كنا هناك – مارون بدر: إصابات وحكايات من الجبهات

عندما اندلعت الحرب في لبنان عام 1975 كان إبن ال15 عاماً مارون بدر لا يزال طالباً على مقاعد الدراسة، يجلس قرب النافذة فيرى مقاتلي المقاومة اللبنانية في الأحزاب المسيحية يمرون ببذلاتهم العسكرية حاملين معهم الأسلحة. كان يسمع عن أخبار البطولات فتحمّس وأشقاؤه لدخول ساحات المعارك والانضوء في صفوف المقاتلين. وما دفعهم أكثر لاتخاذ هذه الخطوة هو اتصال هاتفي من والدهم الذي كان خارج البلد، على رغم بعده عن الوطن تملكت والد مارون روح المقاومة والانتفاضة وطلب من أبنائه حمل البنادق والتوجه إلى الحرب. لم يفكّر مارون بما ينتظره فحمل البندقية ودفع ثمن الذخيرة والعتاد من جيبه، ثم توجّه إلى ثكنة فرن الشباك التابعة لحزب “الكتائب” مع اثنين من أشقائه فيما الرابع اختار الانضواء في حزب “الوطنيين الأحرار”. من “الكتائب” إلى “القوّات اللبنانية” استمرّت مسيرة مارون ولم يستسلم يوماً للخوف، لم يتراجع رغم الإصابات العديدة، ولم ينكر انتماءه الحزبي رغم الضغوط التي حصلت عليه في سجون الاعتقال.

 يرفض مارون اعتبار أن ما قام به هو بطولة، يرفض تسمية مقاومته بالتضحية، تغصّ الكلمات، تجتمع الدمعات في عينيه مستذكراً رفاق النضال الذين رحلوا فيقول: “على رغم كل الإصابات في جسدي ما قمت به لا يُقارن باستشهاد رفاقي، أنا قدّمت جزءًا صغيرًا من ذاتي خدمة للقضية أما هم فقدموا كل ما لديهم. أنا لست مخوّلاً لإعطاء شهادة حياة، لكنني سأجري هذه المقابلة لأعطي رفاقي حقّهم”.

ويضيف مختنقاً: “أخذت الكثير من الشباب من منازلهم ولم أستطع إعادتهم إلى أهلهم، لكن هذا هو القدر”.

مارون إبن عين دارة، ومن سكان العاصمة بيروت التي كتبت أول سطور الحرب، كان في ال15 من عمره عندما اختار ترك العلم والتطوّع في صفوف المقاتلين معتبراً أنّه فعل إيمان.

“في بداية الحرب تمركزت المعارك في عين الرمانة وفرن الشباك والأسواق التجارية. كانت الجبهات مشتعلة وكان دورنا في مركز فرن الشباك تلبية عدّة جبهات خصوصًا التي نجد فيها نقصًا في عدد المقاتلين” يخبر مارون.

تلقّى مارون التدريبات العسكرية قبل أن يُرسل إلى ساحات المعارك، وعنها يشرح: “تختلف كلّياً عن ما يحصل في ساحة المعركة، أصوات الرصاص والقنابل ورائحة البارود هي نفسها، لكن العدو في التدريبات هم الرفاق أما العدو في ساحة المعركة فهو عدو حقيقي ولن يرحمني. في التدريبات الأولية التي خضعنا لها لم يكن التركيز على الكفاءة القتالية إنما على كسر حاجز الخوف بين المقاتل والسلاح في الوقت الذي كان خصمنا قد سبقنا بأشواط في التسلّح والتدريب”.

ويضيف: “هذا ما تم تلافيه في التدريبات داخل “القوّات اللبنانية”، إذ إنهم كانوا يركزون على اللياقة البدنية والكفاءة العسكرية إضافة إلى تأمينهم للأسلحة اللازمة”.

عن أوّل معركة حقيقية شارك فيها، يستذكر مارون: “كانت المعارك تدور في مبنى الهوليداي إن وأتى قرار من القيادة أن نخفف الضغط على المبنى من خلال شنّ هجوم من ساحة العجمي – مبنى الحماطوري على مبنى المرّ حيث كان يتمركز الفلسطينيون”.

ويتابع: “كنا شبه محاصرين في مستودع الأدوية ولم نستطع إخلاءه، كان هجوماً صعباً فنحن لا نمتلك أسلحة توازي أسلحة العدو، إضافة إلى أن عددنا كان أقلّ بكثير كما أننا لم نكن بعد جيش منظّمًا ومدرّبًا. لم ننجح بالهجوم إذ أصيب معنا شاب اسمه طوني أسمر حاولنا إخراجه من المبنى، قاد شقيقه الدبابة وحمل وقتها القائد العسكري لثكنتنا كميل هرموش رشاشاً للتغطية. سبقنا الفلسطينيون إلى المبنى ووصلوا إلى السطح وبدأو رمينا بالرصاص، أصيب كميل فخرقت الرصاصة صدره ووصلت إلى عموده الفقري؛ لكننا أكملنا حتى سحبنا طوني من الداخل. في آخر دقائق من هذه المعركة القصيرة بقيت مع الرفاق غسان وبرنار نطلق الرصاص باتجاه العدو، عندما انتهت دخيرة غسان دفشته على الطريق ليهرب ولحقته منسحباً من المعركة”.

أول إصابة ذاق طعمها مارون خلال معارك الأسواق التجارية عام 1975، وهي كانت نوع من قتال الشوارع ولم تكن معارك بالمعنى الحقيقي، إذ كانت تقع يومياً إشتباكات مسلّحة إضافة إلى تسلل وتسلل مضاد. ذاك اليوم كان المقاتلون في مبنى فتّال، قام الفلسطينيون بعملية تسلل إلى المبنى وقد أقام الشباب متراسين واحد على مدخل اليمين وآخر على مدخل الشمال، دخل الفلسطينيون من الحائط بعد إحداث فجوة فيه. “صعدت بأحد الكميونات وحملت رشاشاً” يخبر مارون، “اختبئت خلف درع لأحمي نفسي ورحت أطلق الرصاص باتجاه مصدر نار العدو. لكن ما لم يكن بالحسبان استخدام الفلسطينيين لقنّاص وضعوه في المبنى، أصابني في يدي اليمنى، أبيت ترك المعركة رغم النزيف الحاد الذي أصابني وبقيت حتى انتهائها. أصلاً لم يكن لدي خيار البقاء أو الاستمرار، كان عدد شبابنا قليلاً جدّاً وانسحاب واحد منا يعني خسارتنا للقتال، لكن الحمدالله ربحنا هذه المعركة بعد ساعات حينها وافقت على الانسحاب”.

“ليست “داعش” بظاهرة جديدة رأينا مثل أعمالهم في الحرب اللبنانية” على حد تعبير مارون الذي لا يزال محفوراً في ذاكرته مشهد 8 مدنيين من العائلة نفسها أحدهم طفل لا يتعدّى عمره ال5 أشهر، استشهدوا على أيدي المسلحين الفلسطينيين وقد تم قتلهم بطريقة شنيعة جدّاً. “لن أنسى منظرهم ما حييت، مشهد مؤلم جدّاً، يومها وجدنا شقيقتين مختبئتين في غرفة مخفية في قبو المبنى كانتا الناجيتين الوحيدتين، وعندما علمتا من نكون هرعتا إلينا طالبتين تأمين الحماية لهما”.

ويتابع: “هذه الحادثة حصلت عام 1976 يوم وقعت معركة عاريا، يومها كان الفلسطينيون يريدون شنّ هجوم على الكحالة – ضهر الوحش، فأخذ فصيل تابع لهم على عاتقه مهاجمة عاريا لإقفال خطّ الإمدادات على الكحالة، علمنا بالهجوم قبل ساعتين من وقوعه. خطّطوا للتسلل باتجاه قناطر زبيدة فيقطعون بذلك الطريق عند مخفر عاريا ويصبح وصولنا إلى الكحالة مستحيلاً. كنا وقتها في تلّ الزعتر وصلنا الخبر فاتّجهنا إلى المنطقة لنفكّ الحصار عن رفاقنا، وكان قد سبقنا المركز 104 في فرن الشباك إلى المنطقة فاشتبكوا معهم قرب كنيسة عاريا. اضطررنا إلى سلوك طريق حرجية بمساعدة أحد أبناء عاريا ويدعى أيوب العيراني، وصلنا إلى ما يسمى عسكرياً بـ”بقعة القتل” وهذا يعني أن العدو يركّز قصفه على هذه المنطقة وهو بالتالي مسيطر عليها. توقّفنا قليلاً وناولت أيوب سيجارة وإذ بقذيفة تسقط بيننا، للوهلة الأولى ظننت بأننا استشهدنا جميعنا، ما هي إلا لحظات حتى فتحت عينيّ ولكثرة الغبار لم أستطع الرؤية، لكن ما إن مرت دقائق حتى رأيت أيوب يتدحرج على الأرض ولا يصرخ. نهضت مسرعاً نحوه ورحت أصرخ “أيوب صرلك شي؟ رد عليي” استدار مجيباً “أنا منيح بس إجريي مش حاسس فيهم”. نظرت إلى رجليه ولم أرَ الرجل اليسرى فيما اليمنى كانت شبه معلّقة بمكانها، لم أصدق عينيّ، فهذا الشاب ليس مقاتلاً إنما أتى فقط لمساعدتنا فلم عليه أن يدفع الثمن؟ سحبته ناحية الحائط ورحت أجول بنظري على الباقين وأصرخ لهم، علمت أن بطرس وجان بدر وميشال وهبة وميلاد يمين أصيبوا، وأنا أصبت في سقف حلقي وأنفي. أخلينا الجرحى وأكملنا طريقنا لم يكن خيار الانسحاب وارداً، إذ إن 7 من شبابنا كانوا مطوّقين وسيموتون بين لحظة وأخرى. أكملنا طريقنا ووصلنا إلى أحد المباني حيث وجدنا هذه العائلة التي استشهد أفرادها، ومنزلاً من طابقين سيطرنا عليهما لأننا من هذه النقطة كنا سنحمي شبابنا”.

تمترس مارون والرفاق في المبنى والمنزل وراحوا يطلقون النار على العدو وبعد ساعات من القتال الصعب استطاعوا فكّ الطوق عن الرفاق وأفشلوا هجوم الكحالة.

كان لمارون محطات قتالية على عدّة جبهات من عين الرمانة والأسواق التجارية إلى كفرشيما وبسابا وبسوس وبدادون فالكحالة وعاريا والإنتفاضات ومعارك أخرى عديدة. أصيب مارون عدة مرات إحداها حصلت عندما كان يرتاح في أحد المراكز.

عن هذه الحادثة يخبر: “كنا نائمين جلوساً في مركز الدعم وهو عبارة عن غرفة صغيرة وضيقة، وأنا كنت لجهة مدخل الغرفة. رأيت في منامي يداً تضغط علي لإيقاظي استيقظت ولم أرَ شيئاً بما أنّه كان ظلام. خرجت لأحاول معرفة ما يحصل، الشباب المولجين الوقوف على المتاريس أخذوا استراحة واستلقوا جانب المتاريس ظنّاً منهم أنّه في حال حصول تسلل فستوقظهم الأصوات. دخلت الخندق وإذ بي أشعر بيد على فمي، شخص يمسك بي، في البداية طننت أنّه أحد الرفاق، لكن عندما شق يدي بالسكين عرفت أنّه أحد الفلسطينيين الذين قاموا بتسلل. ضربته بسرعة لاستلام زمام المبادرة، قفزت مسرعاً إلى الخارج وناديت الشباب، هرب الفلسطيني فلحقت به وأطلقت عليه الرصاص وأصبته في دار كنيسة بسابا. بعدها فقدت الوعي لأنني خسرت الكثير من الدم، ونقلني الشباب إلى المستشفى للعلاج”.

فور إعلان توحيد البندقية إنتقل مارون إلى “القوّات اللبنانية” حيث شارك بالعديد من الدورات التدريبية إحداها مدرّب مشاة ودورة مفوّض عسكري “كنت طليع الدورة ولم يستطع أحد كسر رقمي ليأخذ مني علم المعهد الذي لا زلت أحتفظ به”.

انتقل مارون إلى ثكنة الجبل التابعة لـ”القوّات اللبنانية” وكان ضابط عمليات، وقبل اندلاع حرب الجبل بأيام عام 1983 كان ذاهباً في مهمّة: “كنا ننفذ عملية مداهمة لأحد المباني على طريق الرويسات – صوفر، خلال تواجدنا داخله أصبت برصاصة في الرأس ما استدعى نقلي فوراً إلى المستشفى، طال علاجي ولم أستطع المشاركة بحرب الجبل”.

أخذ العمل العسكري الكثير من وقت مارون فقرر ترك الثكنة بسبب الظروف المعيشية الصعبة، ويخبر “صحيح أننا كنا نتقاضى معاشاً شهرياً لكنه لم يكن يكفي لتلبية حاجات عائلتي فأنا تزوجت لاحقاً وأصبح لدي 3 أولاد. عدت إلى معمل الصوف الذي كنا نمتلكه وبدأت العمل فيه وترميمه من آثار الحرب، كما أنني أعدت تجهيزه بماكينات الخياطة”.

لكن زيارة والده له قلبت المقاييس وأعادت مارون إلى الثكنات، ويلفت: “قال لي يومها والدي: الهيئة يا إبني الحرب ما خلصت وما حدا رح بفكر يشتري كنزة وقت يللي ما معه يشتري رغيف خبز. سكر هالمعمل وروح عمول ضابط، إذا انت وغيرك بدكن تتهربو ما بيبقى حدا يدافع”. أقفلت المعمل وجمعت أوراقي وتوجهت إلى معهد الضباط في غوسطا، وأصبحت ضابط مشاة في الوحدات الخاصّة”.

بقي مارون في صفوف القوّات اللبنانية حتى اللحظة الأخير، ذاق طعم الاعتقال وتعرّف على أساليب العذاب التي كُتبت آنذاك للشباب. لكن حبّه للقضية جعله يخبئ كل ما يتعلّق بالحرب في مكان سرّي جدّاً، لم يستطع عناصر مخابرات الجيش إيجادها، فهو لا يزال يحتفظ بالبذلة الزيتية والرينجر والصور وشهادات التدريبات والعلم القديم وكل ما يتعلّق بماضيه المشرّف. لم يندم يوماً على اختياره صفوف المقاتلين بدل صفوف المدرسة وهو مستعدّ لحمل البارودة من جديد دفاعاً عن لبنان.

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل