
من يقرأ الأستاذ طلال سلمان يخلص إلى ان الرجل ما زال يعيش فعلا في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته متأثرا بطبيعة الصراع الذي كان قائما وعناوينه، وإلا كيف يمكن تفسير وصفه الطائفة المسيحية بـ”الطائفة الممتازة” في العام 2016 مقابل طوائف أخرى “عادية” في استعادة ممجوجة لفكرة الامتيازات التي شكلت هدفا من الأهداف الاستراتيجية لـ”محور سلمان” في ذاك الزمان؟
وبمعزل عن جوهر النقاش بين من يرى في الامتيازات ضربا للمساواة، وبين من يرى فيها الضمانات المطلوبة للفكرة اللبنانية وليس للطائفة المسيحية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل مجرد مصادفة ان تؤدي الإطاحة بما يسمى الامتيازات إلى فقدان كامل للسيادة يمهد لاحتلال سوري للبنان لمدة 15 عاما وهيمنة مطلقة من قبل “حزب الله” على المفاصل الاستراتيجية للدولة اللبنانية، وبالتالي على طريقة الأستاذ فيصل سلمان “فكر فيها”؟
فالهدف من إسقاط الامتيازات إسقاط المناعة اللبنانية، والحرب على المارونية السياسية لم تجر تحت عنوان طائفي، إنما تحت عنوان لبناني، إذ لا مشكلة للنظام السوري مع الفئة المسيحية المؤيدة لهيمنته على لبنان، بل على العكس عمل على تعزيز دور تلك الفئة، إنما كل مشكلته ومشكلة غيره مع الفئة المسيحية التي ترفض التنازل عن السيادة اللبنانية.
ومن هنا الامتيازات لم تكن لطائفة، إنما لفكرة ومشروع وهدف اسمه لبنان بتعدديته وديموقراطيته وحريته ونموذجيته ودوره، والهدف من القضاء على تلك الامتيازات ليس القضاء على الطائفة المسيحية، إنما القضاء على الدور اللبناني المؤسس للفكرة اللبنانية.
وكان الأستاذ سلمان كتب في مقالته المعنونة اليوم “الفراغ يحكم.. دولة الطوائف البلا دولة!” و”لأن النظام طوائفي، وثمة طائفة ممتازة، وطوائف أخرى “عادية”، فإن أي تفكير في تبديل أو تعديل آليات الحكم لمنع الشلل فيه، يعتبر تهديداً مصيريا للطائفة الممتازة التي ما زالت تعيش في عهد المتصرفية أو العهد التأسيسي (الفرنسي) للدولة اللبنانية… مع أن الانقسام السياسي داخل هذه الطائفة، كما في الطوائف الأخرى، طبيعي، بل بديهي، وقائم فعلاً”.
فهل الطائفة المسيحية هي التي “ما زالت تعيش في عهد المتصرفية أو العهد التأسيسي (الفرنسي) للدولة اللبنانية، أم ان الأستاذ سلمان هو الذي ما زال يعيش في زمن الحرب اللبنانية وفي ظل هاجس دائم من استعادة الطائفة المسيحية لدورها الوطني بما يمهد لاستعادة السيادة اللبنانية؟”
فهذا الكلام يندرج في سياق إما التجني على المسيحيين، وإما التغطية على واقع ان الطائفة الممتازة الوحيدة منذ تأسيس الدولة اللبنانية تتمثل بـ”حزب الله”. فعن اي طائفة ممتازة يتحدث الأستاذ سلمان؟ وكيف تكون طائفة ممتازة ويتم اعتقال وإبعاد رموزها الفعلية من الدكتور سمير جعجع إلى العماد ميشال عون وما بينهما الرئيس أمين الجميل، ويلاحق كل من ينادي بالسيادة والحرية؟ وكيف تكون طائفة ممتازة وغير قادرة على التأثير لا في القرارات الوطنية ولا في القضايا الميثاقية بفعل إمساك “حزب الله” بمفاصل الدولة اللبنانية؟ وكيف تكون طائفة ممتازة ومجردة هي وغيرها من الصلاحيات التي يستأثر بها “حزب الله” منفردا؟
وإذا كان من طائفة مميزة في لبنان فهي “حزب الله” وليس الطائفة الشيعية، فيما كل الطوائف أقل من “عادية” ومحكومة بسياسة الأمر الواقع بفعل هيمنة الحزب على القرار اللبناني ورفضه تسليم سلاحه وتوريطه لبنان بحروبه وأجندته الإقليمية وسعيه إلى إلغاء الفكرة اللبنانية التأسيسية لاستبدالها بفكرة قديمة-جديدة لا تمت للبنان بصلة وقد جرِّبت واسقِّطت ولن يكتب لها النجاح.