
حاولت بعض الجهات توظيف اللقاء الاجتماعي-الشخصي الذي جمع النائب شانت جنجنيان والنائب علي فياض ومجموعة أخرى في أحد مطاعم الضاحية الجنوبية للمزايدة على “القوات اللبنانية” واتهامها بانها تقاطع الحوار الموسع علنا وتجري حوارات ثنائية سرا، وان المبدئية التي ميزتها عن المكونات الأخرى سقطت مع هذه الصورة.
وعلى رغم البيان الصادر عن “القوات” الذي وضع الأمور في نصابها، ومن ثم توضيح النائب جنجنيان لرواية اللقاء وخلفياته، والموقف الحاسم الذي أطلقه النائب جورج عدوان بأن “لا حوار مع “حزب الله” خارج الدولة والدستور”، فإنه لا بد من تسجيل الملاحظات الآتية:
أولا، مقاطعة “القوات” لجلسات الحوار ليست في سبيل المزايدة وتسجيل المواقف، هذا الأسلوب الذي لم تعتد “القوات” عليه، بل لأن الحوار تحول بكل بساطة إلى حوار لمجرد الحوار بلا أي نتيجة منذ انطلاقته في العام 2006.
ثانيا، “القوات” كانت وما زالت مع الحوار كوسيلة وحيدة لإنهاء الأزمة اللبنانية، وكانت في طليعة المشاركين في الجلسات الحوارية التي قدم فيها الدكتور سمير جعجع مساهمات جدية للخروج من أزمة تفريغ الدولة والهيمنة على مقدراتها ووضع اليد على دورها، ولكن بعدما تبين ان “حزب الله” ليس في وارد التجاوب ولا التفاعل مع المساعي الجدية لإخراج لبنان من النفق المظلم، فإن “القوات” ليست بوارد المشاركة في مسلسل نتائجه معلومة، بل تفضل انتظار اللحظة التي يصبح فيها الحزب على استعداد لتحويل الحوار إلى وسيلة منتجة لمصلحة البلد.
ثالثا، أظهر المسار الحواري الطويل مع “حزب الله” ان التفاهم معه على مساحة وطنية مشتركة من سابع المستحيلات، فلا البنود التي اتفق عليها التزم بتنفيذها، ولم يظهر في المقابل اي استعداد لبحث المشكلة المركزية والأساسية المتصلة بسلاحه.
رابعا، أظهرت الأحداث ان كل هدف “حزب الله” من الحوار تظليل دوره بغطاء وطني وتوجيه رسائله إلى الخارج بان لا مشكلة داخلية بينه وبين القوى السياسية الأخرى بدليل الحوار والمساكنة معه.
خامسا، أثبتت التطورات ان دور “حزب الله” توسع بدلا من ان يتقلص، إذ ان الحوار معه كان حول الاستراتيجية الدفاعية بين وجهة نظره القائلة بضرورة إبقاء مبادرة التصدي لإسرائيل بيده، وبين وجهة نظر القوى السيادية بان لا استراتيجية خارج الدولة اللبنانية، ولا مساكنة بين دولة وثورة، فإذا به يذهب للقتال في سوريا والعراق واليمن ويدخل لبنان في مواجهة مع الشعوب والدول والعربية. فالحوار بهذا المعنى ليس فقط لم يعط نتيجة، بل أعطى نتيجة عكسية مع توسع إطار المشكلة مع الحزب وتعمقها.
سادسا، إذا كان للحوار الثنائي بين “المستقبل” و”حزب الله” ظروفه المتصلة بواقع الساحة الإسلامية وضرورة إبعاد نيران الفتنة عن لبنان وتبديد مناخات التشنج، فإن ممارسة الحزب جاءت على نقيض هذا الهدف، ولم تقتصر على رفضه التجاوب مع اي خطة امنية او حل ما يسمى بسرايا المقاومة او تقديم اي تنازل تعزيزا لهذا الحوار، بل ذهب في مواجهة غير مسبوقة مع المملكة العربية السعودية، وواصل هجومه على قيادة “المستقبل” بالتخوين حينا والتهديد أحيانا.
وإزاء كل ما تقدم وغيره، فإن “القوات” كانت وما زالت على أتم الجهوزية للحوار مع “حزب الله” وغيره، ولكن المشكلة ان الحزب غير جاهز للحوار على القضايا التي تعيد الاعتبار للدولة اللبنانية، وبالتالي الطابة عند الحزب لا “القوات”، وعندما يجهز الحزب للدخول في حوار هادف وضمن فترة زمنية محددة لا تتعدى الستة أشهر وتحت سقف الدستور واتفاق الطائف والدولة اللبنانية والالتزام بالشرعيتين العربية والدولية ستكون “القوات” اول من يلاقي الحزب في منتصف الطريق…