كل ما دق الخطر…”قوات”

هناك في باحة المقر العام لحزب “القوات اللبنانية”  في معراب سنكون معهم. في الأساس ولا لحظة كانوا وحدهم ولا هم تركونا وحدنا. كانوا حراس هذا الوطن وسيبقون من حيث قرروا ان يكونوا لنبقى ونعيش بكرامة.

هناك عصر السبت 3 أيلول سيكونون معنا. سنصلي معهم وسيصلون، كل من حيث تستكين روحه، لنا ولحراس القضية التي من أجلها استشهدوا. ومن هناك سنحيي جباههم الشامخة التي ما رضيت إلا أن تطال السماء، وسننحني أمام عظمة الشهادة، إذ ليس بالبساطة يمكن ان تعيش فعل الإستشهاد.

هو أيلول الكرامة، أيلول المبلل بدموع أمهات الشهداء والآباء والأرامل. هو السبت الأول من كل أيلول الذي تحول موعدا مغروزا كما جذوع الأرز في روزنامة العنفوان والكرامة. هو أيلول الوفاء لدماء شهدائنا. هناك ومن حيث نكون، سيكونون. سنخاطبهم واحداً واحداً، سنهز من فكّر أن يقتل الشهيد مرتين، سنحرّض ضميره على فعل الندامة والإعتراف بوفاء حزب لا بل جيل بكامله للشهيد الساكن فوق وربما أعلى… سنخربش في ثنايا ذاكرة البعض ونغربلها بالصلاة ونضع على هامة قبر كل شهيد إكليلا من الغار.

هذا السبت سننشد مع الأطفال أغنية الشهداء، سنتشنق مع رائحة أرض أيلول المبللة بقطرات الندى والبطولة أريج الغبار العالق على تلك البدلة الكاكية، تلك البدلة التي انطلقت معها قصة الأبطال الذين ذهبوا الى الحرب “بس اشتد الخطر”، ولم يعودوا. صاروا شهداء تا تبقى، وكانت قصتكن هون لما نحنا ما كنا. ولو لم يكونوا لما كنا كلنا اليوم هنا نصلي وندق أجراسنا تحت سماء تنبض بالعزة والكرامة والعنفوان.

هذا السبت سنتلو مع أم كل شهيد المسبحة العالقة حباتها بين تجاعيد يديها اللتين اشتاقتا إلى ضم رجوة عمرها… سنحلم بوجوههم المصبوغة بغبار أرض المعركة، تطل علينا من فوق ونحفظ وصيتهم “انتبهوا ع لبنان”. يا الله حتى في مملكة الشهادة لا يزال قلبهم على لبنان.

هذا السبت سنصلي لشهدائنا ومعهم، وسنجدد القسم والعهد: “وكل ما دق الخطر… عيننا على لبنان”.

هناك في معراب لا تعود الحركة تشبه نفسها مع أفول آب اللهاب وتسلل نسمات أيلول إلى حنايا مقر رئاسة حزب “القوات اللبنانية”. حتى مشهدية الحراك الديبلوماسي والسياسي تتغيّر لأن الوقت ليس إلا للعمل على التحضير لقداس الشهداء الذي بات تاريخ وفاء في روزنامة عمر رئيس حزب “القوات” سمير جعجع. كيف لا وهم الذين رافقوا لياليه في سجنه البارد طيلة 11 عاماً وحرص مع زوجته النائب ستريدا جعجع على عدم تغييب تلك المحطة التاريخية وفاء لكل قطرة دم شهيد وتكريماً لأهاليهم.

التحضيرات على الأرض بدأت قبل الحدث بأيام والحراك أشبه بخلية نحل. البداية من مرحلة  تشييد المذبح والكنيسة التي انطلقت قبل أيام من موعد القداس المحدد في 3 أيلول. في الجوهر لم تطرأ تغييرات جذرية على الكنيسة التي تشبه إلى حد كبير تلك التي شيدت في قداس العام الماضي باستثناء بعض التعديلات الخارجية والتحسينات التي أدخلت عليها. أما القرميد الأحمر فباق على حاله ويمكن للمشاهدين الذين سيتابعون نقل وقائع القداس عبر شاشة “إم تي في” مشاهدته من خلال الطائرة التي ستلتقط صوراً من الفضاء عدا عن 20 كاميرا مثبتة في ساحة الإحتفال. وسيتمكن المشاركون في القداس من متابعة وقائعه مباشرة ومن خلال شاشتين عملاقتين مثبتتين على جانبي المذبح.

خلية العمل تكاد لا تهدأ. والأعمال التي تتوزع بحسب المهام تستمر حتى ساعات متقدمة من الليل. تقنيون، مهندسون إعلاميون مسؤولو أجهزة ومناطق… الكل يشارك ويتبع التعليمات الصادرة عن المسؤولين والملاحظات. رئيس اللجنة المركزية للأنشطة في حزب “القوات” إيلي يحشوشي يتابع على الأرض أدق التفاصيل ويتشاور مع د. جعجع في الترتيبات والتحضيرات والبروتوكول ويحرص على إطلاعه على أدق التفاصيل، وهو يصر على معرفتها لأنه معني مباشرة بهذا القداس المخصص لأبطال هذه القضية وهذا الوطن وهذه الأرض التي أعطوها أغلى ما يمكن ان يتمسك به إنسان: حياته. ولأن قداس الشهداء صار محطة ينتظرها اللبنانيون كما القواتيون ينكب جعجع على كتابة الخطاب الذي يحرص ان يكرم فيه الشهيد بكلمات قد لا تختصر بطولاته وعنفوانه لكنها حتما تخلد ذكراه في مملكة الكرامة. ولا يغيب عن كلمة جعجع في قداس الشهداء المضمون السياسي وأحداث الساعة، ومن هنا يتوقف المراقبون عند هذه المحطة سنوياً وينتظرون اللحظة التي سيعتلي فيها خشبة مسرح الإحتفال وإلقاء كلمته.

“وكل ما دق الخطر…” هو شعار قداس الشهداء هذه السنة. نعم كل ما دق الخطر وحدها “القوات” ستكون في المرصاد لتحمي الأرض وتدافع عن ناسها وشعبها وحتى عن أجيالها اللاحقة. لماذا هذا الشعار في القداس الـ11 لشهداء المقاومة اللبنانية؟ ببساطة ربما لأن بعض قليلي الإيمان شعر بالخوف واهتز إيمانه على خلفية تفجيرات القاع الإرهابية التي ذهب ضحيتها 5 شهداء من أبنائها وعدد من الجرحى، وحرضت البعض الآخر على الخوف، على الإنكفاء، على الإستسلام لفكرة النزوح او حتى الهجرة. وحدها “القوات” أعادت تصويب بوصلة الإيمان والعنفوان والصلابة والتمسك بالأرض. ولشهداء القاع الذين كانت وقفة “القوات” الى جانب ذويهم لافتة، حصة مهمة من القداس، حيث سيكونون ممثلين في تلاوة النوايا، أما الجرحى والشهداء الأحياء الذين أصيبوا خلال التفجيرات الإرهابية فسيحضرون في صلوات شهدائهم من فوق. وهل من طريق أقصر من تلك التي تفصل بين الشهيد والأبرار القديسين؟

“وكل ما دق الخطر”… لكن من قال إن “القوات” ولدت من رحم ذاك التاريخ الملعون في 13 نيسان 1975؟ من يشكك أن المقاومة بدأت مع يوحنا مارون وهي مستمرة منذ 1400 عام؟ التسميات اختلفت؟ صحيح. لكن “كل ما دق الخطر….” هناك شعب مقاوم يقف في وجه المعتدي يدافع من دون يسأل ويحارب حتى الإستشهاد ولولا هذه الشهادة لما كنا اليوم نقف في ساحة معراب نصلي ولما كانت أجراسنا تدق ويتردد صداها في كل هذا الشرق.

ولأن نشيد الشهداء بات من ثوابت القداس السنوي كان لا بد هذه السنة من أغنية لا بل نشيد يحفر ويحفر ليس على مستوى المشاعر والعنفوان وحسب، إنما في الذاكرة ذاكرة الأجيال. من هنا كان نشيد الشهداء التي كتب كلماته الشاعر نزار فرنسيس ولحنه ووزعه المايسترو إيلي العليا. أما المنشدون فهم أطفال هذا الجيل الذين لم يتعرفوا إلى ذاك الشهيد إلا من خلال الصور وحكايات البطولة ورائحة التراب العالقة على البزة الزيتية التي خبأتها أمهاتهم خوفا من أن تدنسها أيادي طغاة ذاك الزمن. “11 سنة، 10 قداديس و9 أناشيد مع مشهدية بتجسد معانيا. بس نشيد هالسنة من أجملها لأنه يعبّر عن معاني الشهادة ويخلد ذكرى شهدائنا الأبرار، وأكتر محل عم نشكر في شهداءنا”.

مما لا شك فيه ان رئيس اللجنة المركزية للأنشطة في حزب “القوات” إيلي يحشوشي لمس الصدمة الإيجابية التي أحدثها النشيد الذي تم تداوله على مواقع التواصل الإجتماعي. من هنا كانت الدعوة إلى التمعن في كلماته. “عم تتخايلي أطفال عم بيغنوا لشهيد ما تعرفوا علي، عم بغنولوا ويشكروه لأنو استشهد عنن ولولا استشهادو ما كانت أجراسنا عم تدق وما كانوا واقفين معنا اليوم عم يغنوا ويعيشوا إيمانن وعاداتن وتقاليدن بحرية ويحلموا بمساحة وطن سيد وحر ومستقل؟”… “كانت قصتكن هون لما نحنا ما كنا”… هي بداية الأغنية، لكن ملحمة الإستشهاد بدأت مع استشهاد السيد المسيح على الصليب ليخلص شعبه. وهي القصة التي تستكمل بأصوات الأطفال وبصرخة “طلي يا وجوهن طلي، يوم الشهدا منصلي…. كلماتكن مزروعة فينا… دقي يا جراس وعلّي  قد ما فيكي… وتترافق الأغنية مع مشهدية صورية تعكس معاني كلماتها وتوصل الرسالة. الرسالة وصلت.

هي القصة التي سنسمعها غدا في قداس الشهداء في أغنية، في عظة القداس، في النوايا، وأيضاً وأيضاً في كلمة رئيس حزب “القوات”. لكن نحن أيضاً في بالنا قصص وأخبار وسنخبركم إياها.  قصص نستمدها من عيون أمهاتكم وآباكم، ومن وطن غاب مسؤولوه عن السمع واستباحوا طهر الشهادة لكن غاب عن بالهم أنكم من فوق تحرسونه شبراً شبراً وتستمدون من وفاء القضية وحراس الهيكل العنفوان والإيمان. هناك سنتحاور وندردش. ثمة الكثير الكثير وحراس القضية فوق سيخاطبونكم بالصلاة والوفاء. نعم الوفاء الذي ينضج سنوياً وقد تجلى هذه السنة في عدد عناصر كشافة الحرية الذي وصل إلى نحو 200 مقابل 75 في العام الماضي. وتولى أسعد سعيد تدريبهم على مهامهم التي تبدأ من لحظة بداية القداس حيث سيدخلون حاملين أكاليل الغار والبخور ليبدأ الإستعراض مع حملة الأعلام وستتولى فرقة من الكشافة خدمة القداس “الكشافة هالسنة هني العلامة الفارقة ولو بدنا نفتح الباب كان وصل العدد ل 1000عنصر”. وتمنى يحشوشي على الحضور اصطحاب بطاقة الدعوة لتسهيل مرورهم على الحواجز الأمنية التي ستنتشر بكثافة على طول الطرق المؤدية إلى معراب والإلتزام بخارطة المواقف والوقت تفاديا للزحمة المتوقعة عند المداخل. ولهذه الغاية تم توزيع الحضور وفق المناطق والبطاقات.

يرأس القداس الذي يقام برعاية البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الأب المدبر في الرهبنة المريمية حنا الطيار ويعاونه عدد من الكهنة والكورس بقيادة الأب خليل رحمة. وسيدخل فوج الإكليروس على ترتيلة “يا عدرا المعونة “بصوت المرنم وعد صعب. وبعد المناولة وإعطاء البركة الختامية سيتم عرض ريبورتاج مدته دقيقتان عن “أغنية الشهداء” من إعداد وتقديم الزميلة دنيز رحمة فخري لتصدح مع انتهائه أصوات الأطفال مع مشهدية تعكس مضمون الكلمات ومعنى الشهادة. ثم ريبورتاج ثان عن الشهداء. وختام احتفالية الوفاء والكرامة كلمة رئيس الحزب سمير جعجع. ماذا سيقول؟ ربما الكثير وهو المدرك أنه مهما قيل لا شيء يفي الشهداء حقهم.

ثمة شك لا بل نقزة واحدة في يوم المجد المكلل بغار الشهادة. فالإحتفال بقداس الشهداء الذي يصادف سنوياً في شهر أيلول المبلل برائحة الشتاء، غدر أكثر من مرة بالمنظمين. لكن على رغم الرعود والعواصف التي أغرقت ذاك اليوم في الأعوام الماضية إلا أنه عند بدء القداس تتبدد الغيوم وتشرق شمس الشهادة فوق رؤؤس الحاضرين: “كل مرة بسأل الحكيم شو ممكن نعمل إذا طافت الدني بفترة الإحتفال بالقداس؟” وكل سنة بيكون الجواب نفسو. ما تعتل هم إيلي وقت يبلش القداس راح تكشلح الدني والقداس راح يبلش بوقتو وما في مجال لتغيير الموعد ولا الساعة”.

هي نوايا الشهداء وأهاليهم الطاهرة وعلى هذه النوايا يصر جعجع على عدم تغيير موعد قداس الشهداء على رغم توقعات الأرصاد الجوية التي تنذر أحيانا بهطول أمطار في يوم الإحتفال. وعلى نية الشهداء سنصلي عصر ذاك الثالث من أيلول 2016 ونتحدى إصفرار أوراقه ورائحة التراب. سنصلي ونجدد العهد عهد الأمانة والوفاء لشهدائنا والقسم “وكل ما اشتد الخطر… قوات”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل