Site icon Lebanese Forces Official Website

في ذكراه الـ96.. “لبنان الكبير” تاريخ أم حلم؟

1 أيلول 2016… 96 عاماً والكيان اللبناني صامد في كلّ المحطات الصعبة التي عبرها وكلّ التحولات الهائلة التي عصفت به منذ العام 1920 وحتى اليوم. إهتزّ الكيان الوطني مراراً ولم يسقط. مرّ بكثير من الأزمات والفتن والإنقسامات الداخلية، وقع عليه الكثير من تداعيات الحروب الاقليمية، واجه العديد من الجيوش المعادية، استورد من أزمات الغير ما هو فوق طاقته، تعرّض استقراره للخطر مراراً… وبقي صلباً ثابتاً بحدوده التي رُسمت مع إعلان دولة لبنان الكبير. ومنذ ولادته بجهود البطريرك الياس الحويك، تحوّل الى واحةٍ مضيئةٍ في محيطه وأصبح “الحصرم” في أعين الجميع.

خليفة: تحييد لبنان.. هو الحلّ

كثيرون من اعتبروا أن مرحلة قيام لبنان الكبير كانت مفصليةً ومهمّةً في تاريخ هذا البلد، حتى أن الباحث الدكتور نبيل خليفة رأى أنه يجب الاحتفال بعيد الاستقلال في الأول من أيلول شارحاً سبب طرحه: “إثنان شهدا على مرحلة قيام دولة لبنان الكبير، الأولّ ميشال شيحا وهو أب الفكر “اللبنانوي” أي الفكر الايديولوجي، وهنا علينا أن نفرّق بين اللبناني واللبنانوي (libaniste et libanais)، وهو من قال إن إعلان دولة لبنان الكبير هو الحدث الأهمّ في تاريخ لبنان. والثاني هو كمال سليمان الصليبي أحد أهم مؤرخي الشرق الأوسط الذي يعتبر هذا الاعلان انتصاراً للمشروع الماروني الذي عمل عليه الموارنة منذ 1600 عام”.

وفي حديث خاص الى موقع “القوات اللبنانية”، أضاف خليفة: “هاتان الشهادتان تدلان على أن الاستقلال ليس قضية سياسية انما يكون للدولة كيان (Entité de l’Etat)، واذا لم نخلق للأمة كياناً فلا معنى للإستقلال، لذلك يجب أولاً وضع قاعدة جغرافية للبنان (Base Territorial) وهي التي أعلنها الجنرال غورو وبعدها نتحّدث عن الاستقلال ونحدّد أن هذا الحيّز (Espace) له سيادة وهو حرّ”.

ورأى أن الإشكالية التاريخية للبنان (La Problématique   Historique du Liban)  هي أنه دولة حاجز (État tampon) بين سوريا واسرائيل اللتين تعتبران دولتين عدوانيتين أو توسعيتين أي تريدان ان تأخذان مساحة معينة أو كل المساحة من الدولة الحاجز بهدف التوسع. وتابع: “منذ اعلان دولة لبنان الكبير وهاتان الدولتان تعتبرانه خطأ جغرافياً وتاريخياً لأن لبنان الدولة النهائية والمستقلة نقض لسوريا ونقيض لإسرائيل”، موضحاً: “نقض لسوريا لأنه بمجرّد قيام الأمة اللبنانية ضُربت الأمة السورية، ونقيض لإسرائيل لأن قيام أمة بـ18 طائفة هي نقيض لدولة من طائقة واحدة وهي اليهودية. وبما أننا نقض لواحدة ونقيض لأخرى، فالدولتان لا تريدان للبنان البقاء والاستمرارية وتسعيان لإلغائه، من هنا يقول ميشال شيحا: “منذ قيام اسرائيل نحن لن نعرف الراحة أبداً”.

أما المحافظة على دولة لبنان الكبير لا تكون الا بتحييده عن دول الجوار، بحسب خليفة، ويضيف: “الحلّ يكمن بتحييد لبنان لأن لا دولة حاجز يمكن لها أن تعيش وتحيا الا اذا كانت حيادية (Neutralization) مثل سويسرا أو محيّدة (Neutralisé) مثل النمسا، فلا تكون الحجة أن أمنهما من أمن لبنان. وكما فرضت الدول الكبرى على النمسا ان تحييد نفسها كذلك يجب أن تفعل مع لبنان، حتى لو لم يكن الشعب يريد ذلك، خصوصاً عندما تكون الدولة تهدد السلام في منطقة معينة. ولبنان يهدد السلم في الشرق الأوسط لذا يجب تحييده ليصبح دولة مسالمة”.

الخازن: كلّ المكونات لديها مصلحة بالمحافظة على لبنان 

وفي ظلّ كلّ ما تشهده المنطقة من تغيرات وتقسيمات لا بدّ من السؤال: أين نحن اليوم من دولة لبنان الكبير؟

عضو تكتل “التغيير والاصلاح” النائب الدكتور فريد الخازن يشرح أن دولة لبنان الكبير كان يوجد ظروف لقيامها، وقد انطلقت من نواة جغرافية وقانونية كانت موجودةً ومعترفاً بها من الدول الكبرى وهي متصرفية جبل لبنان، ولبنان الكبير جاء بعد انهيار السلطنة العثمانية والحرب العالمية الأولى في زمن نشوء الدول الحديثة في المنطقة. ويتابع لموقع “القوات اللبنانية”: “نحن اليوم نتحدّث بعد ما يقارب القرن من الزمن ولبنان والمنطقة شهدا تطورات كبيرة ولا أعتقد انه يمكننا المقارنة أين كنا وأين أصبحنا، فلبنان مرّ بأربع حقبات: لبنان الكبير، الاستقلال وهي مرحلة مختلفة عن 1920، مرحلة الحرب 1975 – 1990، ومرحلة ما بعد الحرب، ولكل مرحلة خصوصيتها وأوضاعها وهناك هوة كبيرة بين المراحل وبين لبنان عام 1920 على كل المستويات داخلياً وإقليمياً”.

وسأل: “هل يمكن ان نضيف اليوم الى لبنان مرحلةً خامسةً هي “مرحلة الفراغ” والجمود اللذين يهيمنان على الرئاسة والمؤسسات”؟، لافتاً الى أنه اذا أمعنا التفكير وبغياب رئيس للجمهورية، قد يفقد البلد تلك الاستقلالية التي خُتم بها منذ “لبنان الكبير”.

وشدد الخازن على أن موضوع عدم وجود رئيس للجمهورية ثغرة كبيرة والسبب مرتبط تحديداً بالمكوّن المسيحي الذي كان مغيّب في مرحلة الوصاية وحتى بعدها، ويضيف: “هناك قناعة أكبر لدى اللبنانيين أن دولة لبنان الكبير التي أصبحت في ما بعد الجمهورية اللبنانية هي حاجة كبيرة لكل مكونات هذا البلد، بينما كان هناك جماعات لبنانية معارضة لها عام 1920. وأعتقد اليوم أن كلّ المكونات اللبنانية لديها مصلحة للمحافظة على هذا البلد الذي قدّم لها أكثر بكثير مما قدّمته جماعات أخرى في دول المنطقة”.

وختم الخازن: “لبنان وعلى الرغم من كلّ مشاكله وحروبه وأزماته، هو بلد الحريات والعيش المشترك في هذا الشرق على المستويات كافة، وعلى الرغم من هشاشة الوضع تبيّن أن لبنان الذي نشأ، يملك جذور ومقومات البقاء أكثر من دول كانت أقوى وأصلب بالشكل، وهي دول الجوار العربي”.

علوش: ما يحصل اليوم قد ينهي حلم لبنان الكبير

يعتبر البعض اليوم أن الحرية التي أُعطيت لهذا البلد مع اعلان دولة لبنان الكبير أصبحت وهماً لأن القرار مرتهن في الخارج. ويرى عضو كتلة “المستقبل” النائب الدكتور مصطفى علوش أن تيار “المستقبل” كان في طليعة من قاوم الوصاية وطالب بإستقلال لبنان من كلّ الجيوش الأجنبية، ويشير الى أن دولة لبنان الكبير أُعلنت لتكون دولةً متعدّدةً حرّةً وديمقراطيةً، وليكون بلداً عنوانه المواطنة. والدفاع عن هذه المبادئ هو حقيقة عنوان التمسك بلبنان الكبير.

ويقول في حديث لموقع “القوات اللبنانية”: “الشعب اللبناني بمختلف فئاته وبأفكاره المتضاربة، أعطى وضحّى من أجل هذا الكيان ووجوده. ولا شكّ أن تيار “المستقبل” شارك بمعركة الاستقلال من خلال وجود الرئيس رفيق الحريري وكذلك بعد اغتياله”، مضيفاً: “بعد الاستقلال الثاني الذي حصل عام 2005 في 14 آذار تحوّلت الوصاية من وصاية سورية الى وصاية ايرانية بواسطة “حزب الله” ما جعل ارادة اللبنانيين رهن للقوى الخارجية. ويجب أن يقتنع كل اللبنانيين بأن مصلحة الوطن هي أهمّ من الإستقواء بالقوى الخارجية، وهذا الحلّ هو السبيل الوحيد لإعادة حلم لبنان الكبير الذي أسسه البطريرك الياس الحويك”.

عند قيام دولة لبنان الكبير راهن البعض على تغيير كبير في المجتمع بحيث يصبح لبنان دولة علمانية ديمقراطية بنظام برلماني، فهل تلاشت أحلام تلك الرهانات لاسيما مع ما نواجهه من مشاكل وفتن طائفية ومذهبية؟ يجيب علوش: “المؤيدون لفكرة لبنان علماني ودولة وطنية بعيدة عن الطائفية والمذهبية لم يستطيعوا أن يؤثروا بشكل فاعل على النمط القديم والتقليدي من الإقطاع السياسي والطائفي الذي جعل لبنان على مدى السنوات الممتدة من 1920 وحتى 1943 رهن توازنات صعبة ومستحيلة بين الداخل والخارج. أما الطريقة الوحيدة لإعادة إحياء لبنان الكبير لا يمكن أن تكون الا بدولة علمانية خارجة عن الاصطفاف الطائفي”.

“هذه الفرصة التي أتيحت لنا منذ عام 1920 لا تعوض واستفاد منها الجميع على مدى المئة سنة الفائتة، لأننا حصلنا على نوع من الحرية والارادة الحرة وجرّبنا التعددية الانسانية والثقافية”، يكمل علوش، ويختم: “ما يحصل اليوم في لبنان قد يؤدي الى نهاية هذا الحلم وعلينا التمسك به بكلّ وضوح واصرار، ولا طريق الا بالخروج عن المنطق الطائفي والسخافات المبنية على الطائفية”.

ما تشهده الدول العربية من اضطرابات وتفكيك وتقسيم يزيد منسوب الخوف على الكيان اللبناني الذي يتحكم فيه أصحاب السلاح غير الشرعي وقوى الأمر الواقع، لكن الرسالة اللبنانية لا بد انها مستمرة بنضالات أبناء هذا الوطن الذين بنوه بدمائهم، مهما اشتدت المحن، والنموذج اللبناني التعددي أكثر من ملح اليوم في خضم الصراعات المذهبية الدموية.

Exit mobile version