#adsense

أزمة سوق العقارات في لبنان.. خليجيون يبيعون ممتلكاتهم: الأرقام تتكلم

حجم الخط

 

هل حقا أن القطاع العقاري هو آخر الصامدين عندما تشتد الأزمات؟ هناك من يوافق تماما على هذا القول، وهناك من لا يجزم بذلك ويربط الأمر بعوامل معقدة لدرجة لا يمكن معها القراءة بكثير من التأكيد. المشهد هذا نفسه قائم في لبنان اليوم على مشرحة التحليل، يعتبره البعض مؤشرًا إلى مدى تأزم الأوضاع، ويراقب آخرون السياسة ومطباتها لمعرفة اتجاهات العقار وإمكانات الإستثمار. تجمّدت الأسعار عند حدود قد لا تعكس تماما حقيقة العرض والطلب، لكن المشاريع مستمرة والحركة، بشهادة الخبراء، لا تشي بأن الوضع سيّئ بالقدر الذي تتداوله بعض الأخبار. فما حقيقة وضع القطاع العقاري في لبنان اليوم؟

بمجرّد أن تسرّت أخبار عن بيع عدد من الخليجيين عقارات لهم غير مبنية في لبنان، بدأ البعض يخشى من تنامي هذه الوتيرة بما يهدد سلامة القطاع العقاري ويؤدي إلى انهيار الأسعار. صحيح أن عددًا من الخليجيين مستثمرون بنسبة جيدة في القطاع العقاري في لبنان، وصحيح أيضا أن خروجهم في هذا الظرف بالذات حيث القدرة الشرائية للبنانيين إلى تراجع، يوجّه ضربة موجعة للقطاع العقاري الذي أثبت صموده على رغم كل الخضات التي اجتاحت الوضع اللبناني الهش، خصوصا منذ العام 2005 حتى اليوم. وتكبر الخشية عندما ينظر المعنيون إلى المستقبل فيرونه قاتما مما يضع ثقتهم بالقدرة على الصمود في مهب التصدّع.

بين الجمود والصمود

يتأرجح القطاع العقاري اللبناني بين حدّي الجمود والصمود، من غير أن يؤسس ذلك لما يُخشى معه من تراجع وشيك وكبير. وللوقوف على حقيقة الوضع لا بد من مراقبة مسارات هذا القطاع في النصف الأول من العام الحالي 2016 ومقارنتها مع النصف الذي سبق وكذلك مع الفترة المماثلة من العام الماضي. وعليه يتبيّن أن القطاع أنهى النصف الأول من العام 2016 بأداء إيجابي مقارنةً مع الفترة ذاتها من 2015، عقب تصحيح نسبي من حيث الأحجام. فحركة السوق شهدت تحسّناً بعد تراجع معظم المؤشّرات في النصف الأول من 2015.

وبحسب الدراسات المجراة من قبل المراجع المختصة، سلك الطلب العقاري مساراً مقبولا. فعدد المبيعات العقارية ارتفع في النصف الأول من العام 2016 الى 29 ألفا و988 عملية، من 28 ألفا و722 عملية في النصف الأول من 2015، بنسبة زيادة بلغت 4,4 في المئة على أساس سنوي، لكنه بقي أقل من المستوى المسجل في نهاية العام الماضي بعد انخفاضه بنسبة 15,6 في المئة في النصف الأول من العام 2015. غير أن الطلب الخارجي عرف اتجاهاً معاكساً، إذ بلغ عدد المبيعات للأجانب 491 عملية بانخفاضٍ نسبتُه 26,6 في المئة، بحسب أرقام السجلّ العقاري.

بدوره، مؤشر بنك بيبلوس للطلب العقاري في لبنان سجّل تراجعاً بنسبة 12,5 في المئة للفصل الأول من العام 2016، مقارنة مع الفصل الرابع من العام 2015. وشكلت نتائج هذا المؤشر التراجع التاسع الأشدّ له والقراءة الفصلية التاسعة الأدنى بين 35 فصلاً.

ويقول رئيس مديرية البحوث والتحاليل الاقتصادية في مجموعة بنك بيبلوس نسيب غبريل، إن هذه النتائج تدل على أن الطلب على الشقق السكنية في لبنان لا يزال يتأثر بشكل كبير بعدم الاستقرار السياسي، وتباطؤ النمو الاقتصادي والمستوى المتدني لثقة المستهلك. ويضيف أن الأسعار المرتفعة للوحدات السكنية، خصوصاً عند مقارنتها مع متوسط دخل الفرد في لبنان، وعدم الاستقرار الوظيفي وتراجع فرص العمل ساهمت في إبقاء نسبة الطلب على الشقق السكنية عند مستويات منخفضة.

ويلفت غبريل إلى أن ديناميكية السوق تحوّلت منذ العام 2011 من سوق لصالح عارضي الشقق السكنية للبيع إلى سوق لصالح من يريد أن يتملّك وحدة سكنية. وقد تعزّز هذا الاتجاه منذ بدء العام 2014 وانعكس في نتائج المؤشر في الفصل الأول من العام 2016. مستبعداً أن تتغير ديناميكية الركود الحالي للطلب على العقارات السكنية من دون صدمة سياسية إيجابية بحجم إنتخاب رئيس كتلك التي حصلت بعد اتفاق الدوحة في أيار 2008، معتبرأً أن من شأن ذلك أن يخفّض المخاطر السياسية ويرفع ثقة الأسر ويعزز النمو الاقتصادي، وبالتالي المساهمة في رفع الطلب على الشقق السكنية.

وبحسب المناطق فإن الطلب على المنازل من قبل المقيمين في بيروت كان الأعلى في الفصل الأول من العام 2016، وتبعه الطلب من قبل المقيمين في الشمال، وجبل لبنان، ثم الجنوب والبقاع. وانخفض المؤشر في البقاع بنسبة 41,2 في المئة في الفصل الأول من العام 2016، وبنسبة 29,8 في المئة في الشمال. كما انخفض بنسبة 2 في المئة في جبل لبنان، في حين ارتفع بنسبة 6 في المئة في بيروت وبنسبة 6,2 في المئة في الجنوب بسبب ارتفاع الطلب لدى اللبنانيين في المنطقتين.

تحت ظلال الأزمة

هنا يبرز السؤال عمّا أُشيع عن بيع الخليجيين لعقاراتهم وحجم ذلك وتأثيره على السوق؟ ويجيب المتابعون لحركة السوق العقاري في لبنان أن أزمة المقاطعة السياحية الخليجية للبنان انعكست بالطبع على القطاع العقاري، لكنها بقيت ضمن المقبول الممكن استيعابه ولم تصل إلى حدود الأزمة. ويشير إيلي رزق، رئيس هيئة تنمية العلاقات اللبنانية -­ السعودية، إلى أن مواصلة بيع الخليجيين لأملاكهم في لبنان وصلت إلى نسبة 70 في المئة عقارًيا في المناطق الجبلية، و34 في المئة في وسط بيروت. وهو يصف هذه الأرقام بأنها “مخيفة”. لكن في المقابل هناك من يخفف من وطأة هذا التطوّر وانعكاسه على السوق، كون معظم البيوعات طالت عقارات غير مبنية ولم تشمل المنازل، بمعنى أن المستثمر الخليجي خرج من استثمار محدود ولم يخرج من السوق بانتظار استتباب الأوضاع الأمنية والسياسية للعودة إليه، وهو ما لا يدعو إلى القلق على المدى البعيد.

ولا يُنكر متابعو حركة القطاع العقاري أن الأزمة الإقليمية أرخت بظلالها على القطاع في لبنان كما على غيره من القطاعات، كالسياحة والمصارف والتصدير وغير ذلك من النشاط الإقتصادي، وخصوصا في السنتين الأخيرتين اللتين زادت فيهما الأوضاع ترديا في لبنان بسبب التأزم السياسي وأبرز تجلّياته التمنّع عن انتخاب رئيس للجمهورية. واللافت بالنسبة للمطوّرين أن القطاع العقاري اللبناني الذي تميّز بالقوة والنمو المضطرد في عزّ الاضطرابات المحلية التي شهدها لبنان منذ العام 2005، يتأثر اليوم بالوضع المحلي والإقليمي وإن كان حجم التأثر لا يدعو إلى القلق.

وترسو محصّلة آراء هؤلاء على القول إن الأوضاع في لبنان تتسم منذ حوالى أربعة عقود بالصعود والهبوط وبالتوتر والهدوء، فلو دفعنا ذلك إلى القلق والإحجام عن مواصلة النشاط في السوق العقاري لكان البلد اليوم في كارثة. ويعيد هؤلاء التذكير بمقولة معروفة لدى العقاريين: “اشتري ع صوت المدفع وبيع ع صوت العصفور”، ومفادها أنه في الحالات المضطربة يمكن الشراء والبناء بأسعار منخفضة نسبيا ما يؤمن هامشا أكبر من الربح عند البيع في الأوضاع المناسبة وارتفاع الطلب والقوة الشرائية لدى الزبائن.

ويؤكد المعنيون أن الأسعار المنخفضة للأراضي ولمواد البناء خصوصا في النصف الثاني من العام الماضي، شجّعت على مواصلة الإستثمار ولو لم يكن الطلب مناسبا، على أمل أن يتحقق ذلك عند اصطلاح الأوضاع في البلد. ويشيرون إلى أنه إضافة إلى التأزم المحلي فإن الإضطراباب الاقليمية أثرت على مدخرات ومداخيل اللبنانيين المغتربين في المحيط العربي، فباتوا يفضلون الاحتفاظ بأموالهم نقداً بدلا من استثمارها وتوظيفها في الظروف الراهنة. كما أن القطاع العقاري شهد في السنوات الخمس الماضية ارتفاعات جنونية في الأسعار تعدّت معدل الـ25 في المئة سنوياً، وهذه الزيادة في حاجة الى وقت ليستوعبها السوق، وربما نكون اليوم قد دخلنا في فترة الاستيعاب، لأن أسعار الشقق استقرت على مستويات العام 2010 ما سبب ركوداً في الاسواق.

أما عن ارتفاع عمليات بيع الخليجيين لممتلكاتهم وتأثير ذلك على وضع السوق، فيقولون إن السوق العقارية تشهد منذ فترة، موجة بيع الخليجيين لعقاراتهم في لبنان، وتحديدا الاراضي. لكن على رغم ذلك، يبقى وضع القطاع العقاري جيدا، بدليل إتمام عمليات بيع وشراء تتجاوز قيمتها الفردية الـ 20 مليون دولار.

حركة مشوبة بالحذر

ولكن ماذا عن أسعار الشقق وكيف يمكن وصف الطلب في هذه الفترة؟ “المسيرة” حملت السؤال إلى أكثر من مطوّر عقاري ليتبيّن بنتيجة الإجابات أن الأسعار – في الغالب –  استقرت ولم تتراجع. ولكن لأنها لم تواصل ارتفاعها كما في السابق يتبين في الظاهر أنها تراجعت. إذ كان المفترض لو لم تكن الأوضاع سيئة أن تكون أعلى مما هي عليه اليوم. فنسبة الزيادة السنوية في الأسعار خصوصا الشقق السكنية والمكاتب كانت وصلت في السنوات الماضية إلى 25 في المئة وهو رقم مرتفع لا يمكن أن يستوعبه السوق. يضاف إلى ذلك عدم ملاءمة الأوضاع ما فرض فترة تصحيح. وإذا كان الطلب تراجع بعض الشيء للأسباب المعروفة إلا أن الأسعار لم تتراجع لكنها لم تواصل الإرتفاع بالوتيرة المسجّلة سابقا.

وعليه فالقطاع العقاري ليس في أزمة، ولكنه انحسر مقارنة مع اندفاعاته السابقة، علماً أن فترة الركود هذه قد تكون صحيّة للقطاع ومفيدة للبنانيين. ولا بد من التمييز أيضا بين قطاع الشقق وقطاع الاراضي الذي لا يزال مستمراً في الصمود، على رغم أن الطلب تراجع مقارنة مع ما كان عليه في السابق. وعلى سبيل المثال، الابنية الفخمة المطلة على البحر، والتي كان سعر المتر المربع الواحد فيها يساوي 9000 دولار للطابق الاول تراجع اليوم الى نحو 7500 دولار، مؤكدين أن الشقق المسعّرة بشكل غير منطقي وخيالي لا تباع. وهذا ما دفع المطورين إلى تشييد شقق صغيرة لتتناسب وميزانية اللبنانيين متوسطي الدخل، بعدما تبيّن أن الطلب يتجه أكثر إلى هذا النوع من الشقق. فالطلب الذي كان يأتي من الخليجيين على الشقق الكبيرة والفخمة تراجع مع إحجامهم عن الشراء، فيما يحول تراجع قدرة اللبنانيين على سد هذا الفراغ. وبحسب الإحصاءات فإن 97 في المئة من المشترين في السنوات الاربع الاخيرة هم من اللبنانيين، 50 في المئة منهم من المقيمين والنصف الآخر من المغتربين.

لكن أحد المطورين الخليجيين الذي يستثمر في بيروت كان له رأي آخر إذ قال لـ”المسيرة” أن الشقق الكبيرة والفخمة لم تتأثر بالأزمة وأنه يواصل استثماراته القائمة في لبنان وإن كان لا يخطط حاليا لاستثمارات جديدة. ويشرح أن الطبقة المتوسطة وما دون تتأثر بالأزمات لكن زبائن الشقق التي يفوق سعرها المليون ونصف المليون دولار لم يتأثروا لافتا إلى أن الطلب لم يتغيّر على هذا النوع من الشقق حتى الآن.

هذا بالنسبة إلى بيروت، أما عن المشاريع الجبلية فقد أفادنا قسم المبيعات في مشروع “بيت مسك” أن الأسعار لم تتغير منذ سنتين على الأقل وكذلك الطلب. وعرض أن سعر المتر اليوم هو 2350 دولارا كاشفا ان هناك شققاً كبيرة وأخرى صغيرة ومنها مع حديقة أو بدون حديقة ولكل واحدة سعرها. فالشقة بمساحة 187 مترا مربعا سعرها 438 ألف دولار، والشقة 207 أمتار مربعة مع حديقة بمساحة 109 أمتار سعرها 566 ألف دولار. وهناك كذلك شقق بمساحة 148 مترا مربعا بسعر 347 ألف دولار.

وعليه يتبيّن أن الأسعار لم تتأثر كثيرا بالأزمة كون الثقة بالعقار تبقى متينة بطبيعتها حيث يراهن الشاري على أن استثماره سيكون أفضل في المستقبل، ومنهم من هم في حاجة إلى منزل فيقدمون على الشراء بغض النظر عن الأوضاع. وقد ساهمت في ذلك القروض الميسّرة خصوصا المقدّمة من المؤسسة العامة للإسكان والتي وسّعت مؤخرا مروحة المستفيدين من هذه القروض، ما أعاد بعض التوازن إلى السوق على مستوى الشقق المتوسطة والصغيرة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل