إن ننسَ فلن ننسى: ولو انقض الجحيم بتبقوا شهدا وثوار…

كتبت فيرا بومنصف في “المسيرة” – العدد 1550

لم يختف بعد تمثال الحرية في ساحة الشهداء، لا يختفي معلم مماثل ما لم يبتلعه زلزال عنيف ما، في المفهوم الشعبي قد يكون اختفى رمز الحرية ذاك، أما في المفهوم الانساني الوطني هو الأبقى والى أبد الآبدين لسبب رئيس لا تغيّره لا معالم طبيعية ولا سياسية، في تمثال الحرية ذاك الشال الأحمر الذي التفّ رياحاً حول أعناق أحرار، بعضهم صاروا شهداء، وبعضهم الآخر تناثروا في الأحداث، نحن الآن هنا في أحاديث الشهداء…

لا نعرف ماذا يجري فوق معهم، نتخايل ونكتب عنهم السيناريو الذي نحبّ، هي لعبة المخيلة حين يصبح الواقع مريراً الى درجة الهذيان، هي لغة الشوق حين يصبح الغياب بفعل الموت لا بفعل حضورهم فينا. هذا وطن يصر على موت الشهداء ونحن نصر على  بقائهم، يلفلف الوطن الشهداء في أكفان النسيان ونحن نحملهم في التوابيت البيض ونعود بهم بثياب الرجاء الى بيوتنا.

يقولون ماتت ثورة 14 آذار ونقول عاش شهداؤها ولو مات العالم كله، أتتخيلون جبران ميتاً؟ صحيح بيته صار هناك في مار متر، لكنه يسكن بعنف في قلب ساحة الشهداء، يلتف حول التمثال من كل الجنبات، يلاقيه سمير قصير، يعقدان اجتماعاً عاجلاً، يحملان الشال الأحمر ويطلقان عبره كلمة السر الى الآخرين لعقد خلوة طارئة، فيهرع الباقون على عجل “شو في يا شباب” يسأل بيار الجميل “لازم نرسم خطة محكمة للمواجهة” يجيب جورج حاوي، ها هم أتوا ثوار الأرز، يمشي الباش أمامهم يقود فيالقهم، لم يخلع الرجل بدلته الزيتية بعد وكنت أظن أنه صار يحب الكرافات فخامة الرئيس، “ضرورات الموقف بتتطلب هالبدلة” يقول، وما يقوله الباش لا يتجزأ، يضحك وليد عيدو “وأنا شو بعمل يا شيخ ما عاد فيي أحمل بواريد ختيرت” يضحك رفيق الحريري من أعماق قلبه “ما تخاف أنا بساعدك”.

فيّي اكتمل النصاب حضر الشهداء عقدوا الشال الأحمر أقفلوا أبواب السمع ودخلوا في القرار الكبير، لحظات وأومضت السماء، ماذا يجري يا شباب؟ ماذا تفعلون؟ ما فعلتم في صمتكم المهيب؟ خرجوا غاضبين يسكنهم قلق الأرض هم من إستكانوا بعدما صاروا من سكان السماء، تصوروا غضب الأرض أين يصل، الى أي حدود، عند أي مدى، ماذا فعلتم بنا وما ستفعلونه بعد؟ يسألون، ومن سيجيبهم؟ من يتجرأ على مواجهة شهيد، كيف تنظر الى عيون صارت من قبس ضوء الرب؟ كيف نجرؤ أن نفعل، وإذا نظرنا في تلك العيون ماذا سنقول؟ ماذا نخبرهم؟ هل نتلو لهم حكايات الفشل المتعاقبة؟ أنجرؤ أن نبوح لهم بأن ثمة من يسعى وبعنف الى تغييبهم ليعودوا أمواتاً في الزمن والمكان والأيام، أنجرؤ؟ مستحيل. أنخبرهم أن ثمة من صار يعتبر أن الثورة التي استشهدوا لأجلها ماتت معهم؟ كيف نقول لهم ذلك وهم من تناثر عمرهم فوق التراب تماماً لتصبح الأشلاء من السماد والزاد وبركة الخير؟

مساكين نحن، نحن وليس هم، نحن الذين نغرق في أكياس الزبالة وتجتاحنا الجرذان والعقارب ويقضمنا السياسيون ككسرات الخبز، وما زلنا ننتظر ما سيفعلون، يفعلون هم وليس نحن، نصدّق أنهم ما زالوا قادرين على انتشالنا من قعر القمامة والتخاذل، وأن الحقائق هي تلك التي ينطقون بها، ومن بينها أن ثوار الأرز ماتوا وأن لا 14 آذار في مفكرة الوطن وأنها صارت رماداً من رماد، ولا شهداء بيننا إنما أموات صاروا بلاطة محفورة فوق قبر!!

معكم كل الحق أن تزعلوا وتغضبوا وتعقدوا الاجتماعات الطارئة، فالوضع أسوأ من أن يوصف، دخلنا المحظور في كل شيء وها نحن نتأرجح عند حافة الهاوية، ووحدكم تعيدون لنا ما ينقصنا الآن في هذه اللحظة، إحترام الذات، إحترام الشهادة، إحترام ذاك النضال الرائع المرير الطويل المزيّن بأسمائكم، المدجج بالخطر والفرح والزعل والناس والشوارع والضيعة وبيروت ولبنان، لبنان يا شهداء 14 آذار تلك القيمة الإلهية المستحقّة، تلك الأرض المقدسة، ذاك التراب الذي جعلكم من سماده فارتفعتم الى فوق شهب الكرامة وسام العز ذاك.

نعرف أنكم تعرفون كل شيء عنا ولا تحتاجون لمراسلين، ولا لصفحات الفايسبوك وتغريدات تويتر، تقرأون نوايا الناس من عيونهم، هذه وسائل التواصل السماوي التي تعتمدون، ونعرف انكم تعرفون انكم يوم صرتم من ساكني السماء تحول بعض من ناسكم على الارض الى رسل لأطيافكم، صرتم قضيتنا وقلبنا العابر لمساحات الضياء ولن نتغيّر، نقسم بالله العظيم لن نتغيّر لأن حين ترحلون عن وجداننا نترحّل عن حالنا ونصبح المشردين في دنيا الضلال.

مر وقت ولم يمر الزمن ويبقى شهداء 14 آذار ثوار الأرز كلما اقتلعت يد آثمة جذعاً، امتدت يد من فوق لتنغرز جذورا، هذا ما نؤمن به ولو انقض الجحيم علينا لن نتغيّر…على فكرة كيفك جبران؟!

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن. 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل