“فيلسوف المقاومة اللبنانيّة”… الأرثوذوكسيّ المشرقيّ شارل مالك حارس حقوق الإنسان والحرّيات

“إذا لم يقم لبنان وينهض ويصبح وطناً سيّداً قويّاً ومُحرَّراً يطلب العزّ والحياة، فما من قوّة في العالم تستطيع أن تقيمه من الانهيار الكامل أو أن تصونه من سيطرة الشياطين المستمرّة حتّى الساعة، كاليهود وغيرهم”. بهذا الكلام للمفكّر والكاتب الدكتور شارل مالك، والذي لا يزال راهناً حتّى يومنا هذا، إفتتح الإعلاميّ ميشال كرم محاضرته عنه في جدّة في السعودية، حيث يعمل منذ سنوات في تلفزيون الMBC، بدعوة من المدارس الدوليّة هناك.

وكان سبق لكرم السنة الفائتة، أن حاضر في السياق نفسه عن الأديب العالميّ جبران خليل جبران “المتمرّد ورسول الحرّية”. عرض كرم هذه السنة أمام حشد من الأساتذة والطلاّب والإعلاميّين أهمّية مالك الفكريّة والفلسفيّة، وحدسه الرؤيويّ في استشراف أعماق لبنان الوطن، والقضيّة العربيّة. وذلك بهدف تربويّ، بغية تعريف الأجيال الجديدة به وبأبعاده الفكريّة والإنسانيّة، ولما تختزن كتاباته من بُعد فلسفيّ وما تنطوي عليه من عمق إنسانيّ. فعدّد نقاط قوّته من خلال مشاركته العالميّة في صناعة حرّية الإنسان، وإيمانه بوطنه، والدّفاع عنه في أعلى المراجع الدوليّة. إذ كان العربيّ الوحيد الذي شارك في صياغة وإعداد الإعلان العالميّ لشرعة حقوق الإنسان في ديسمبر 1948، بصفته رئيس المجلس الإقتصاديّ والإجتماعيّ التّابع للأمم المتّحدة، خَلَفاً لإليانور روزفلت، ثمّ رئيساً لهذه اللجنة بين عامي 1958 و1959. كما كان الأرثوذوكسيّ العربيّ المؤمن بالقوميّة اللبنانيّة، والذي ساهم في بداية الحرب في تأسيس الجبهة اللبنانيّة وكان من أبرز منظّريها مع الدكتور فؤاد إفرام البستانيّ. كما قام بتكليف من رئيسه رينه كاسان بإعداد الوثيقة الأخيرة لإعلان حقوق الإنسان والمواطن الصّادر عن الثورة الفرنسيّة سنة 1789، وشرعة ال “ماغنا كارتا” الصّادرة عن نبلاء بريطانيا العظمى سنة 1215، وصياغة نصوص الإعلان باللغة الإنكليزيّة التي كانت، ولا تزال، اللغة الأم في منظّمة الأمم المتّحدة. حيث دافع في المادّة 18 عن حرّية التفكير والدّين، وفي المادّة 20 عن حرّية الإشتراك في الجمعيّات وعدم إكراه أيّ أحد في الانضمام إلى جمعيّة ما، وفي المادّة 26 عن حقّ الإنسان في التعلّم، مُشدِّديْن، هو وكاسان، بدبلوماسيّتهما المعهودة وخبرتهما القانونيّة على التوفيق بين القائلين بحرّية الفرد والمدافعين عن حقوق الجماعة.

شارل مالك (1906 – 1987) من بلدة بطرّام في الكورة، شمال لبنان- جار أرز الربّ. أحد أبرز وجوه الفلسفة في لبنان وأستاذها في الجامعة الأميركيّة في بيروت وفي أهمّ الجامعات الأميركيّة (هارفرد، دارتموث) . شغل منصب وزير الخارجيّة اللبنانيّة بين نوفمبر 1956 وسبتمبر 1958، كما شغل منصب وزير التربية والفنون الجميلة من 1956 حتّى 1957 في حكومة سامي الصلح عهد الرئيس الراحل كميل شمعون، وصولاً إلى رئاسة الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة بين 1958 و1959. مناضل كبير في سبيل حقوق الإنسان، وأكبر دليل على ذلك كتابه “دور لبنان في وضع الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان”، كما يعتبره البعض فيلسوف المقاومة اللبنانيّة، خصوصاً وأنّه حثَّ الموارنة على إعطاء الكثير مستنداً إلى القول “إنّ مَنْ أُعطي الكثير يُطلَب منه الكثير”، واضعاً إحدى عشر نقطة لتحفيزهم على الاستمرار في العمل من أجل لبنان. فتحدّث عن لبنان في عهد جبل لبنان، والنظام التعدّدي والمجد الذي أُعطي لهم آنذاك، مُستذكراً التراث الآراميّ، مروراً بالليتورجيا المارونيّة، وصولاً إلى علاقة الموارنة برومية حيث التراث المسيحيّ الشرقيّ الأرثوذوكسيّ المفتوح للأرثوذوكسيّة بالتّمام والكمال. كما تنبّأ مبكراً بالعلاقة مع العرب واليهود.

أخيراً، عرض كرم فيلماً صغيراً عن حياة شارل مالك، وقام بتسليط الضوء على مؤلّفاته الفكريّة والفلسفيّة والإنسانيّة والتي تجدر الإشارة إلى أنّ 85 في المئة منها مكتوبة بالإنكليزيّة، وأبرزها “المقدّمة” (سيرة ذاتيّة فلسفيّة) و”إسرائيل.. أميركا.. والعرب” (تنبّؤات من نصف قرن).

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل