
تتحدث تقارير ديبلوماسية وسياسية غربية وعربية في سياق مقاربتها للأزمة السورية والحلول المطروحة عن اتفاق طائف سوري نسخة طبق الأصل عن الطائف اللبناني، وتشير في معرض شرحها ان رئيس الجمھورية يمكن أن يكون علوياً، إنما الطابع العام للنظام الجديد سيكون سنياً، على غرار الوضع اللبناني، ولكن من دون أن يحوِّل سوريا إلى دولة دينية، كما أن صلاحيات الرئيس ستكون محدودة جدا…
ويشكل هذا التشخيص للطائف تشويها لهذا الاتفاق وتحاملا على الطائفة السنية وتحريفا للوقائع، لأن الطابع العام للنظام في لبنان ليس سنيا كما تحاول بعض الجهات تصويره تمهيدا لتعديله، بل يعكس توازنا دقيقا بين المجموعات اللبنانية يتجسد في المناصفة وصلاحيات الرئاسات الثلاث المتوازنة والمتقاربة.
وإن دل الفراغ الرئاسي على شيء، فعلى محورية موقع رئاسة الجمهورية ودورها، إذ تجمّد عمل كل النظام تقريبا، فيما لا يفترض التقليل من صلاحيات الرئيس، ولا التقليل كذلك الأمر من ثلاثة عوامل أساسية:
العامل الأول، عدم التطبيق المتعمد لاتفاق الطائف منذ إقراره، وأحد أهداف النظام السوري من تعطيل الطائف التحول إلى المرجعية البديلة عن المؤسسات الدستورية.
العامل الثاني، التغييب القسري والمتعمد للتمثيل المسيحي أدى إلى إضعاف رئاسة الجمهورية التي استخدمها النظام السوري كأداة ضغط على رئيس الحكومة السني، كما الإيحاء للمسيحيين ان الاستعانة بهم يشكل المدخل الوحيد للموازنة مع رئاسة الحكومة، فيما الواقع ان كل البلد كان تحت هيمنة هذا النظام، ولا صلاحيات لأي مؤسسة خارج الإرادة السورية.
العامل الثالث، أظهرت الممارسة ان اي رئاسة من الرئاسات الثلاث يتوسع دورها او يتقلص تبعا للشخصية التي تكون على رأسها، فرئاسة الحكومة مع الشهيد رفيق الحريري تختلف عنها مع الرئيس سليم الحص، وهكذا دواليك.
وما ينطبق على رئاسة الحكومة ينسحب على الرئاستين الأولى والثانية، وبالتالي المسألة ليست مسألة صلاحيات، إنما الخلل الأساس يكمن في رفض تطبيق الطائف من قبل النظام السوري أولا و”حزب الله” أخيرا، وأما الهدف من محاولات تصوير الطائفة السنية بانها مهيمنة على النظام خلق أرضية توتر وتشنج مسيحية-سنية، ودفع المسيحيين للمطالبة بتعديل النظام من أجل ان يلتقط “حزب الله” الفرصة لإدخال تعديلاته في صلب الدستور والمتمثلة بتكريس سلاحه وانتزاع حق الفيتو.
ويبقى ان الطابع العام لاتفاق الطائف هو طابع لبناني فقط لا غير، وكل محاولات مذهبته وتطييفه ترمي لإبقاء عوامل الصراع والتفجير في صلب النظام السياسي بغية إبقاء لبنان ساحة لقوى الأمر الواقع المتمثلة بمحور الممانعة.