
إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1575
لم تخلق “القوات اللبنانية” بقرار
ولا تنتهي بقرار
وتبقى هي القرار
من دون موعد بدأت
كان لها مواعيد كثيرة في تاريخ لبنان
وصارت جزءا من هذا التاريخ
القرار كان ذاتياً وعفوياً
في ذاكرة المسيحيين ووجدانهم ولدت
وفي ذاكرتهم عاشت وتعيش
وفي وجدانهم تبقى وتستمر
طالما لبنان باق ومستمر
هي ذلك الشعور الذي يجمعهم عندما يشتد الخطر عليهم وعلى لبنان
في كل مرة تولد بشكل جديد
تتبدل الأيام
تتغير الأخطار
ويبقى لبنان
وتبقى “القوات اللبنانية”
“القوات” قصة نضال دائم
لا خروج منه ولا استقالة ولا استراحة
هي حكاية حب من أجل لبنان
هي رواية استشهاد من أجل لبنان
عند قبر كل شهيد كتبت رواية
وعند مزار كل شهيد انغرست حكاية
روت بدماء شهدائها كل تراب لبنان
من الشمال إلى الجنوب
ومن الجبل إلى البحر
كأن حدود لبنان مسيجة بخط الدم والشهادة
مقاتلين استشهدوا
رهباناً استشهدوا
طلاباً عمالاً استشهدوا
أبرياء استشهدوا
أطفالاً استشهدوا
شيوخاً نساء
لا فرق كلهم في الشهادة سواء
تعددت الأسباب والشهادة واحدة والقضية واحدة
دماء الشهداء روت كل لبنان
حيث زرعت نبتت شعلة حرية وشجرة إيمان
كأنها ترسم خريطة الوطن الصغير
لتحيا في زمن الحلم الكبير
قبل أن يولد لبنان مستقلاً كانت “القوات اللبنانية”
وبعد أن استقل وطناً كانت
وعندما اشتد الخطر عليه كانت في قلب الخطر
تستشهد وتشهد ويبقى لبنان وتبقى
هي روح المقاومة من أجل لبنان
من أجل أن يبقى حراً
من أجل أن يبقى فيه المسيحيون أحراراً
من أجل أن يكون وطناً لجميع اللبنانيين
كلما تهدد الخطر لبنان وجدت “القوات اللبنانية” نفسها في ساحة الميدان
من زمن الإضطهاد الأول
من أيام وادي قنوبين المقدس والبطاركة الشهداء
لم تتخلف يوماً عن النضال
كأنه قدر دائم
لا ينتهي الخطر ولا تنتهي “القوات”
تبقى تلك الروح الحية في الوجدان المسيحي
منذورة من أجل لبنان
تحمل صليبها وتقاوم
بالمحبة تقاوم
بالصلاة تقاوم
بالبندقية تقاوم
بالإيمان تقاوم
بالفكر تقاوم
من أكثر من مكان تبدأ “القوات اللبنانية”
ومن أكثر من تاريخ
لها أكثر من بداية وليس لها نهاية
كلما اعتقد البعض أنها انتهت
كلما كانت تبدأ من جديد
لم تكن “القوات اللبنانية” بنت الحرب التي اندلعت ذات يوم في 13 نيسان 1975
ولم تكن نهاية الحرب نهاية “القوات”
عندما حملت السلاح كان من أجل لبنان
وعندما تركت السلاح كان من أجل لبنان
لم تكن البندقية خياراً بل قدراً مفروضاً
عندما انهارت الدولة كانت “القوات” هي خط الدفاع عن لبنان
لأنها حملت عبء هذا الخيار صارت هي الهدف
وصار القضاء على لبنان لا يتم إلا بالقضاء على “القوات”
لا يمكن إلغاؤه إلا بعد إلغائها
لا يمكن السيطرة عليه إلا بعد ترويضها والسيطرة عليها
كثرت المحاولات ولكن النتيجة كانت واحدة
لم تنطفئ الشعلة لأن روحها من نور قبل أن تكون من نار
كل جيل كانت له شعلته
تتبدل الوجوه
تتغير الأيام
ولكن الشعلة واحدة
والطريق طويلة
والراية واحدة
والقضية واحدة
من بشير الجميل
إلى سمير جعجع حكاية نضال واحدة ومقاومة واحدة
كانت قبل بشير وتبقى بعد سمير
في المجلس الحربي في الكرنتينا عاشت حكايات البدايات والإنتصارات
في غدراس انتصرت على حروب الإلغاء
في يسوع الملك كانت أقوى من قرارات الحل والإعتقال والحصار
في معراب عادت حارسة للهيكل وللجمهورية القوية
حاولوا اغتيالها مع بشير الجميل لكنها لم تستشهد بل كسبت شهيداً رئيساً وقائداً
حاولوا اعتقالها وحلها مع اعتقال سمير جعجع ولكنها بقيت أكبر من قرارات الحل والإعتقال
من رحم عذابات الحرب ولدت “القوات” مع جيل الحرب
ومن رحم نضالات ما بعد الحرب استمرت “القوات” مع جيل ما بعد الحرب
كانت القضية هي الأساس ولم تكن البندقية
بين الجيلين قدر واحد وهم واحد ووعد لجيل جديد ولقيامة جديدة للبنان
من بشير الجميل إلى سمير جعجع لم تتوقف محاولات القضاء على “القوات”
بالإغتيال
بالإعتقال
بالحرب
بقرارات الحل
بالحصار
بالتعذيب
بالترهيب
بالتزوير
ولكن …
دائماً وقفت “القوات” مع لبنان مهما كانت المرحلة صعبة ومهما كان الخطر كبيرا ً
كانت دائما في الواجهة
بقيت أقوى من الإغتيال والإعتقال
ومن محاولات تبديل صورتها وتزوير تاريخها وجعلها بلا قضية وبلا ذاكرة وبلا تاريخ وبلا مناضلين
دائماً حاولت سوريا السيطرة على لبنان
دائما كانت القوات لها بالمرصاد
في ديربللا وقنات كانت المواجهات الأولى
حاولت في حرب المئة يوم في العام 1978 ولكن تلك الحرب جعلت من “القوات” قوة منظمة ومن بشير الجميل قائدا عسكريا في ظل قيادة الجبهة اللبنانية والرئيس كميل شمعون السياسية
وحاولت في حرب زحلة في العام 1981 ولكن تلك الحرب جعلت من بشير الجميل قائداً سياسياً وقربته إلى رئاسة الجمهورية
حاولت اغتيال “القوات” باغتيال بشير في 14 أيلول 1982
سقط الحلم شهيدا ولكن حلم “القوات” لم ينته
لو كانت “القوات” بلا قضية لكانت ذهبت إلى مثواها الأخير مع الرئيس الشهيد
بعدما لاح لها حلم قيام الدولة وأمل انتهاء مهمة المقاومة المسلحة وجدت نفسها في مسار جديد وفي تجديد لهذه المهمة مع سمير جعجع
أعادت تنظيم نفسها بحثاً عن مخرج من الحرب فصارت هدفاً أكبر
عندما وجد الحل كان لا بد للحرب أن تنتهي
ولكن لم تنته “القوات” وكان للمقاومة أكثر من طريق
كانت أمام خيار جديد وأسلوب جديد
سلمت السلاح ولكن الحرب عليها لم تنته ولم تخرج هي من المواجهة وبقيت الرايات مرفوعة
كانت المقاومة من دون سلاح تستحق المجازفة
اعتقد كثيرون أن قوة “القوات” واستمرارية “القوات” كانت في البندقية وليس في القضية
تبدلت خطوط التماس واستمرت الحرب على “القوات”
حاولت سوريا بعد الطائف أن تؤسس لعهد وصاية جديد ولدولة تابعة لها في كل شيء
كثيرون أحنوا رؤوسهم ولكن رأس “القوات” بقي عالياً
بين العام 1975 والعام 1991 كان النضال العسكري هو العنوان
بعد العام 1991 كان النضال السياسي هو العنوان
كان على “القوات” أن تناضل في ظروف صعبة وفي ظل موازين قوى غير متكافئة وأن تسير في حقول الألغام والأفخاخ المنصوبة لها
لم تضعف أمام فتح ملفات الحرب
ولا أمام عمليات الإغتيال والإضطهاد والتوقيف والإعتقال
اعتقدت سلطة الوصاية السورية أنها تمكنت من السيطرة على لبنان وأقامت فيه دولتها
حلت حزب “القوات”
اعتقلت الدكتور سمير جعجع
حاولت وضع “القوات” كلها في السجن
اعتقد كثيرون أن سمير جعجع سينتهي في السجن وأن “القوات” ستبقى مجرد ذكرى في تاريخ لبنان
لكن السجن لم يكن إلا حدودا لحرية جديدة
والإعتقالات لم تكن إلا عنواناً لبداية جديدة أكثر رسوخاً في الوجدان
وأكثر حضوراً في الذاكرة التي لا انفصال فيها ولا نسيان للشهداء والقضية
أزهرت عذابات “القوات” حرية في كل لبنان
خرج الجيش السوري من لبنان وبقيت “القوات”
انهار السجن الكبير وسقطت حدود السجن الصغير
عاد سمير جعجع إلى حريته
عاد يحمل عبء القضية ويمشي
لا وقت للراحة في تاريخ المناضلين
لا تنتهي مرحلة إلا لتبدأ مرحلة
حكايات كثيرة تروى
وحكايات كثيرة تكتب من جديد
قدر الأجيال أن تحمل الشعلة من جيل إلى جيل في نضال يتجدد كلما اعتقد البعض أنه سينتهي
كأنك في بحر هائج وليس عليك إلا أن تقاوم لتصل إلى شاطئ الأمان وكلما اعتقدت أنك اجتزت بحرا ظهر لك بحر جديد
كأنك في صراع دائم مع الحياة إن لم تغلبه غلبك
لا يمكنك أن تستسلم ومقاومتك الدائمة هي قارب الإنقاذ الوحيد
يكفيك أنك تحمل حريتك معك وتمضي
في تاريخك تاريخ من الشهادة والشهداء
وأمامك تاريخ من الشهادة والشهداء
عندما يكون الإستشهاد طريقا وحيدا إلى هذه الحرية يصبح قدرا وخياراً
ونبقى في قلب هذا القدر وهذا الخيار
وتبقى “القوات اللبنانية” هي ذاك القدر وذاك الخيار
منذورة من أجل التاريخ الذي مضى ومن أجل التاريخ الذي سيأتي.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]