
تميز قداس شهداء “المقاومة اللبنانية” بالتنظيم الدقيق، على غرار كل عام، والإقبال الكثيف والحضور السياسي المميز في ظل جو من الرهبة بفعل طبيعة المناسبة المتصلة بالشهداء، كما طبيعة المكان وكل ما رافق القداس من مشهدية أضفت المزيد من الرهبة والوقار والخشوع.
وتجاوزت هذه المناسبة، بالنسبة للرأي العام، المحطة السنوية التي يحييها هذا الفريق او ذاك تحت عنوان الشهادة او غيره، إلى ثقة هذا الرأي العام بوجود قوة سياسية يستطيع الاتكاء عليها وقت الشدة والخطر، ما يجعلها تشكل مصدر أمن وأمان واطمئنان، وهذا الجانب بالغ الأهمية بالنسبة إلى كل الجماعات اللبنانية في غياب ثقتهم بقدرة الدولة على حماية حياتهم ووجودهم وحضورهم، والمسؤولية في هذا السياق ليست ملقاة بطبيعة الحال على الدولة، إنما على القوى السياسية التي تمنع هذه الدولة من استعادة دورها وفعاليتها.
ومن هنا جاء خطاب رئيس “القوات” في الشق المتصل بالشهادة ليؤكد على هذا المنحى، خصوصا ان “القوات” هي الفريق الأكثر استعدادا وجهوزية لمواجهة التحديات والأخطار، ولا نتحدث هنا عن جهوزية لوجستية، إنما عن نفسية وإيمانية وعقلية مستمدة من الجذور المسيحية الضاربة في عمق التاريخ، ولكن من دون ان يسها عن بال أحد ان الحكيم هو الزعيم الوحيد الذي اعتذر عن مرحلة الحرب، والاعتذار يعني الاعتبار من أهوال الحروب وكوارثها، إلا انه في الوقت نفسه لا يستطيع، انطلاقا من مسؤوليته التاريخية، ان يشيح وجهه عن الواقع القائم وهو ان الدولة مُنعت من استعادة دورها، وان التهديد الوجودي ما زال سيد الموقف.
فالرسالة الأولى التي أطلقها جعجع هي أن “القوات” التي دفعت هذا الكم الهائل من الشهادات والتضحيات لن تتردد في دفع المزيد في حال حاول أحدهم ان يكرر المحاولة، وقال بشكل واضح وحازم “أمّا أنتم يا أعداء لبنان، فمهما كانت هويّاتكم وأسماؤكم، حدّقوا جيّداً في لائحة شهدائنا… ولا تجرّبوننا مرّةً أخرى”، ومن أهداف هذه الرسالة ليس فقط تأكيد المؤكد، إنما تطمين الناس، لأن قلق رئيس “القوات” هو ان يؤدي الخوف إلى مزيد من الهجرة.
والرسالة الثانية عبر فيها بوضوح عن موقفه الثابت من الحوار الذي جرب مرارا وتكرارا من دون نتيجة، وبالتالي أكد مجددا رفضه لهذا النوع من الحوارات العقيمة التي تؤدي عمليا إلى نتائج عكسية.
الرسالة الثالثة جدد فيها أيضاً رفضه لفكرة السلة التي تشكل اختصارا للمؤسسات ونسفا للدستور وتكريسا لأعراف جديدة تكبل الحياة السياسية وتسيء إلى الديموقراطية.
الرسالة الرابعة دعا فيها إلى انتخابات رئاسية تسبق الانتخابات النيابية خشية من ان ينسحب الفراغ الرئاسي إلى تصريف أعمال حكومي مفتوح نحو أفق مسدود رئاسيا، فضلا عن ان الانتخابات الرئاسية تشكل مدخلا لإنهاء التعطيل المتمادي.
الرسالة الخامسة أكد فيها على ضرورة إتمام الانتخابات النيابية في موعدها ولو في ظل الفراغ الرئاسي، حيث ان دعوته التحذيرية من مغبة إجراء النيابية قبل الرئاسية لا تعني إطلاقا موافقته على التمديد، إنما حث القوى السياسية على تحمل مسؤوليتها وتحميلها مسؤولية ما ستؤول إليه الأوضاع.
الرسالة السادسة اكد فيها ضرورة إقرار قانون جديد للانتخابات يعيد تصحيح الخلل في التمثيل الوطني، سيما ان إتمام الانتخابات على القانون الحالي يشكل تمديدا للواقع القائم، ويحوِّل الانتخابات إلى انتخابات شكلية، ولكن تمسك بعض القوى السياسية للأسباب المعلومة بالقانون الحالي لن يدفعه إلى الموافقة على التمديد، إنما سيزيد تمسكا بإتمام الانتخابات وفضح الجهات التي ترفض إصلاح قانون الانتخاب وتحديث الحياة السياسية.
الرسالة السابعة جدد فيها دعمه ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، مخاطبا الخصوم والحلفاء بلغة مبسطة وشديدة الوضوح مفادها ان المعبر الوحيد لإنهاء الفراغ يكمن بانتخاب عون، مجددا ثقته بهذا الخيار بالارتكاز إلى “إعلان النيات”، محملا “حزب الله” تبعات استمرار الفراغ إنطلاقاً من معادلة “جمهورية قوية- حزب ضعيف، جمهورية ضعيفة- حزب قوي”.
الرسالة الثامنة موجهة إلى الجميع بان “القوات” مع خيار الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة، وان هذا الخيار غير قابل للنقاش، وان وصول الأقوياء إلى المواقع الدستورية يشكل ارتياحا ويعكس ما نصت عليه النصوص الدستورية وروحيتها.
الرسالة التاسعة شدد فيها على أهمية الشراكة في المعادلة الميثاقية اللبنانية، واضعا إياها بمستوى السيادة، إذ قال “الشراكة من دون سيادة لا معنى لها، ولكن في الوقت عينه السيادة من دون شراكة، لا معنى لها أيضاً. فالوضع الذي خلّفه عهد الوصاية في لبنان يجب أن ينتهي”.
الرسالة العاشرة أعاد التذكير فيها بجوهر الأزمة اللبنانية المتصلة بتغييب “حزب الله” للدولة اللبنانية ومصادرة قرارها الاستراتيجي وتحويلها إلى مجرد سلطة محلية، مؤكدا ان “الهدف الأول قبل الإنتخابات الرئاسية وبعدها، وفي كل الأوقات، وبأفضلية على كل الأهداف المتبقية، هو أن نتخلّص من هذا العطب الاستراتيجي حتى تعود الدولة دولة، وليعود لبنان وطناً فعلياً لكل ابنائه”.
الرسالة الحادية عشرة كشف فيها ان “القوات” ستشارك في أول حكومة بعد الانتخابات الرئاسية، وليس بطبيعة الحال من منطلق المشاركة للمشاركة، إنما تحت عنوان مكافحة الفساد الذي تعتبره “القوات” خطرا يهدد بالقضاء على الدولة والشعب اللبناني، لان مكافته لا تكون بالشعارات والكلام، بل على أساس خطة فعلية تحضِّر “القوات” لطرحها حين تسمح الظروف.
الرسالة الثانية عشرة أثنى فيها على المصالحات السياسية التي رممت جسور الثقة بين اللبنانيين، من مصالحة الجبل إلى مصالحة ساحة الحرية وصولا إلى مصالحة “القوات” و”التيار الحر”، هذه المصالحة التي اعتبر ان إيجابياتها ستطال الحياة السياسية اللبنانية ككل، رافضا مقولة انها جاءت على حساب تحالفه مع “المستقبل”، بل مؤكدا انها تكمِّل هذا التحالف لارتكازها على النقاط العشر التي تشكل مشتركا بينه وبين “المستقبل”، ومشددا ان هذه “المصالحة لم تحصل كي نجمع من جهة ونشرذم من جهة أخرى، بل هدفها جمع كل الجهات أينما كانت”، وداعيا في الوقت نفسه إلى توسيع إطار هذه المصالحات، مجددا الدعوة إلى “حزب الكتائب”، وكل ذلك من منطلق “سوياً أقوى بكثير، سوياً لبنان أقوى”.
الرسالة الثالثة عشرة جدد فيها رفضه لانغماس “حزب الله” في القتال السوري الذي انعكس بتداعياته على الوضع الداخلي وعلى علاقات لبنان الخليجية والدولية، خصوصا انه حصل خلافا لإرادة اللبنانيين والدستور اللبناني.
الرسالة الرابعة عشرة أكد فيها ان المعبر الوحيد لتطويق الإرهاب تمهيدا للقضاء عليه يبدأ بإسقاط النظام السوري الذي هو الإرهاب بعينه، كما يبدأ من خلال إيجاد الحلول المناسبة للأزمات السياسية، وتحديدا في سوريا والعراق.
الرسالة الخامسة عشرة أكد فيها جهوزية “القوات” الدائمة على ملاقاة رياح التغيير والثورة، لأن “القوات” تحمل “بحدّ ذاتها بذور ثورة دائمة”، ولأن “الشعب اللبناني شبع مصادرة لقراره وتقزيما لدولته وخصوصا لحروب الآخرين على أرضه، كما شبع فسادا واهتراء وشللا”، متوعدا ان هذا الشعب لن “يقف مكتوف اليدين أمام هذا الواقع المزري طويلا، وان رياح التغيير التي هبّت على العالم العربي وأطاحت في طريقها رؤوساً كبيرة، ستهبّ على لبنان لتغيّر في الوضع القائم”.
وعليه، تشكل الرسائل أعلاه محاولة لاختصار الكم الهائل من الرسائل التي وجهها “الحكيم” وتجسد التموضع الاستراتيجي الثابت لـ”القوات” منذ تأسيسها وفي قلب ثورة الأرز وحركات التغيير التي محورها الإنسان، وتعبر عن موقف “القوات” الثابت من محورية وجود الدولة ودورها، كما موقفها من حتمية تحقيق السيادة والشراكة ترسيخا للاستقرار، وتجمع بين المبادئ والثوابت والمسلمات، وبين الاستحقاقات السياسية التي تبدأ برئاسة الجمهورية ولا تنتهي بالانتخابات النيابية.
باختصار، تختصر كلمة “الحكيم” مبادئ “القوات” وفكرها وفلسفتها وسياستها…