
يتطلب تغيير وجه لبنان ضرب ثلاثة أقانيم – أبعاد: جغرافية البلد الداخلية او الهوية العقارية، الديموغرافية السكانية او هوية الإنسان اللبناني، والحرية التي تشكل صمام أمان الحفاظ على هوية لبنان الديموقراطية ووجهه التاريخي والحضاري.
ولم يتأخر النظام السوري في السنوات الأولى لوضع يده كاملة على لبنان في اعتقال الدكتور سمير جعجع من أجل تعميم حالة الرعب والخوف والترهيب، واستطراداً ضرب الحريات السياسية تحقيقاً لمشروعه الرامي إلى سورنة لبنان، كما لم يتأخر في إصدار قانون التجنيس لسببين: تحويل المسيحيين إلى أقلية بغية تخويفهم من فزاعة العدد وإعادة النظر بالنظام ودفعهم إلى الاحتماء بالنظام السوري، والسبب الثاني توزيع كمية هائلة من المجنسين على الأقضية التي لها الطابع المسيحي بغية تغيير هويتها ومنع القوى المسيحية التمثيلية من استعادة دورها وفعاليتها ومحاولة ترجيح كفة القوى المسيحية المسورنة.
وقد اعتقد الاحتلال السوري انه من خلال ضرب الحريات السياسية والتلاعب بالميزان الديموغرافي يستطيع إدامة احتلاله للبنان، ولكنه تفاجأ بدور الكنيسة المارونية وتحديداً البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الذي هز بعصاه كل مرتكزات هذا النظام الاحتلالي وأسسه.
ومن الواضح ان “حزب الله” يستكمل ما بدأه النظام السوري، خصوصاً ان مرجعيتهما واحدة وهي طهران، فضلاً عن ان هدفهما واحد أوحد وهو إبقاء لبنان ساحة نفوذ لإيران، وبالتالي منعه من استعادة سيادته واستقلاله.
فالخطة ما تزال نفسها على رغم الدخول السني والدرزي على خط المواجهة جنبا إلى جنب مع المسيحي دفاعاً عن سيادة لبنان ودوره، اي مواصلة الترهيب السياسي والاستثمار بالخلل الديموغرافي، ولكن هذه المرة مع إضافة عامل ثالث ويتمثل بتغيير الهوية العقارية للبلد.
فالفلسطيني لم يهجر من أرضه بفعل العامل السياسي فقط، إنما نتيجة التبدل الديموغرافي والعقاري، وبالتالي الثروة العقارية لا تقل أهمية عن الثروة الإنسانية، بل يمكن بسهولة تيئيس الناس من الوضع القائم لدفعها إلى الهجرة، وهذا ما يحصل تحديداً، فيما لا يمكن تيئيس الأرض، كما ان الاستيلاء عليها لا يتم بهذه السهولة، والدليل ان استيلاء “حزب الله” على أرض الكنيسة في “لاسا” لم يمر مرور الكرام، فكيف بالحري إذا قرر الاستيلاء على كل لبنان؟
ومن الأهداف الأساسية لتغيير هوية الأرض محاصرة الناس وتهجيرها في محاولة لخلق أمر واقع جديد – قديم وهو تغيير وجه لبنان ودوره. فالمشروع نفسه الذي بدأ مع الحرب ومن ثم مع الاحتلال السوري يستكمل اليوم مع “حزب الله” الذي وجد ان انتصاره بالضربة القاضية على البعدين السياسي والمجتمعي يعد من سابع المستحيلات، فوضع خطة استراتيجية تحت عنوان القضم التدريجي للدولة ومؤسساتها والثروة العقارية علها تؤدي مع الوقت إلى تطهير عرقي يستحيل تنفيذه من دون حرب يتجنبها الحزب لمجموعة أسباب واعتبارات، إنما يسعى لتحقيق أهداف تلك الحرب عن طريق سياسة الأمر الواقع.
إن تغيير هوية اي بلد لا تتم فقط عبر الاستيلاء على الدولة، هذا الاستيلاء الذي تم في لبنان على امتداد ١٥ عاماً ولم تنجح المحاولة، إنما التغيير الفعلي يكون من خلال تغيير هوية الإنسان والأرض، فحذاري المساس بالثروة العقارية بعد التلاعب بالثروة الإنسانية. ولن تمر…