
في ظل التطورات الحكومية الاخيرة ومقاطعة وزراء “التيار الوطني الحر” جلسة مجلس الوزراء الاخيرة، والجدل السياسي الذي سبقها وأعقبها ولا يزال بموضوع ميثاقيتها، لا بد من تسجيل الملاحظات التالية:
اولاً: إن الميثاقية تبدأ بانتخاب رئيس للجمهورية، لان الأخير هو رأس الدولة ورمز وحدة الوطن وهو الساهر على احترام الدستور… فرئيس الجمهورية المسيحي الذي ينتخب لكل لبنان يتولى من جهة تمثيل طائفته وبالتالي ملء المركز الطائفي المخصص ميثاقياً للمسيحيين وفي الوقت عينه هو الذي يسهر على احترام الأسسس والقواعد الدستورية التي تبنى عليها الدولة وفي طليعتها التوازن الطائفي عملاً باحكام الميثاق الوطني الذي أسس لمبدأ “توزيع جميع المناصب في الدولة على جميع الطوائف بالانصاف …” واستعادها الدستور قبل وبعد الطائف باشارته في البند (ي) من مقدمته بقوله “ان لا شرعية لاي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك ” …
وبالتالي إن انتخاب رئيس الجمهورية هو تجسيد إعادة التوازن الطائفي والميثاقي الى الدولة، وبتغييب رئيس الدولة يتجسد سقوط الميثاقية، لان الرئيس يجسد ميثاقية توزيع المناصب وفي الوقت عينه ميثاقية الحكم بدءًا من رأس الدولة .
فطالما لا وجود لرئيس للجمهورية، فان آليات الميثاقية تبقى معطلة، ولا – ميثاقية مؤسسات أخرى ليس الا انعكاساً لحالة لا ميثاقية الدولة من رأسها حتى قاعدتها .
ثانياً: إن الميثاقية الصحيحة هي ميثاقية القوى السياسية الممثلة لطوائفها ومذاهبها لا ميثاقية طائفية او مذهبية الافراد مهما علا شأنهم وبلغت أهميتهم. ففي الحياة السياسية والوطنية والدستورية، يؤخذ بالصفات التمثيلية لا بالصفات الشخصية للمسؤولين، وبقدر ما تلتف أكثرية الطائفة او المذهب على شخص ما، بقدر ما يصبح هذا الشخص ممثلاً لطائفته ومذهبة وبيئته الثقافية والفكرية وفق ابسط قواعد علم السوسيولوجيا السياسية، سواء كان الشخص شخصاً طبيعياً او معنوياً، لكن وفي ضؤ القوانين الإنتخابية العرجاء التي شهدها لبنان منذ عهد الوصاية السورية والنظام الامني السوري – اللبناني، انبرت فكرة التعامل مع افراد ومجموعات محدودة تسبغ عليها الصفة التمثيلية للأكثرية الطوائفية والمذهبية رغماً عن ارادة ابنائها، لضرب تلك الطوائف والمذاهب وشق صفوفها الداخلية .
فهذا النهج في التفكير ساقط اصلاً وقد سقط نهائياً مع توافق اللبنانيين على “وقف العد الاحصائي ” واعتماد المناصفة في كل شيىء .
فاذا اعتمدنا هذا التفكير يصبح الجزء ممثلاً للكل وفي هذا مجافاة للمنطق ولمبادىء التمثيل السياسي للقوى .
وحيث ان الطوائف والمذاهب في لبنان افرزت احزاباً وتكتلات وتيارات سياسية باتت تختصر الصوت الطائفي والمذهبي داخل كل طائفة، فقد بات من المحال التكلم عن ميثاقية بمعزل عن تلك الأحزاب والتكتلات والتيارات …
ثالثاً: إن غياب الميثاقية التي كان آخر فصولها انعقاد مجلس الوزراء الأخير بغياب المكونين المسيحيين الوزاريين: حزب “الكتائب” و”التيار الوطني الحر”، ليس سوى نتيجة حتمية للخلل الدستوري في آليات ادارة شؤون الدولة، لا بل هو نتيجة الخروج الكلي عن روحية ونصوص الدستور والميثاقية التي ارسيت منذ العام 1948، وتجددت في وثيقة الطائف.
وفي هذا الاطار لا بد من الاشارة الى ما يلي:
ـ عندما يقوم كل من رئيسي الجمهورية والحكومة المكلفين باستشارات، لتشكيل حكومة جديدة، فإنهما لا يحصران مشاوراتهما ببعض السياسيين وبعض الحيثيات الوطنية والمناطقية والطائفية والمذهبية، بل يتعدونها الى استشارات القوى السياسية والأحزاب والتكتلات من خلال الكتل النيابية الممثلة للقوى السياسية المناطقية والمذهبية التي تشمل كل لبنان في البرلمان .
إن تشكيل الحكومة التي هي الآلة التنفيذية الاجرائية للحكم، تنبثق من إرادة القوى السياسية الطائفية والمذهبية في البلاد، لا من ارادة أشخاص او بعض الجماعات والتكتلات دون سواها .
وبالتالي فان التشاور الذي يفضي الى تشكيل حكومة هو نفسه التشاور الذي يسبغ عليها صفتها الميثاقية، بحيث اذا استبعد فريق من المشاورت حجب الثقة عن تلك الحكومة او علق مشاركته في جلسة الثقة، فيما تستمر الحكومة بحكم قانون الأكثرية.
فعن هذه الأكثرية الطائفية والمذهبية نفسها تنبثق ميثاقية الحكومة وبغيابها تسقط ميثاقية الأخيرة .
ـ عندما أنيطت السلطة الإجرائية بالحكومة مجتمعة أي بالحكومة التي تملك السلطة التنفيذية والإجرائية المنبثقة من ثقة الأكثريات الطائفية والمذهبية في البلاد التي تشكل المشهد اللبناني الوطني والممثلة بأحزابها وتكتلاتها وكتلها، بحيث باتت الحكومة بموجب الطائف محكومة بتمثيل القوى السياسية والأحزاب الأكثرية وبخاصة المسيحية لانها هي التي تنازلت للحكومة عن صلاحيات منصبها الاول في الدولة لتمارس بحضورها ومشاركتها، فلم يعد بالتالي بالامكان القفز فوق إرادة الأكثرية المسيحية الممثلة باحزاب ثلاث اساسية: “القوات اللبنانية” (غير المشاركة اساساً في الحكومة) وحزب “الكتائب” (المنسحب منها) و”التيار الوطني الحر” (المقاطع لجلساتها).
فكما لا نستطيع تصور ميثاقية سلطة بغياب السنة الممثلين بتيار “المستقبل” والشيعة الممثلين بالثنائي “حزب الله” و”امل” والدروز الممثلين بالنائب وليد جنبلاط، لا تصح ميثاقية بغياب الأحزاب الأكثرية مسيحياً في الحكم.