كلمة جعجع خلال قداس شهداء المقاومة اللبنانية 2016

النص الحرفي لكلمة رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع خلال القداس الاحتفالي لشهداء المقاومة اللبنانية الذي أقيم في معراب بتاريخ 3 أيلول 2016:

شهداء المقاومة اللبنانية، شهداء القضية الوطنية، شهداء الجمهورية اللبنانية، أنتم وجدان لبنان وكل حبة تراب من الـ10452 كلم2، من عين الرمانة، الى الأشرفية، الى عينطورة، الى عكار وشكا وقنات، الى دير الأحمر والقاع والبقاع الشرقي والغربي، الى عيون السيمان، الى صنين، الى زحلة، الى الجنوب والى العاصمة بيروت، الى ساحة الشهداء، ساحة الحرية التي لن تركع في أي يوم من الأيام. شهداءنا الأبرار… لو لم تختاروا تلبية النداء، لكنتم اليوم معنا، جالسين بيننا، شباب لامعون في أعمالهم ووظائفهم، تعيشون حياة هانئة مع عائلاتكم وأولادكم وأحفادكم، تشاركون الأحبّاء أفراحهم وأتراحهم… لو لم تحملوا أوسمة الشهادة، لكنتم اليوم من أصحاب النجاحات وحملة الشهادات. فمن يصل الى الاتحاد بقضيّته الى حدود الاستشهاد، لن تمنعه أي صعوبات من تحقيق ذاته في حياته الشخصية”.

كان بإمكان كل واحد منكم اليوم ان يكون شخصاً آخراً في زمان آخر ومكان آخر، ولكن تأكّدوا أنّ لبنان الذي نعرفه اليوم، ما كان ليكون هذا اللبنان، بل كان ليكون وطناً آخراً، لشعب آخر، بزمان آخر، وكنّا سنكون لاجئين ومشتتين في أصقاع الدنيا الأربعة. كل شهيد سقط على أرض لبنان حوّل هذا الوطن الى وطن للإنسان في هذا الشرق الذي لا يزال بعيداً عن الإنسانية. فكلّ نقطة دم بذلتُموها تحوّلت حربة ضد الشر والظلم والظلامية. معكم، شهداءنا، صرنا قوات، قوات تُرفع لها الرايات، ويُضرب لها في ساحات المواجهة الف حساب وحساب. أنتم الجنود غير المجهولين، لأنكم في وجداننا راسخون. وجوهكم لا تغيب عنّا وتضيء ليالينا وأيامنا. في حضرتكم تلتقي الأرض بالسماء، وتحضر أرواح أسلافنا الكبار. أيّ رهبة تضاهي هذه الرهبة التي تظللنا في هذا الإحتفال، وبكل إحتفال بذكراكم؟”

شهداءنا الأبرار…، يوم جرّبوا إخضاعنا بسلاح المحتلّ والغريب، قلتم وقلنا: “لا أهلاً ولا سهلاً بالمحتل، غريب كان أم قريب”. وعندما خيّرونا بين الوزارة والنظارة، كان خيارنا: “وزارة في الذل لا نرضى بها، نظارة في العز أفخر منزل”، وتحوّلت السلاسل في إيدينا مسابح صلاة تشفّعت بلبنان من نير الإحتلال، وتحوّلت قضبان السجون الى مشاعل أشعلت ثورة الحرية في لبنان. نحن أولاد هذه المدرسة بالتحديد، بالأمس، اليوم، وغداً، والى أبد الآبدين. تبدّلت موازين القوى في المنطقة أو لم تتبدل، تغيّرت الخرائط والتوازنات أو لم تتغيّر، إيماننا هو هو، وثوابتنا هي هي، الأرض يمكن ان تهتزّ من تحتنا لكنها لن تقع أبداً! المصدر الذي نستمد منه صلابة صمودنا ومشروعيّة وجودنا هو قوة الحق والروح، لا قوة محور من هنا ولا توازنات سياسية من هناك. أمّا أنتم يا أعداء لبنان، فمهما كانت هويّاتكم وأسماؤكم، حدّقوا جيّداً في لائحة شهدائنا… ولا تجرّبوننا مرّةً أخرى”.

كل ما دق الخطر… وبالفعل كل ما دق الخطر… بالأمس، ما لبث ان دق الخطر على أبواب القاع، هبّت البلدة بكاملها وتصدّت له وبلحظة قضت عليه. صحيح كان الثمن غالياً جداً: ماجد وهبه، جوزيف ليّوس، جورج فارس، فيصل عاد وبولس الأحمر. ولكن أنقذ القاع، وأنقذ البقاع، وحمى لبنان .بالفعل عندنا في لبنان “ما بينعسوا الحرّاس”. إنتحاري واحد في دول كبيرة في العالم لديها كلّ الإمكانيات وكل التقنيات ينجح في تخريب الكثير ويزهق أرواح الكثيرين. أما في القاع، 8 إنتحاريين دفعة واحدة، على ضيعة صغيرة على الحدود وبإمكانيات متواضعة تماماً، لم يتمكنوا من التقدم خطوة! هذا كله لأنّ في لبنان ما بينعسوا الحرّاس… ما بينعسوا الحرّاس، ولا رح ينعسوا الحرّاس، وكلّ ما دق الخطر، كلنّا فدا لبنان… قوات!”.

نحن قوات ليس فقط في قضايا السيادة والحرية والاستقلال، نحن قوات في كلّ شيء يتعلق بلبنان. بكل بساطة ووضوح، اليوم الصورة سوداء:

–     سنتان ونصف من دون رئيس جمهورية.

–     حكومة تناقضات شبه مشلولة.

–     مجلس نيابي معطّل بحكم التعطيل الرئاسي والوزاري.

–     حياة سياسية معدومة.

–    سلسلة أزمات لا تنتهي، من أزمة النفايات الى أزمة الإتصالات وما بينهما من وضع اقتصادي ومعيشي صعب جداً مع كل ما يستتبعه من تعقيدات في الحياة اليومية.

أما المواطن فصابرٌ، صامدٌ، محرومٌ من أبسط حقوقه، حقوقه بحياة كريمة، بمأكل وملبس، بمسكن وبسرير في المستشفى إذا مرض. الشباب الناجح لا يجد مكاناً له ولا بيئة ملائمة ليفجّر طاقاته ومواهبه، فيضطر الى الهجرة بحثاً عن فرصة عمل وعلى أرض أحلام ثانية. الفقر يزداد ويتوسّع، والإقتصاد يعاني يوماً بعد يوم، يحاول أن يقاوم، ولكن الى متى؟ المؤسسات والشركات ترزح تحت مشاكل وضغوط تجبرها الاعتماد على استراتيجية صمود كأننا في “إقتصاد حرب”، تطرد موظّفين، وتخفّض المعاشات، وفي بعض الأحيان تُقفل نهائياً. وبالإضافة الى كل ذلك، هناك أزمة نزوح سوري صارت عبئاً ثقيلاً على الدولة ومواردها وبناها التحتية. والأسوأ من كل ذلك، أنّ أحداً لا يرى شيئاً في الأفق، وكأنّنا في حفرة لا يمكن الخروج منها، كثرٌ من هم في حالة قرف، وآخرون في حالة يأس، وسواهم في حالة ضياع لا يعلمون ماذا يفعلون.

أود الوقوف هنا لأقول ان توصيف الواقع كما تراه أكثريّة الناس صحيح، والصعوبات التي نواجهها حقيقية، والأفق شبه مقفل. النقطة الوحيدة غير الصحيحة في كل هذه الصورة هي أنّ هذا السواد يجب أن يدفعنا الى مضاعفة جهودنا أكثر فأكثر لنحاول ان نخرج من هذه الحفرة، وليس العكس أن نستسلم ونغرق أكثر فأكثر. هذا كلّه يجب ان يدفعنا الى الوعي والنشاط وخلق الحلول ولو من تحت سابع أرض، هذا كلّه يجب ان يجعلنا كخليّة النحل لا تهدأ لا ليل ولا نهار بحثاً عن معالجات لأزماتنا المتفاقمة، فليست البطولة أنّ تهتمّ بأمّك وأبيّك حين يكونا في صحّتهما بل البطولة ان تهتمّ بهما حين يمرضا ويُصبحا بحاجة لإهتمامك. وكلّما ساءت حالتهما، كلما عليك مضاعفة جهودك من أجلهما، وليس العكس. وطننا وبلادنا هما أمّنا وأبّنا، وأنا اليوم، أمام المتواجدين معنا، وغير المتواجدين معنا ونحتفل بذكراهم، أناشد كل مواطن لبناني للتشبث بأهله، وبيته، وأرضه ووطنه أكثر من أي وقت مضى، لأنّهم الآن بأمسّ الحاجة إليه، وأكثر من أي وقت مضى. أنا اليوم أدعو المواطنين اللبنانيين، وبالرغم من كل آلامهم وجروحاتهم وأوجاعهم، الى الصمود أكثر فأكثر لأننا بحاجة الى الصمود، واقول لهم لا تفقدوا أملكم ولا لحظة، بالرغم من كلّ الذي تعيشونه، وتذكّروا بكل ما مررنا به في السابق، وكيف عدنا وخرجنا منه. وفي المقابل أؤكد لكم أنّنا لن نوفّر جهداً، وسنبقى نضحّي بالغالي والرخيص، كما فعلنا حتى الآن، ولن نترك شيئاً يمكن القيام به إلاّ وسنفعله لنحاول الخروج من الواقع الذي نعيشه الى واقع أفضل، وسنخرج منه بإذن الله. فكلّما كثرت علينا الصعوبات، كلّما تماسكنا أكثر فأكثر. هكذا كنّا وهكذا سنبقى، وفي نهاية المطاف، ستزول الصعوبات وسنبقى نحن ويبقى لبنان.

الخطوة الفعلية الأولى المطلوبة للخروج من أزمتنا الحالية هي لا طاولة حوار جرّبناها مراراً وتكراراً، ولا سلّة متكاملة جرّبنا في السابق البحث عنها ولم نجدها، ولا انتخابات نيابية: فإذا وصلنا الى موعد الانتخابات النيابية وليس لدينا رئيس، ولو أننا مع إجرائها في موعدها المحدد وضدّ التمديد، سنكون حينها نقوم بخطوتين الى الوراء، فبدل ان تكون الإنتخابات النيابية خطوة الى الأمام، تؤدي هذه الانتخابات بدون رئيس الى فراغ حكومي يُضاف الى الفراغ الرئاسي، الأمر الذي يُعقّد الأزمة أكثر بعد ، فالخطوة الفعلية المطلوبة هي انتخاب رئيس للجمهورية.

نستطيع أن ننظم شعراً في هذا الخصوص من اليوم حتى السنة المقبلة، كما نحن فاعلون منذ سنتين ونصف الى الآن، ولكن كل ذلك لم ولن يوصل الى أي نتيجة، فإنطلاقاً من التعطيل المفروض على انتخابات الرئاسة، من الداخل والخارج، وللأسباب المعلنة وغير المعلنة، وفي طليعتها عدم رغبة البعض بقيام جمهورية فعلية في لبنان إنطلاقاً من معادلة “جمهورية قوية- حزب ضعيف، جمهورية ضعيفة- حزب قوي”، لا يبقى أمامنا عمليّاً سوى حل واحد للوصول الى إنتخابات رئاسية، من خلال دعم ترشيح العماد ميشال عون الى الرئاسة.

ربما لدى البعض تساؤلات حول برنامج العماد عون أو تحالفاته أو أدائه، لكن في المقابل ليُعطنا البعض بدائل قابلة للصرف، فبدائل نظريّة يوجد الكثير منها، ولكن بدائل قابلة للتطبيق وكما بات واضحاً منذ سنتين ونصف حتى الآن، وبالرغم من كل المحاولات المتكررة في الإتجاهات المختلفة، طبعاً لا يوجد. نحن، من جهتنا، وبكل صراحة، نجد ان  الحل هو بوصول العماد عون الى سدة الرئاسة وحليفنا سعد الحريري الى رئاسة الحكومة. أمّا الاعتراضات أو التساؤلات التي يطرحها البعض حول وصول الأقوياء الى المواقع الدستورية الأولى، فهي ليست بمحلها وبالتالي لا تخدم المصلحة الوطنية بشيء. ففي نهاية المطاف، لدينا دستور، وعلينا كلّنا الالتزام به، وهو الذي يوزّع المسؤوليات بين المواقع الدستورية في البلد. فيا أيّها الخائفون… الدستور لنا جميعاً، الدستور معنا جميعاً… فلا مبرر للخوف.

في هذه المناسبة أذكّر الجميع صحيح أنّ الشراكة من دون سيادة لا معنى لها، ولكن في الوقت عينه السيادة من دون شراكة، لا معنى لها أيضاً. فالوضع الذي خلّفه عهد الوصاية في لبنان يجب أن ينتهي. لهذه الأسباب كلها أدعو كل الكتل النيابية، وفي طليعتها الكتل الحليفة للعماد عون، الى دعم ترشيحه، بالفعل وليس فقط بالكلام، بعيداً عن كلّ المناورات والألاعيب، بعيداً عن كلّ حساسيات أو حسابات ضيقة أو واسعة، لأنّه فعلياً هذا هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يوصلنا الى إنتخابات رئاسة جمهورية، باعتبار أنها خشبة الخلاص الوحيدة المتبقية لنا، اذ لا جمهورية من دون رئاسة جمهورية.

في كل الأحوال، في ظل إنتخابات رئاسية أو بدونها، سنصل الى إنتخابات نيابية. من الآن أقول: إجراء إنتخابات نيابية من دون قانون جديد، نكون بالظاهر نجري إنتخابات نيابية، ولكن نكون فعلياً نمدد للمجلس النيابي الحالي، بكل علله، التمثيلية وغير التمثيلية. فكل البلد صار بحاجة الى قانون انتخاب جديد، لم يعد لدينا من الوقت الكافي للوصول الى قانون جديد سوى الفترة المتبقية حتى آخر هذه السنة. أمّا كيف سنتوصل الى قانون جديد، فالمسألة سهلة إذا صفت النيّات: إمّا أن تؤدي الحوارات الثنائية التي تحصل الى قانون جديد، إمّا من خلال دورة مجلس النواب العادية في الخريف حيث تُطرح كل إقتراحات ومشاريع القوانين، أو التي اختارتها اللجان المشتركة، على الهيئة العامة للمجلس النيابي، التي تختار بدورها عبر التصويت تفاصيل القانون الجديد المطلوب. ان التذاكي والتأجيل والتسويف في موضوع قانون الإنتخاب ما عادت تفيد بشيء، وممكن أن تنقلب على اصحابها. نحن من جهتنا، ولا بأي حال من الأحوال سنتراجع عن مطلبنا ومطلب أكثرية كبيرة من الشعب اللبناني بقانون جديد… مهما كان الثمن ومهما طال الزمن.

لنفترض ان الإنتخابات الرئاسية حصلت ومن بعدها جرت الإنتخابات النيابية وفق قانون انتخاب جديد، فبالرغم من كل ذلك لن تكون القصة قد انتهت هنا، بل تكون قد بدأت، لأن الدولة في العقود الأخيرة ضُربت بعطب استراتيجي كبير، كرسحها تقريباً، وجعلها تكون أقرب الى دولة صورية منها لدولة فعلية حقيقية. فما فائدة ان يكون لدينا رئيس جمهورية لا يستطيع ممارسة صلاحيّاته؟ ما الفائدة ان يكون لدينا رئيس مجلس وزراء ومجلس وزراء صلاحيّاتهما الرئيسية مصادرة؟ ما الفائدة ان يكون لدينا مجلس نواب صوته مخنوق، تجنّباً لمشكلة في البلد؟  بعض الأمور في هذه الدنيا لا تتحمّل أنصاف حلول ولا تتحمّل الإختزال. فالدولة إما تكون دولة، أو لا وجود لنصف دولة وربع دولة. في هذه الحالة تتحول الدولة الى شيء ثانٍ، وهذه بالفعل مصيبة لبنان الكبرى في العقود الأخيرة. ان الدولة في لبنان لم تعد دولة وتحوّلت الى نوع من سلطة محلّية. فحين لا يعود القرار الاستراتيجي بيد الدولة، كيف ستكون دولة؟ وحين لا تعود الدولة قادرة على السيطرة على سياستها الخارجية، لا تعود الدولة دولة. وحين تطبق الدولة قوانينها بشكل استنسابي، تسقط عنها صفة الدولة. فإذا قاتل مواطن لبناني مع النظام في سوريا يكون بطلاً يحارب الإرهاب، بينما مواطن آخر إذا قاتل ضد النظام يكون مجرماً يستحق العقاب! إذا مواطن، أهله، وليس هو، تعاطوا سابقاً، مكرهين وبحكم الأمر الواقع معيشياً مع أطراف عدوة، يوضع إسمهم على لائحة حمراء ولا يعود لهم الحق بالسير على الطريق في لبنان. أمّا إذا مواطن ثانٍ، كان ينقل حوالي 100 كلغ من المتفجّرات ليقوم بعمليات تفجير في لبنان لصالح المخابرات السورية، فللحظة كان سيخرج براءة. كيف ستقوم دولة بهذا الشكل؟ وكيف سيبقى لدى اللبنانيين إيمان بدولتهم ووطنهم؟ هدفنا الأول يجب أن يكون، قبل الإنتخابات الرئاسية وبعدها، وفي كل الأوقات، وبأفضلية على كل الأهداف المتبقية، هو أن نتخلّص من هذا العطب الاستراتيجي حتى تعود الدولة دولة، وليعود لبنان وطناً فعلياً لكل ابنائه.

الى جانب العطب الاستراتيجي الذي تحدثنا عنه، ابتلت الدولة اللبنانية، خصوصاً في الفترات الأخيرة، بفساد ما بعده فساد، بات يهدد بالقضاء عليها وعلينا. لم يعد بإمكان الدولة أن تستمر على هذا المنوال، الفساد ينخرها تقريباً في كل مفاصلها، وينخرنا معها. فالأجهزة الرقابية في الدولة إمّا غائبة تماماً أو فاسدة تماماً. لا يوجد قضاء فعلياً، باستثناء بعض القضاة الذين يواجهون لوحدهم قدر استطاعتهم، فالدولة لاتستطيع بأي شكل من الأشكال الاستمرار هكذا، البعض يسأل: أين القوات من مسائل الفساد ولماذا هي صامتة؟ “إذا رأيت نيوبَ الليث بارزةً، فلا تظنّنّ أنّ الليث يبتسم”، القوات صامتة الآن لأنّها لا تحبّ الكلام الفارغ، ولا تحب بيع الناس كلاماً من دون نتيجة، ولا تحب توزيع شعارات وشعارات شمالاً ويميناً قبل أن تتمكن من تغيير الواقع الذي نشكو منه. كلّنا يعي، وليس خافياً على أحد، مستوى وحجم الفساد الموجود بالأكثرية الساحقة من إدارات الدولة، لذا كلام على كلام لا يفيد بشيء، فما يفيد بالفعل هو الخطة الفعلية التي نحضّر لها لطرحها حين تسمح الظروف، ولو بالحد الأدنى، مثلاً مع تشكيل أول حكومة فعلية بعد الانتخابات الرئاسية، لنضعها موضع التنفيذ، وطبعاً أوّل طلائع هذه الخطة هو مشروع الحكومة الإلكترونية الذي أصبح جاهزاً لعرضه على المجلس النيابي في جلسته الأولى. فالكلام الآن لا يغيّر لأنّ أكثريّة الأجهزة الرقابية معطّلة بشكل أو بآخر، وأكثريّة القضاء للأسف معطّل أيضاً، وآخر أمثلة أمامنا هي ملفات النفايات والإتصالات. فبالرغم من كل الكلام، ومن كل الضجة، ومن كل المطالبات، وبالرغم من كل الأدلة، ما زلنا حتى الآن لم نتوصل الى أي نتيجة ملموسة ولو صغيرة على صعيد أي واحد من هذه الملفات. ان القوات هي من الفرقاء القلائل جداً في البلد التي لا تضم في صفوفها أحداً ملطّخاً بأي ملف من ملفات الفساد المعروفة وغير المعروفة. ويبقى أنّه ولا يوم من الإيام كانت القوات للكلام، كانت دوماً للفعل، بالفعل! لذا، انتظروا منّا حرباً بلا هوادة على كل شيء إسمه فساد في لبنان. فالذي توصّل الى إخراج السوريين من لبنان، لن تصعب عليه القضاء على الفساد في  الدولة اللبنانية!

وسط كل هذه الصورة السوداء، برزت في الفترة الأخيرة نقطة واحدة مضيئة، وهي نجاحنا مع التيار الوطني الحر بوضع حد لحقبة سوداء من تاريخ العلاقة بين الحزبين، لا بل حقبة بشعة من تاريخ لبنان ككل. الحرب اللبنانية انتهت الى غير رجعة. فالمصالحات بدأت بمصالحة الجبل-  تحيّة كبيرة للبطريرك مار نصرالله بطرس صفير وللنائب وليد جنبلاط-  بعدها استمرت بالمصالحة الكبيرة في 14 آذار-  فتحيّة كبيرة لروح الرئيس رفيق الحريري وكل شهداء ثورة الأرز- والآن استُكملت بمصالحة القوات والتيار. هذا التطور الأخير لن تنحصر إيجابيّاته بالقوات والتيار، بل ستطال الحياة السياسية اللبنانية ككل. من حق البعض أن يفكّر أنّ هذا اتفاق مصالحة فقط، ولكن في الحقيقة الى جانب المصالحة وضع هذا الإتفاق أول مداميك إتفاق سياسي أشمل ظهرت معالمه بشكل واضح من خلال النقاط العشر التي على أساسها تبنّت القوات ترشيح العماد عون. من حق البعض أن يفكّر أن هذا إتفاق له علاقة فقط برئاسة الجمهورية ولكن في الحقيقة هذا الإتفاق بدأ بموضوع رئاسة الجمهورية، وسيذهب أبعد وأعمق وأشمل من الرئاسة. من حق البعض التفكير أن هذا الإتفاق هو على حساب أحد أو لإلغاء أحد، ولكن أقصى تمنّياتنا أنّ نتفاهم نحن وكل الباقين انطلاقاً من هذا الإتفاق. وفي هذه المناسبة، أوجّه نداء الى كل الباقين وفي طليعتهم الأصدقاء في حزب الكتائب كي نبدأ بخطوات فعلية على هذا الصعيد. فهذا الإتفاق لم يحصل كي نجمع من جهة ونشرذم من جهة أخرى، بل هدفه جمع كل الجهات أينما كانت. سوياً أقوى بكثير، سوياً لبنان أقوى! من حق البعض التفكير أنّ هذا الإتفاق حصل على حساب تحالفنا مع تيار المستقبل، بينما في الواقع أتى ليكمّل تحالفنا مع تيار المستقبل لأنّ منطلقاته السياسية التي تجسّدت بالنقاط العشر هي مشتركة تماماً بيننا وبين تيار المستقبل. وبكافة الأحوال، أقول في هذا السياق “ما جمعته ثورة الأرز لن يفرّقه إنسان”، و”ما جمعته الشهادة، خصوصاً شهادة بشير الجميّل ورفيق الحريري، لن يفرّقه إنسان أيضاً.

على أثر التفاهم القواتي- العوني، حاول البعض التشكيك بصوابية تصرّف القوات ومدى ملائمته لثوابت 14 آذار. هنا اسمحوا لي، وبكل تواضع، ولكن في الوقت عينه بكثير من الموضوعية والروح العلمية، وتبعاً لكل الذي شهدناه منذ 40 سنة الى الآن، اسمحوا لي ان أقول: عا طول مطرح ما كانت القوات،  كانت روح 14 آذار!

طبعاً لبنان ليس جزيرة معزولة بالمكان والزمان، بل يتأثّر بالأحداث التي تجري من حوله. أقول للأسف في المرحلة الحالية لم تبقَ الأمور عند حدود التأثّر العادي، بل تخطّتها لمفاعيل سلبية جداً نتيجة إصرار البعض في لبنان (حزب الله) على الإنغماس حتى الموت بأزمات المنطقة، الأمر الذي أثّر على المصلحة اللبنانية العليا بشكل سلبي كبير، وما كانت أقلّ مظاهره الإجراءات الخليجية والعربية والغربية ضد مصالح لبنان. كل هذا الإنغماس في أزمات المنطقة يحصل من خارج الدولة، ومن دون رضى ولا موافقة ولا رأي اللبنانيين، بالعكس كلّه يحصل خلافاً لرأي الأكثرية الساحقة من اللبنانيين.

أكثر شعار يطرح بصوت عالٍ هو “محاربة الإرهاب” ونقطة على السطر، وكأنّ كل أزمات المنطقة سببها بالأساس الإرهاب. طبعاً يجب علينا جميعاً محاربة الإرهاب، ومن دون هوادة، ولكن حرام أن يستعمل أحد محاربة الإرهاب لتنفيذ أجندة ثانية ليس لها علاقة بالإرهاب، أو حتى في بعض الأوقات تخدم وجود الإرهاب على المدى المتوسط والبعيد. وافضل مثل على هذا الصعيد هو سوريا، حيث ان البعض يحاربون منذ 5 سنوات لصالح نظام بشار الأسد تحت شعار محاربة الإرهاب، في الوقت الذي نحن كلبنانيين أكثر من يعلم أن نظام بشار الأسد هو الإرهاب بعينه، ومن جهة ثانية هو أكثر من يرعى ويغّذي المجموعات الإرهابية على أنواعها منذ أيام أبو مصعب الزرقاوي الى إيّام داعش اليوم، خدمةً لأغراضه. كيف يمكننا أن ننسى سلسلة الشهداء الذين سقطوا على يد هذا النظام بالذات بدءاً من كمال جنبلاط، الى بشير الجميّل، الى المفتي حسن خالد، الى رينيه معوّض وصولاً الى رفيق الحريري وكل شهداء ثورة الأرز، وآلاف وآلاف من اللبنانيين الأحرار غيرهم؟ كيف يمكننا أن ننسى المحاولة الاجرامية مع ميشال سماحة التي لو لم تُكتشف لكانت أدت الى مئات من الضحايا؟ هذا اسمه ارهاب أو ماذا؟ بالأمس تحديداً، صدر القرار الاتهامي بتفجيري مسجدي التقوى والسلام عن المحقق العدلي وفيه اتهام واضح وصريح مدعّم بأدلة ملموسة عن مسؤولية المخابرات السورية مباشرة بتفجير المسجدين والذي سقط ضحيته اكثر من 50 مصلٍّ بريء بالإضافة الى المئات من الجرحى. هذا اسمه إرهاب أو ماذا؟ فالبعض يعتبر حليفه مهما فعل قديس، حتى لو فجّر مسجدين بمصليّن أبرياء، وحتى لو استعمل أسلحة كيميائية ضد بشر مدنيين عُزّل وقتل الآلاف منهم بلحظة واحدة، بينما خصمه، ولو كان “خيرة الأوادم” مثل محمد شطح، يعتبره إرهابياً ويهدر دمّه.

أذكّر بالتقرير الصادر عن لجنة خاصة شكّلتها الأمم المتحدة حول استعمال الأسلحة الكيميائية في سوريا، والتي أظهرت بالأدلة الحسيّة الملموسة بأنّ النظام استعمل أقلّه مرّتين الأسلحة الكيميائية بين عامي 2014 و 2015، بينما داعش استعملها مرة واحدة. فمن يكون إرهابي أكثر مِن مَن؟ وبالرغم من ذلك، بنظر البعض في لبنان والمنطقة: عنزة ولو طارت.

أستعرضُ أمامكم 4 أسماء من سوريا لنرى إذا كان هناك إرهاب أكبر من هذا الإرهاب: حمزة الخطيب- إيلان الكردي- عمران الحلبي- وحمزة التدمري. كلّهم أطفال، كبيرهم لم يتخطَ الـ13 عاماً: واحد منهم مات تحت التعذيب، والثاني ابتلعه البحر، والثالث كاد ان يموت جراء القصف، والرابع كاد أن يموت بالنابالم. وما زال البعض يقنعنا أنّه في سوريا يحارب الإرهاب؟ لا شك أنّ المجموعات الإرهابية في سوريا والعراق مصيبة كبرى، ولكن مما لا شك فيه للحظة أنّهم إفرازات الأزمة، وليسوا هم الأزمة. الأزمات في سوريا والعراق بالأساس هي أزمات سياسية بإمتياز تحوّلت تباعاً لصراع أهلي نتج عنه إفرازات عديدة، واحدة منها المجموعات الإرهابية.

إنّ التحالف الدولي بات على قاب قوسين من القضاء على “داعش” في العراق وسوريا، ولكن هل هذا يعني أنّ الأزمة هناك قد انتهت؟ طبعاً لا، لأنّه، ولنتذكّر جميعنا، حين بدأت الأزمة في هاتين الدولتين، لم يكن هناك من وجود لداعش ولا لأحد من أخواتها. في المنطقة، بقدر ما هناك حاجة لمحاربة الإرهاب، هناك حاجة أيضاً لنظرة ثاقبة للأمور تؤدي بالفعل للقضاء على الإرهاب مرة لكل المرات من خلال حلّ الأزمات السياسية وأزمات الحكم التي تتخبّط فيها هذه الدول. فطالما المعالجات سطحية، طالما النتائج ستبقى سطحية. ففي العام 2008، اعتقد العالم ان الإرهاب انتهى في العراق بعدما تمّ القضاء على تنظيم القاعدة هناك. ولكن تبيّن في ما بعد أنّ تنظيماً ثانياً، أشد فتكاً من القاعدة، ظهر على الساحة، لأنّه تمّ القضاء على القاعدة من دون حل الأزمة السياسية التي استحكمت بالعراق. والآن أيضاً الأمر سيّان.

أدعو دول المنطقة والقوى الإقليمية والدولية الى عدم ارتكاب الغلطة ذاتها التي حصلت في العراق، بل بالعكس ان تعمل على ايجاد حلّ حقيقي، ليس فقط حلاً عسكرياً سطحياً لبعض المجموعات الإرهابية، بل حل حقيقي، عسكري من جهة، إنما يكون سياسياً بالدرجة الأولى يمنح كلّ شعوب المنطقة ومجموعاتها حقوقها، حتى نصل بالفعل الى أوضاع سوية عادلة مستقرة لا تسمح بظهور مجموعات إرهابية كما شهدنا مع داعش وأخواتها في سوريا والعراق في السنوات الأخيرة. هذا كلّه ننادي به إنطلاقاً من قناعتنا الدائمة والتي لا تتزعزع بأنّ: إنسان واحد، قضية واحدة في كل زمان ومكان.

أتوجّه الى الشهداء الأبرار بالقول: يبقى الكلام، كل الكلام لكم. إنّ رياح التغيير التي هبّت على العالم العربي وأطاحت في طريقها رؤوساً كبيرة، ستهبّ على  لبنان لتغيّر في الوضع القائم. إنّ من يحاول التحايل على الناس والتاريخ لتحنيط الزمن وتجميده في ثلاّجة مصالحه الشخصية فيعتقل روح شعبٍ توّاق للتغيير، إنّما هو يحفر حفرةً عميقةً ليقع فيها. إنّ شعبنا شبع مصادرةً لقراره وتقزيماً لدولته وخوضاً لحروب الآخرين على حسابه. إنّ شعبنا شبع فساداً واهتراءً وشللاً وتقنيناً وكساراتٍ وتلوّثاً ونفايات وتدميراً للحياة البيئية والاقتصادية، ولن يقف مكتوف اليدين أمام هذا الواقع المزري طويلاً. إنّي أرى بذور ثورة تتكوّن، ونحن مستعدّون لملاقاتها، لأنّ القوات تحمل بحدّ ذاتها بذور ثورة دائمة. القوات ثورة تعرف أبناءها، وأبناؤها يعرفونها، لأنّها قبل كلّ شيء ثورة على الذات. إنّها ثورة لتحرير الحياة السياسية من عنق زجاجة التخلّف والتقليد والزبائنيّة والفساد. ثورةٌ شبابها اليوم قادة اليوم، وأطفالها اليوم قادة الغد. شهداءنا الأبرار، نحن لا نُصلّي اليوم لأجلكم، وإنما نتضرع اليكم لكي تشفعوا لنا لدى الآب السماوي حتى يُسدد خُطانا باتجاه تحقيق وطن فعلي من دون فساد، وطن الحق والحرية والإنسان. أنتم للقضية رُسلها الأمناء، وللإيمان جنوده الأوفياء، وللبنان قواته في السماء. ولا غرو إن قلنا ان شفاعتنا قد ازدادت اكثر في السماء بانضمام خمسة شهداء جُدد من القاع الى قافلة الشهداء. فلهم تحية إكبارٍ ووفاء.  افرحوا وتهللوا أيّها الشهداء، لأنه عندما دعا داعٍ في العام 1975 كنتم للمقاومة جاهزين، وعندما عاد ودعا داعش في العام 2016، هبّ ابطال مثلكم على خطاكم ، ولم يموتوا إلا واقفين.  إن صراعنا على هذه الأرض منذ الأزل، قد قُدّر له دائماً ان يكون صراع النور مع الظلمة، والتنّور مع الظلامية. فكونوا دائماً ابداً متأهبين واعلموا ان الحق مُنتصرٌ ولو بعد حين. هكذا نحن منذ مئات السنين، وهكذا سنبقى الى أبد الآبدين. آمين. المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، عاشت المقاومة اللبنانية، ليحيا لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل