبج أظهرت العائلات التي بقيت في المدينة ارتياحها لخطوة تحرير مدينتهم، وتحدث أفرادها عن حياتهم الصعبة تحت سلطة تنظيم الدولة الإسلامية الذي فرض مظهرا معينا على عامة الناس.
وقام رجال المدينة بحلق لحاهم والنساء بحرق براقعهن التي أجبرن على ارتدائها لدى خروجهن من المنازل لإخفاء وجوههن باستثناء أعينهن.
وقد خرج مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية ومعهم نحو ألفي مدني آخر من المدينة ويعتقد أنهم تحركوا جميعاً نحو جرابلس القريبة من الحدود مع تركيا التي تشكل اليوم هدفاً جديداً للسيطرة عليها.
وتمثل خسارة منبج التي سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية منذ أوائل عام 2014 ضربة قوية للتنظيم نظرا لأهميتها الاستراتيجية حيث كانت تعمل كطريق لنقل المقاتلين الأجانب والإمدادات على الحدود التركية.
وعلى رغم كثافة الضربات الأميركية التي أصابت جسورا وعددا من المستشفيات وصومعة كبرى إلا أن حجم الدمار في المدينة بدا أقل بكثير مقارنة مع الدمار الذي شهدته مدن أخرى في الصراع السوري. وقامت وحدات حماية الشعب الكردية القوية العاملة ضمن “قوات سوريا الديمقراطية” باحتجاز عشرات الشبان قبل فحصهم لمخاوف من انتماء بعضهم للخلايا النائمة.
القلق التركي
أدت استعادة السيطرة على مدينة منبج إلى إعطاء دفع جديد لدور ومكانة الأكراد الذين يسيطرون على نحو أربعمئة كيلومتر على طول الحدود السورية التركية، وهذا الأمر أدّى أيضاً، إلى قلق مزدوج عبرت عنه تركيا التي ترفض مطلقاً تعاظم دور الأكراد، حيث تعتبر أنقرة ميلشيا حماية الشعب الكردية قوة معادية وامتدادا لحزب العمال الكردستاني المحظور الذي يقود تمردا منذ ثلاثة عقود في جنوب شرق تركيا.
كما أن عدداً من فصائل المعارضة التي تقاتل ضد رئيس النظام السوري رأت بدورها أن التقدم الذي تسجله القوات الكردية على الأرض في سوريا يدفع من جديد نحو خطط تقسيم سوريا، وأعلنت أنها ستواجه أي محاولة لتقسيم سوريا بالقوة.
وفي حين طلب وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو انسحاب المقاتلين الأكراد السوريين إلى منطقة شرقي نهر الفرات مشيراً بوضوح إلى أن الولايات المتحدة وعدت بأن القوات السورية الكردية داخل التحالف والقوات الديمقراطية هناك ستتحرك شرق الفرات مرة أخرى بعد عملية منبج.
ووصفت الخارجية الأميركية عملية تحرير مدينة منبج، بأنها “تتمة للعمليات المستمرة التي ينفذها التحالف من أجل تقليل خطر “داعش” على تركيا، وذلك عن طريق دعم المعارضة السورية المحاربة له والتي تم تدقيق خلفياتها والموجودة قرب خط مارع في ريف حلب المحاذي للحدود مع تركيا منذ منتصف نيسان الماضي.
وكشفت المعلومات أن الإدارة الأميركية قد حصلت على تعهدات من القيادات الكردية بأن السكان المحليين من العرب الذين ساهموا في تحرير أراضيهم سيكونون هم أنفسهم من يعيد بناء المنطقة ويتولون السيطرة على السلطات المحلية عقب إخراج الإرهابيين منها في النهاية.

من هي “قوات سوريا الديمقراطية”؟
منذ نشوب الصراع في سوريا، حاذرت الولايات المتحدة الأميركية الدخول على الأرض عبر أي شكل من أشكال الدعم للمعارضة السورية التي تقاتل نظام بشار الأسد، ولكن بعد فترة، ولا سيما في الثاني عشر من تشرين الأول من العام 2015 أعلنت واشنطن تقديم الدعم والمساندة للتشكيل المسلح الذي أعلن في مدينة المالكية التابعة لمحافظة الحسكة الواقعة شمال شرق سوريا وذلك وفق تسمية، (قوات سوريا الديمقراطية) وبررت واشنطن دعمها لهذا التشكيل الجديد من القوى بأنه يأتي في سياق تعزيز استراتيجيتها الجديدة في التصدي وملاحقة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، وهذا الأمر يتلاقى مع أهداف تشكيل قوات سوريا الديمقراطية الذي يعمل على مقاتلة ووقف زحف وتمدد مقاتلي تنظيم الدولة.
تتألف “قوات سوريا الديمقراطية” من مجموعة من المقاتلين والفصائل العاملة شمالي سوريا وتضم قوى كردية وعربية وتركمانية واشورية سريانية وفق التسميات الآتية:
1. قوات حماية الشعب الكردي: وهي قوات كردية تابعة لقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري.
2. قوات حماية المرأة: وهو فرع تابع لقوات الحماية الشعبية للاكراد.
3. غرفة عمليات الفرات: تجمع يضم قوات الحماية الكردية مع فصيل من اهالي مدينة الرقة السورية.
4. المجلس العسكري السرياني: وهو عبارة عن مجموعة من المقاتلين السريان تتبع لحزب الاتحاد السرياني وفعالياته ونشأته في مدينة القامشلي السورية.
5. قوات الصناديد: قوات عربية عشائرية بأمرة الشيخ حميدي ادهام الجربا.
6. تجمع الوية الجزيرة: يضم عددا من مقاتلي العشائر العربية من اهالي منطقة رأس العين التابعة لمحافظة الحسكة السورية.
أهداف وغايات هذا التشكيل:
1. يسعى التشكيل لمقاتلة تنظيم الدولة الإسلامية على الاراضي السورية وملاحقة قياداته وتصفيتهم.
2. استعادة الأراضي والمدن والأقضية المهمة التي استولى عليها التنظيم وتوسيع رقعة انتشارهم في الأراضي السورية بديلا من مقاتلي التنظيم.
3. تعزيز مكانة التشكيل واعتباره عنصرا مهما وذا تأثير مباشر على الصراع الدائر الان على الساحة السورية والمشاركة في اي تسوية سياسية مقبلة في سوريا.
4. توجيه رسالة واضحة بأن جميع الأطياف والقوميات والأديان مدعوة للمشاركة في هذا التشكيل الذي يدعو لوحدة الأراضي السورية وتعزيز قوة ومتانة العلاقة بين ابناء الشعب السوري.
5. يدعو التشكيل لتأسيس نظام سياسي متعدد ويكون الحكم فيه لا مركزيا يتسم بإدارة ديمقراطية تحافظ على التعددية السياسية وهو المنظور المستقبلي للحكم في سوريا.
في ضوء كل ما تقدّم يعتبر مراقبون في واشنطن أن دعم الولايات المتحدة الأميركية لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، وعلى الرغم من كل التطمينات التي أرسلت إلى تركيا إزاء عدم وضع أي رسم جديد لخارطة سوريا حتى الآن، يشكل مرتكزاً لرؤية تبقى قيد التنفيذ في أي مرحلة انتقالية في سوريا وتعتبر أن أي أطر للنظام الجديد في سوريا يجب أن تتضمن تمثيلاً فعلياً لجميع أطياف الشعب السوري مهما تنوعت عرقياتهم.
وعلى الضفة المقابلة لهذا الدعم فإن الولايات المتحدة لن تسمح في نهاية المطاف بتعاظم الدور الروسي في سوريا أو حتى في المنطقة، ومن هنا يأتي حرص القيادة العسكرية الأميركية على دعم المجموعات السورية المعارضة والمصنفة معتدلة من اجل التحكم بمجريات الأمور على الأرض وعدم السماح بتحقيق نصر عسكري إن لروسيا أو لنظام الأسد، بحيث يأتي الدعم المباشر للفصائل المعارضة لكي تسيطر على مزيد من المناطق في سوريا ليس فقط في سياق الحرب على تنظيم “داعش”، وإنما استباقا سياسيا يمنع الروس ونظام بشار الأسد من تسلم المناطق التي ينسحب منها مسلحو التنظيم، مما قد يعطي النظام مزيداً من أوكسجين البقاء لمحاربة فصائل المعارضة السورية.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]