إن ننسَ فلن ننسى: بيت ملات إبقي في الحب… في النضال

كتبت قيرا بومنصف في “المسيرة” – العدد 1535

لو كان التاريخ ينصف فعلاً لجعل من مسيحيي لبنان اسطورة، لو كان التاريخ اللبناني تحديداً متوقداً بالضمير الانساني لكرّس المقاومة اللبنانية المسيحية وجعل من ناسها ايقونة تدرّس في المعاهد والمدارس، ليس لأنهم دافعوا عن وطنهم وحسب، ولكن لأن أحداث التاريخ نفسه سطّرت بدمائهم، والكلام ليس شعراً، لكانت سطّرت بدمائهم كتب التاريخ اللبناني الحقيقي، كما فعل المسيحيون القدامى على مر عصور الاضطهاد وخصوصاً موارنة لبنان، نحكي تحديداً عن مجزرة بيت ملات تلك القرية الشمالية حين عصفت فيها ريح الشمال وصار الصقيع وحده ساكن البيوت.

بالتأكيد لا نكتب لننكأ جراحاً كما يقال، لكن من ينسَ تاريخه لا يصنع مستقبله وتاريخنا حافل بمقاومتنا ولا نريد أن ننسى، لا يحق لنا أن نفعل، نسامح وسامحنا وطوينا آلاف الصفحات، لكن لن ننسى يوماً عمراً دهراً شهداءنا كي لا يموتوا مرتين، كي لا يدفن نضالنا في التراب، كي لا نصبح بلا ذاكرة بلا تاريخ، لن نفعل.

بيت ملّات تلك القرية الشمالية في قضاء عكار، كان العام 1975، بداية الحرب، كانت أخبار الحرب تصل تباعاً من بيروت وضواحيها، حكايات الصراع على بقاء وطن، حكايات مقاومين وهبوا حياتهم لأجل ان يبقى كيان ما اسمه وطن، كانت حروب صغيرة في بقع متناثرة من الوطن الصغير تفلش حالها كسرطان ينغّص عليه امانه وجماله. لم يعد يسأل احد عن الجمال وعن سويسرا الشرق، كان بدأ الغرباء الحاقدون بتنفيذ المخطط الكبير، تشليع البلد تمهيدا لاقتلاعه من جذوره واقتلاع ناسه من أرضهم، كان الفلسطينيون المسلحون وطبعاً ودائماً خلفهم العرّاب إياه، حافظ الاسد ونظامه الذي مذذاك الوقت سطر الصفحات السود في تواريخنا.

كان أيلولا دامياً، اذ كانت البلاد تضج بخبر مجزرتين متعاقبتين أبطالهما ما كان يسمى بالصاعقة السورية ومسلحون فلسطينيون وأعوانهم من بعض الاحزاب اللبنانية، حين ارتكبوا مجزرة القاع ومن بعدها مباشرة مجزرة بلدة دير عشاش في قضاء زغرتا يوم 9 أيلول حين هاجمها الرعاع وذبحوا ثلاثة كهنة كالنعاج بعدما عذّبوهم وأحرقوا المنازل وقتلوا واستباحوا واحتلوا، كانت بلدة بيت ملات تتفاخر بانتمائها السياسي للمقاومة، وكان شبابها اما في الجيش او من ضمن المقاومة اللبنانية، وكانوا بدأوا يتسلّحون بما تيسر من بنادق الصيد والأسلحة التقليدية الخفيفة وهم يعرفون أن مثل هذا السلاح لا يرد اعتداء ولكنه يسمح بالموت بكرامة، بعدما كانت القرى اللبنانية كافة بدأت تتعرض لهجومات مسلحة، لم يعجب الأمر من كانوا يخططون منذ زمن ليجعلوا من صباحاتنا ليلاً طويلاً من دون نهار، وعلى رغم الوساطات والاتفاقيات على تسليم السلاح وأجواء الاسترخاء التي أوحى بها المسلحون لابناء الضيعة ووعدهم لهم بأنهم لن يتعرضوا لأي هجوم مسلح، لكن قلب الشباب لم يهدأ ولم يطمئن فاصروا على التسلّح وعلى الحراسة، كانت السطوح متاريس العيون وقلوبهم الساهرة على الضيعة، لكن القلوب والعيون وحدها لم تتمكن من صد جحافل الشر، والسلاح الرشاش عجز أمام هول الاجرام وجبالالغدر والحقد  المتراكم المتفجّر في أجساد الأبرياء والمقاومين.

كان الصباح، تحت عين الشمس ولا ليل يستر الدماء، بوقاحة الضوء هجموا، بقبح المجرمين انتهكوا، بوحشية المحتل توزعوا شمالا ويمينا وفي كل الاتجاهات وبدأوا عرس الدماء، دخلوا المنازل بيتا بيتا، دمروها أحرقوها، قتلوا الاطفال والرجال والنساء بدم بارد، انتهكوا حرمة الكنيسة وأحرقوها وقتلوا كاهنين بطريقة همجية، وشفيع الضيعة مار سمعان يشهد على المسيحيين الذين تحولوا الى طرائد الوحوش، كأن نيرون كان حاضراً هنا في ساحة روما، في شوارع بيت ملات،  يحرق أبناءها أو يطلق بأجسادهم الأسود الجائعة المفترسة لتغرز أنيابها في عمق الإيمان، وهم يرسمون إشارة الصليب ويقاومون بالدم وحب المسيح والأرض.

تحول الناس في الضيعة الشمالية الحزينة الى فئران محتجزة في الجحر، صارت بيت ملات جحرا صغيرا والهواء صار عويلاً والناس تفرفر ذعرا في الزواريب والأزقة بحثاعن مخرج للفرار، والمقاومون يقاتلون، يواجهون بما توفر من بقايا أسلحة حربية وفرّاعات، فعلوا المستحيل ليدافعوا عن المكان، لم يكن عندهم ما يربحونه لو خسروا الضيعة، لو انهارت الكرامة، استبسلوا ليحموا ضيعتهم، استشهدوا بغزارة، بغزارة بعنف بهمجية وضاعت الضيعة، سكنها النعيق والرحيل والشهادة، أحرقت المنازل ودمرت بالكامل، خطف شباب الى جهات مجهولة، وفر من فر شمالاً جنوباً غرباً لم يعرفوا أين يتوجهون، أكثر من أربعمئة عائلة لا يحملون معهم شيئاً سوى بقايا حياة ولا حياة في حين تناثر الشهداء شهودا على وحشية لا تقارب، على زمن كانت دواعشه أشد فتكا بعد من دواعش الأيام اللاحقة، الذين بعدما تأكدوا بأن البلدة أصبحت ساقطة عسكرياً وان الشباب توقفوا عن المقاومة، خرجوا منها، خرجوا منها وبقيت أعينهم عليها تترصّد حركة مقاومة ما، كانوا يعرفون في سرّهم انها مقاومة شرسة رغم امكانياتها العسكرية المحدودة جدا، كانوا يعرفون انهم يواجهون أصحاب أرض وحق واله وضمير وهم بلا كل تلك القيم النبيلة، كانت مواجهة حقيقية بين الانسان والوحش في الانسان، ولوهلة انتصر الوحش، أو لعله ظن كذلك لأن الايام الآتية برهنت أن الوحش أكل نفسه وابتلع انسانه لذلك هُزم في تلك اللحظة بالذات، وتحديداً حين كان يرتشف دماء ضحاياه ويعلن انتصاره المبين.

هي ساعات تحولت في خلالها بيت ملات الى مقبرة جماعية، عجز الجيش عن دخولها بداية ولما تمكنوا كانت المجزرة انتهت مساء، ومصاصو الدماء كانوا يتلذذون برحيق الموت، دخل الجيش لملم الجثث المقطعة المذبوحة المحروقة من طرقات الذل، كانوا أكثر من عشرين شهيدا ولا تسألوا عن الجرحى والمصابين والمعوّقين، وزع الجيش المساعدات على من تبقى صدفة اعجوبة من الأهالي، حاول أن يعيد للبلدة بعضا من طمأنينة، بقايا روح، وما استطاعوا، وبقيوا هناك يراقبون موت البلدة عاجزين خشية تعرّضها لهجوم آخر وموت جديد.

ومضت أيام قليلة في السكون المريب، خلت الشوارع من الجثث وبقيت الاثار الدامية، بيت ملات صارت بلدة أشباح، خرج الجيش منها، عاد الى ثكناته، كانت عين الصقر تراقب الطريدة، لم تكن عينه شبعت بعد منها، ولما خرج الجيش انقض الوحش من جديد على من تبقى هناك لتصبح بيت ملّات قرية منكوبة بكل ما للكلمة من معنى، صارت مثل القاع ودير عشاش قرية الشهداء وتحول اهلها الى نازحين في وطنهم، توزع الاهالي على قرى كسروان والمتن وهناك وهنالك في الوطن الذي ضاق عليهم، بينما لم يحتمل أهل الشهداء الا يدفنوا أبناءهم كما يليق بشهيد، لم يحتملوا أن يعودوا ليروا آثار الدماء تحفر اثلاماً في شوارع الضيعة، تحفر الذكرى التي لن تغيّبها السنون مهما تراكمت وبعدت، فقرروا الابتعاد نهائياً عن وطن حوّل أبناءهم الى سكرة يتلذذ بها الطارئون على الانسانية، محتلون لكرامة وطن وهم بلا كرامة فهاجروا في غالبيتهم الى المكسيك والبرازيل وفنزويللا وما زالوا هناك.

تصالحت بيت ملّات مع كل جيرانها، عادوا يتشاركون في الحياة اليومية، طوت جراحها العميقة، وذهبت في رحلة التعايش والمشاركة في كل شيء، هي قرية مسيحية لكنها تعيش أعيادها واحتفالاتها الدينية مع كل الطوائف، هي بالاساس كانت كذلك قبل أن يدخل الغريب ليحفر بئر الفراق بالقوة والعنف. نسيت الشهداء؟ أبداً، ولا يوم ولن تفعل، تصلي لهم، تخبر عن بطولة واستبسال المقاومين فيها، تتحدث بفخر عمن فعلوا المستحيل لبقائها وتكمل درب النضال، ولذلك نصف أبنائها انضووا في المؤسسة العسكرية، هم أبناء النضال عاشوا الكرامة وعايشوا شهداء ارتفعوا لاجل ان تبقى الكرامة، حسبهم انهم منحوا حياتهم فداء عنها، عن وطن كان قيد الدرس، قيد الخارطة، فاستردوه من فم السبع ليصبح هو الخارطة وهو الإقامة النهائية لأبنائه أما ذاك السبع ومن تبعه ومن قد يتبعه فلهم دائما مناضلين وشهداء أمثالهم لأجل كرامة وطن. بيت ملات ابقي في الحب فالحب أيضاً نضال.

 *لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن. 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل