إيلي آدم آدم: معارك كثيرة في نضال مستمر… “عشتُ على جبهة البرجاوي حيث استشهد أخي مارون”

حجم الخط

تعددت الروايات، اختلفت حكايات المعارك والنتيجة واحدة، أبطال كانوا هناك، في قلب النار وسطّروا بحروف من دم ودموع وبطولات على وجه التاريخ أعظم الحكايات. منهم من أصيب، منهم من حمل وسام الشهادة، ومنهم من بقي حيّاً ليشهد للتاريخ ولنكتب بدورنا في كتاب النضال المقدس عن تاريخ مقاومة أبت إلا ان تكون بخوراً على مذبح الوطن.

مقاتلون كثر، لكلٍ طريقته في القتال، ومنظوره الخاص به يرى من خلاله، وهذه المرة حكاية جديدة عن مقاوم جديد، مقاوم شريف، لبق حتى في القتال، اتقن قوانين الحروب والمعاهدات وطبقها حتى في أحلك الظروف، لأن المقاومة رسالة أراد من خلالها إيصال أبهى صورة عنها كما يقول.

إنه إيلي آدم آدم، شقيق المقاوم الشرس بيار آدم، وشقيق الشهيد مارون آدم الذي استشهد على جبهة البرجاوي في 4 نيسان 1984، هذه الجبهة الأحب إلى عائلة آدم، إذ تناوبوا على قيادتها وعاشوا نصف أيام حياتهم فيها، دافعوا عنها، وقدموا شهيداً على مذبحها.

جلس آدم يقلّب صفحات دفتره الأحمر القديم الذي دوّن في داخله سطور أيام نضالاته. دفتر آدم هو ذاكرته، وذكرياته، “في هذا اليوم والتاريخ تدربنا”، و”في ذاك اليوم كنا في الخدمة”… تعددت الصفحات والمضمون واحد: القضية والمقاومة والشهادة…

منذ صغره يهوى آدم المطالعة ومتابعة الأخبار السياسية، ومع تفاقم الأزمة اللبنانية في ظل الوجود الفلسطيني، استفزته الأخبار التي كانت تتوارد عن عمليات الخطف والاستفزازات.

قرر آدم الالتحاق بـ”الكتائب” عبر مركز الصيفي المركزي، فانتسب وتسلم البطاقة من الشيخ بيار الجميل، وبدأ مزاولة عمله الحزبي والتدريب العسكري. كانت تلك الفترة مهمة يقول آدم، لأنه شهد على ولادة الجناح العسكري لـ”الكتائب” المتمثل بفرقة الـ”ب.ج”.

ويضيف: “كنت أتوجه الى مركز الصيفي كل نهار جمعة”. بحسب ما دوّن في كتابه، “بندقية واحدة، تمرن عليها عشرات المنتسبين، فك وتركيب، الى أن تطورت الأحداث فبدأنا بالتدريب المكثف، وتزامن ذلك مع بدء عناصر الجيش بالإنشقاق سنة 1975، كل حسب انتمائه الطائفي، فواصلنا التدريب على يد ضباط من الجيش اللبناني.

بدأت النضال العسكري انطلاقاً من الـ”ب.ج”، وكانت أولى المعارك التي شاركت فيها تحرير الكرنتينا عام 1976، بعدما تكررت عمليات الخطف التي كانت تنطلق من الكرنتينا، فأتت الأوامر بتحريرها.

دارت معارك بيننا وبين الفلسطينين ولكن خلال وقت قصير تحررت المنطقة بالكامل نظرًا لمساحتها الصغيرة، عندها توجهت مع مجموعة لنقوم بحملة تمشيط خلف المقاتلين الذين حرروا المنطقة”.

مشى آدم داخل أحياء الكرنتينا بحذر بحثاً عن بعض الجيوب المتبقية، لكنه لم يصادف أي مقاتل فلسطيني. يضيف: “وصلت الى منزل قديم، فوجدت امرأة عجوزًا تجلس أمام منزلها وفي أحضانها فتاة صغيرة معوّقة، إمرأة ليست فلسطينية لكنها من العرب الرُحل تقطن بين الفلسطينيين، تأثرت لتلك الفتاة الصغيرة، تقدمت نحوها وقلت لها لا تخافي، حملتها وقلت للعجوز رافقيني”.

ويتابع آدم: “كنا قد استحدثنا نقطة تجمع خارج الكرنتينا لترحيل من تبقى من الفلسطينيين عبر حافلات تقلهم الى بيروت الغربية، وهذا ما حصل، قمت بإيصال الفتاة والسيدة العجوز الى الحافلة لتعبرا بأمان الى خارج مناطقنا. الحرب ليست بإطلاق النار فقط، هناك أشياء لها علاقة بالإنسانية، أشياء تحصل معك لتذكرك بأنك إنسان، فللحروب قوانين وأعراف عليك احترامها منها حماية المدنيين وعدم التنكيل بالأسرى”.

الكرنتينا كانت أولى معارك آدم، الى أن دقت ساعة معارك الأسواق، طُلب من آدم التوجه للدفاع عن بيروت من خلال فندق الهوليدي إن، لم يتردد للحظة.

يروي آدم: “كنا 18 عنصراً من ضمنهم شقيقي بيار، توجهنا الى جبهة الهوليدي إن المعروفة بالمقاطعة الرابعة، ببضع قاذفات “ب7” وأسلحة رشاشة دافعنا في وجه ترسانة أسلحة من مدافع الهاون وأسلحة ثقيلة كانت موجودة مع الفلسطينيين والطرف الآخر.

تمركزنا داخل صالة كبيرة لأن حماية مبنى كفندق الهوليدي إن صعبة للغاية وتتطلب عددًا كبيرًا من المقاتلين، ونظراً الى أن الفندق مواجه لفندق فينيسيا ومكشوف للأحياء السكنية المقابلة، تعرضنا لعمليات قنص عديدة.

أذكر عندما كان (الشهيد) أمين أسود برفقتي، كنت جالساً في إحدى الغرف الكبيرة في الفندق أراقب فندق فينيسيا عبر طاقة أحدثتها قذيفة، مرّت بقربي رصاصة قناص، انبطحنا أرضاً أنا وأمين، عدت ونظرت من النافذة فوجدت القناص، أخبرت أمين عن مكان وجوده، فطلب مني التحرك بحذر لإلهائه. وما ان قمت وتقدمت بضعة أمتار حتى بدأ بإطلاق النار عليّ، كشف أمين الذي كان بحوزته بندقية “فال” مكانه، فأطلق راصاصة واحدة باتجاه القناص فأرداه على الفور”.

“كانت أيامًا صعبة” يقول آدم، “الاتكال كان على معنويات الرفاق وصبرهم وصمودهم الى أن تأتي الذخيرة المطلوبة التي كانت تنقل وتصل إلينا بطريقة شاقة لا تقل صعوبة عن المعارك، من مبنى الى آخر، من حي الى حي الى أن تصل الى المكان المطلوب. كنا نقوم بربط حجر بالحبل ورميه الى المبنى المقابل حيث توجد الذخيرة، وهناك يقوم العنصر بربط الحبل بصندوق الذخيرة لنقوم نحن بسحبه وجرّه صوبنا”.

ويضيف: “لم يسقط الهوليدي إن إلا عندما رُسمت الخطوط الحمراء، عندها تراجعنا الى المنطقة الخلفية نحو الصيفي”.

من الأسواق الى معارك تل الزعتر عام 1976 عبر محور الدكوانة قام آدم بتغطية شقيقه بيار الذي قام بعملية نوعية.

يقول آدم: “شقيقي بيار “مجنون” مندفع قوي لا يهاب شيئاً، تقدم بمفرده طالباً عدم مرافقته، قمنا بتغطيته عبر إطلاق النار، غاب عن الأنظار بينما ننتظره خارج أحياء الدكوانة مع مجموعة من الدرك كانت متمركزة بقربنا. بضع ساعات ولم يأتِ بيار، وإذ به يظهر من بعيد يغطيه الغبار، يحمل بيده عدة بنادق غنمها من الفلسطينيين، ونظراً لبشرته السمراء ظن الدرك أنه عنصر تابع لجيش التحرير الفلسطيني، فسارع أحدهم لإطلاق النار عليه فصرخت كالمجنون، “هذا أخي بيار لا تطلقوا النار” وبدأت أصرخ “يا بيار يا بيار”، فأشار بيده من بعيد وتقدم نحونا، عندها اطمأن الدرك الى أنه واحد منا”.

لا يتذكر إيلي كل الأحداث التي مرت معه. يستعين بالكتاب ويعود ليسرد ما حصل معه أيام جبهة البرجاوي.

بعد تل الزعتر انتقل آدم لتسلم جبهة البرجاوي حيث يسكن، قام بتدريب وتجهيز الرفاق، عزز المتاريس لمنع تسلل المسلحين. ويروي آدم تفاصيل الهجوم الذي قام به الفلسطينيون من محور مقبرة اليهود على تلك الجبهة، ويقول: “كنت أجلس وراء المتراس أنا وشقيقي بيار وأبو رورو، مع أن الجبهة كانت هادئة يومها، ولكن شعرنا بشيء غريب يحدث خلف المتراس، قام أبو رورو بإطلاق رصاصة واحدة من الطاقة، فخرجنا أنا وأخي من خلف المتراس ووجدنا مقاتلاً صومالياً ممدداً على الأرض كان قد تسلل نحونا ، فبلغت الرفاق بوجوب أخذ الحيطة لأن هناك تسللاً للمسلحين، وفعلاً كان الهجوم قد بدأ ودارت الإشتباكات بيننا وبينهم، تقدمنا نحو مدرسة الناصرة فاصطدمنا بمجموعة متسللة مؤلفة من أربعة مسلحين، أطلقنا عليهم النار مباشرة وتقدمت ناحية متراس الرفيق فياض فوجدته خلف المتراس والى جانبه 4 قتلى من الصوماليين المرتزقة. مشطنا المنطقة لتنظيفها من المسلحين الذين تسللوا الى البرجاوي من عدة محاور، وهذه الفترة كانت في أواخر عام 1977.

في العام 1978، بدأت معركة تحرير الأشرفية أو حرب المئة يوم، كنت خارج بيروت برفقة زوجتي، فطلب إلي التوجه الى الأشرفية، نزلت الى مرفأ جونيه ومنه بحراً الى الحوض الرابع في الكرنتينا. كانت الأشرفية ملتهبة بنيران القذائف، فتسلمت وحدة الإشارة على محور مار يوحنا وبدأت في تلقي الإحداثيات وإرشاد الرفاق وتزويدهم بالمعلومات، ساعات قضيتها واضعًا السمّاعات الضخمة على رأسي، فأصبت بالصرع، ولم أعد قادرًا على المتابعة، فتم نقلي الى المستشفى والقذائف تسقط حولنا كالمطر. وصلت الى مستشفى أوتيل ديو حيث كانت المنطقة هناك هادئة بعض الشيء، ولكن اخبار الرفاق الذين قاتلوا يومها بشراسة كانت بمثابة الزوادة وتعبئتي بشحنات عالية.

من كافة الأحياء والشوارع تقدمت المقاومة اللبنانية عبر مجموعات لتحرير الأشرفية من السوريين، دارت معارك شرسة على محور صيدلية بارتي وشارع السيدة في كرم الزيتون، فتوجهت مجموعة بقيادة بوب حداد على محور بارتي لأن المعركة كانت حامية هناك، دخل شقيقي بيار وبوب حداد معركة بارتي بكل قوة فسقط في تلك العملية عشرات القتلى من وحدة النخبة السورية.

أصبحت الأشرفية خالية من الوجود السوري، عدت الى جبهة البرجاوي وأصبحت مفوض القوى النظامية هناك، كما عدت لأزاول عملي في معمل للسجاد لأنه أصبح لدي عائلة وأولاد ومسؤوليات عدة، أعمل لأعيل عائلتي وأقوم بواجبي تجاه وطني على الجبهة، كان رب العمل يحب “الكتائب”، فيسمح لي بأن أتغيب عن العمل عندما تدعو الحاجة. أمضيت سنوات طويلة على جبهة البرجاوي، هذه الجبهة التي اخذت معظم أيام حياتي، وأخذت شقيقي الشهيد مارون عام 1984”.

يضيف آدم: “من معركة الى معركة، من انتصار الى انتصار، توّجت بانتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية، ولكن فرحتنا لم تكتمل فتم اغتياله، وتوالت الانتفاضات”. فضّل آدم الحياد وعدم المشاركة في أية انتفاضة الى حين تبلورت الصورة واستلم الدكتور جعجع دفة القيادة.

عاد آدم الى النضال، والى البرجاوي في صفوف “القوات اللبنانية” التي نذر حياته فداءً لها.

من التحرير الى حرب الإلغاء نالت البرجاوي حصتها من القذائف والمعارك. انتهت حرب الإلغاء وانتهى معها سلاح “القوات”، اعتقل الدكتور جعجع ومعه كثر، لكن “القوات” في نظر إيلي آدم لا يمكن أن تنتهي، هذه “القوات” التي قدمت أكثر من 15000 شهيد لا يمكن لها إلا أن تستمر.

اليوم، يعيش آدم حياته القواتية بنضال بعيد عن البندقية ولكن ليس أقل شأناً عن نضال الحرب، لأن هناك جيلاً جديدًا عليه أن يتابع المسيرة ويقرأ عن أيام آدم ورفاقه الذين أوصلوا سفينة “القوات| الى بر الأمان.

آدم اليوم سائق عمومي، يعمل ويتابع نضاله منتسباً في صفوف “القوات” في منطقة بيروت، وهو مستعد على رغم تقدمه في السن أن يقدم ما تبقى له من سنوات من أجل الأهداف نفسها التي جعلته يحمل بندقيته ويقوم بواجبه. لم يتردد لحظة ولن يتردد مرّة أخرى، فـ”القوات” كما يقول “ليست شعارًا، بل آلاف من المقاتلين بقيادة قائد حكيم، وشهداء استشهدوا لنستطيع الجلوس اليوم والتكلم بكل حرية عن مسيرة حافلة بالشرف”.

 

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل