سنكون مع شعبنا… الأب كرم رزق لـ”المسيرة”: لم نأتِ الى الرهبنة لنبني قصوراً

ماذا يعني للمسيحيين الموارنة انتخاب مجلس جديد للرهبنة المارونية الأولى في لبنان على الأقل في عدد قديسيها!؟ وهل فعل التجدّد في الرهبنة سيحاكي انتظاراتهم ويفتح نافذة ضوء في عتمة هذا الشرق الحزين؟

هل يحقّق العهد الجديد شيئا من مطالب الموارنة الكثيرة من الكنيسة والأديار التي يؤمنون أنها تعبق بعطر القداسة، ويستمدون من زيتها وبخورها غذاء إيمانهم؟

هل ما زال الشباب اللبناني يُقبل على الحياة الرهبانية ويقبَل نذور الفقر والعفّة والطاعة في عالم تستعبده المادة والإغراءات القاتلة؟

أي نهج سيتبعه قدس الأب العام الجديد نعمة الله الهاشم الذي وصل بـ221 صوتاً من أصل 320 راهباً صوَّتوا وأثبتوا أن الديمقراطية ما زالت وسيلة للوصول الى سدّة الرئاسة لدى الموارنة لو كانت اللعبة الانتخابية بإدارتهم؟

لأن الأباتي الجديد إختار أن يتكلم عنه المدبر الأول الأب كرم رزق، كان على من عرفناه مؤرخاً وباحثاً في التاريخ أن يخبرنا عن الحاضر والمستقبل، وبكثير من الواقعية وقليل قليل من الاستشراف كانت هذه الأجواء من دردشة مع “النجوى ـ المسيرة” بعد يوم استشارات طويل.

مع تسلّمه مهامه أمضى المدبر الأول للرهبنة اللبنانية المارونية يومه الأول وهو يستمع الى مطالب وهواجس وأفكار وطروحات الرهبان من مختلف الأديار المنتشرة على الأراضي اللبنانية، كل منهم يسعى لعيش روحانية الجماعة في ديره أو المؤسسة الرهبانية التي يديرها أو ينتمي اليها،فالحياة الرهبانية قائمة على العمل كما الصلاة والراهب الذي يشعر ان لا عمل له يعتبر انه غير معني ومثمر، لذا يقول الأب المدبر الأول كرم رزق “من اهم مهامنا اليوم ان نجد للراهب عملًا يتوافق مع تطلعاته وأهدافه”.

وعلى الأسئلة الكثيرة التي حملناها اليه يبتسمويشكر الرب ويقول “لا يمكن ان نقول إن الرهبنة في حال تجدّد لأنها في الحقيقة كذلك وباستمرار! لكن بعض التعديلات والتعيينات على مستوى الأشخاص والمراكز ستجري في الأيام والأسابيع القليلة المقبلة”.

ويكمل شاكراً للرب أيضاً الدعوات الرهبانية التي ما زالت تغني الرهبنة بالطاقات الشابة رغم عبثية هذا الزمن وضياع الكثير من الشباب اللبناني وغرقه في عالم تحكمه الإغراءات المادية والتطرّف الفكري والديني…

وهنا يشرح الأب رزق أن الرهبنة خصّت الشباب بعناية كبرى مذ تأسست “الطالبية” في العام 1939، ويتابع: “بدايات الدعوات تكون في “الطالبية” حيث تتم عملية تنشئة طالب الدعوة روحياً وعلمياً. مركز “الطالبية” حالياً في دير سيدة النصر في غوسطا، وفيه يكتشف الشاب مدى عمق دعوته لينذر نفسه للرب. في المرحلة الثانية ينتقل الطالب الى “الابتدا” أي بداية الحياة الرهبانية وبداية المشوار نحو تحقيق الدعوة وتدوم سنتين. يترأس هذا الدير “معلّم” أي أنه معلّم المبتدئين يسهر على تنشئتهم، و”مركز الابتدا” اليوم في دير القديسين في كفيفان. لذا كانت أول زيارة قام بها قدس الأب العام نعمة الله الهاشم مع مجلس المدبرين الى هذا الدير وهذا دليل على مدى الأهمية التي يوليها قدس الأب العام للنشء الرهباني. إضافة الى زيارة تبارك من قديسي الرهبنة”.

لا شك أن كل من بارك للأب العام بتوليه سدّة المسؤولية شعر بروحانية عالية تنضح من ابتسامته، وفي نبرة صوته الكثير من التواضع والاتضاع، فهل كانت هذه من العوامل التي أوصلته الى رئاسة الرهبنة؟ وما هو النهج الذي سيتبعه قدس الأباتي الهاشم في ولايته؟

يرد الأب المدبر واثقًا “لا شك في ان يد الله موجودة وهي التي تسيّر كلاً منا، والعناية الالهية ترسم طريق كل منا. الأب العام تدرّج في المسؤولية كسائر الرهبان من الطالبية الى أعلى المراكز بطريقة سريعة، فمساره الروحي والرهباني كان مميزاً. تخصّص في العلوم الشرقية والاسلامية في روما وفرنسا، وكان ينهي رسالة الدكتوراه عندما استدعاه قدس الأباتي أثناسيوس الجلخ لتسلّم أمانة سرّ الرهبنة. بعدها انتخب مدبراً في مجلس الرهبنة لمدة 12 عاماً، والمدبرية منحته إحاطة كاملة بأمور الرهبنة ومعرفة بالرهبان. وكونه كان مدبراً للأمور الإقتصادية، كان رائداً في افتتاح مجالات جديدة للرهبنة كمؤسسة “أديار” وزراعة الكرمة وتصنيع النبيذ. هذا المشروع من أهم إنجازات الرهبنة اليوم لأن الأرض تعني لنا الكثير ولا يجوز أن تهمل لذا تعمّم المشروع على معظم الأديرة في لبنان من الشمال الى الجنوب، وانتاجنا حالياً من محيط الأديار المزروعة بالكرمة. نحن لا نبغي الربح لكنه قطاع منتج يعمل معنا فيه العديد من العلمانيين”.

رممتم العديد من الأديرة وأعدتم الانتشار في القرى التي عانت التهجير، فهل هذه نتيجة للدور الوطني للرهبنة، اي المساهمة بعودة المسيحيين الى الأطراف أمهي نتيجة لسياسة الحفاظ على أملاك الرهبنة؟

“أملاك الرهبنة هي نتيجة عمل وجهد وتراكم عبر الأجيال. وبصلواتنا نتذكّر أجدادنا كل ليلة في صلاة المساء نشكرهم على اتعابهم والتزامهم ومسؤولية استمرارية الرهبنة. حتى أن الأب مارون كرم عندما كتب تاريخ الملكية سماه “خبز الأوجاع”. لذا فان الحفاظ على الأرض هو من منطلق مسؤوليتنا الوطنية وليس السياسية، فالرهبان لا يتعاطون السياسة لكن هذا  لا يعني انهم غائبون عن حاجات شعبهم. هذه صفات  كل الرهبنات لا سيما وان اسم رهبنتنا هو “الرهبنة البلدية” اي القريبة من البلد والشعب. بالفعل هذا هو دورنا الوطني الذي يتجلى بالحفاظ على الأرض وان يكون لبنان وطنًا للجميع. لذا تلاحظون أن الرهبنة متواجدة على مساحة لبنان من الجبل الى الساحل من الشمال الى الجنوب. تمامًا مثل الحياة المسيحية، ومثلما قال يسوع هذه هي الخميرة”.

بعد عهد الأباتي نعمان لم يعد للرهبنة البلدية دور سياسي في لبنان هل ترون أن من مسؤوليتكم اليوم في ظل الوضع الراهن المأزوم للمسيحيين في لبنان واضمحلال دورهم وحتى استحالة انتخاب رئيس مسيحي، أن تعيدوا النظر ويعود لكم الدور السياسي الفاعل؟

“لا شك يجب ان يكون لنا دور، وفي الحقيقة نحن نلعب هذا الدور ولم ننقطع عن الشعب اللبناني، فنحن قريبون من مشاكله وهمومه وحاجاته، لا بل نعيشها معه ونتألم لألمه واينما وجدنا ان كان في إمكاننا ان نساعد لا نتنصّل من مسؤوليتنا. لكن في مرحلة ما بعد الحرب التزمنا ضمن الهيكلية الجديدة التي وضعتها الكنيسة من خلال الارشاد الرسولي الذي منحنا إياه البابا القديس يوحنا بولس الثاني، وبات عملنا من ضمن البطريركية والأبرشيات وجاء هذا التحوّل بتشجيع من روما رأس الكنيسة الكاثوليكية. مشينا في هذا المسار وكان مجديًا برأيي لأن الرهبنة ليست هيئة منفصلة عن عمل البطريركية. ربما برزت الرهبنة في مرحلة الأباتي شربل قسيس والأباتي بولس نعمان، لكن مرجعيتنا دائما بكركي وروما. نحن أمام شعبنا والى جانبه”.

دوركم في التواصل مع الانتشار اللبناني لا سيما المسيحي، هل ستعطونه حيزًا أكبر في هذا العهد؟

“نحن نعمل بنهج الاستمرارية كما قلت، وكان هناك نقاش في المجمع العام حول الرسالات في الانتشار حيث بات لكنيستنا أبرشيات في كل دول العالم بعدما سمح المجمع الفاتيكاني الثاني بالتعرّف الى كنائس الشرق، فبدأت رسالتنا في البرازيل ثم الولايات المتحدة واستراليا…، ونحن موجودون في بعض البلدان وما زلنا حيث الانتشار الكثيف للموارنة بالتنسيق مع المطارنة ونعتبرها رسالة مهمة تسهم في الحفاظ على غنى طقوسنا الروحية والاجتماعية، فعندما نصلي بالسريانية او عندما نترجم الليتورجيا المارونية الى لغات الانتشار فهذا يعني أننا نتبع أبناء شعبنا ليبقوا على روحانيتهم. حتى أننا إفتتحنا مدارس كغيرنا من الارساليات كي يبقى التواصل مع المهاجرين وتبقى عاداتهم وتقاليدهم ولغتهم العربية ويبقى الرباط مع الوطن. هذه رسالتنا ودعم ظاهرة التثاقف من مهماتنا بالتأكيد، فايام الحرب كان اللبنانيون يتوافدون للصلاة للبنان وخلال القداس يتلون النوايا كل بلغة البلد الذي هاجر اليه او لجأ اليه، وهذا غنى ثقافي برأينا وانفتاح حضاري لا يلغي الانتماء اللبناني في العمق”.

هواجس المسيحيين كثيرة وانتظاراتهم كبيرة، ماذا تقول لهم وأنت المدبر الأول لرهبنة تاريخها من تاريخ الموارنة في لبنان؟

“أقول لهم لا يمكن أن ننكر أننا نواجه صعوبات وان هناك هواجس للمستقبل لكننا أبناء الرجاء وكل منا قادر في حياته اليومية ان يبني ولو مدماكاً نستند اليه. لا يجوز ان نستسلم فالاستسلام هو الأسهل. لقد وصفوا حالنا بحالة إحباط لكن الإحباط ليس من صفات المسيحيين الذين قال لهم يسوع انتم ملح الأرض. إذا كنا مسيحيين حقيقيين علينا ألا نخاف أو نتراجع. لدينا إمكانات كبرى وأوضاعنا ليست كما تصفها وسائل الإعلام (اعتذر) لكن ينقصنا ان نعيش مسيحيتنا الحقيقية ونتعاون”.

هل من مشاريع لتجذير المسيحيين في أرضهم والحد من هجرة الشباب؟

“لنكن صريحين لا يمكن ان نجترح العجائب، لكن لدينا النيّة لخلق فرص عمل أكثر، وفتح آفاق جديدة وأعمال جديدة في المهام التي نقوم بها، فنخفّف أوجاع الناس لا سيما الشباب في الأمور الحياتية الاساسية إن من خلال العلم والمؤسسات التربوية أو مرافق أخرى”.

لا شك أن الرهبنة اللبنانية المارونية قد دخلت عهداً جديداً لرسالتها، وبشفاعة قديسيها خرقت زمن القحل واجترار السائد والقديم. وبدورهم قدس الرئيس العام ومجلس مدبريه على دراية بأن الناس تتنظر منهم حصادًا كثيرًا لأن الفعلة كثيرون، فالرب أغنى هذه الرهبنة بكثير من الدعوات الطامحة للقداسة ومسؤوليتهم كبيرة لتغيير التفكير النمطي اليوم عن الرهبنات والرسالات التي بات كثيرون يعتبرونها مهنة اكثر مما هي رسالة، وبات بين الإكليروس والناس هوّة كبيرة.

الأب رزق لا تزعجه مواجهة هذا الكلام لسان حال الناس ويرد بتواضع “نعم علينا ان نصغي للناس، لأن صوت الشعب هو صوت الحق… نحن لم نترك العالم لنأتي الى الأديرة ونبني قصورًا بل لنعيش بحسب تعاليم سيدنا يسوع المسيح، فهو الراهب الأول بالفقر والقرب من الناس. رسالتنا كما أجدادنا أن نعيش البساطة، نحن نذرنا أنفسنا لخدمة الرعية والناس وهكذا سنكون”.

في الختام تطرح السؤال الأخير: هل انتم مستعدون للعيش بحسب وصايا البابا فرنسيس أب الفقراء وبابا الرحمة؟

ومن دون تردّد يجيب الأب كرم بـ “نعم” من القلب.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل