القديس أوتل وكفرصغاب وباخرة التيتانيك…

كثيرة هي الأديرة والكنائس التي تنتشر على كافة أراضي بلاد الأرز وتحمل أسماء قديسين لبنانيين وغير لبنانيين. من بين هذه الكنائس واحدة في بلدة كفرصغاب الواقعة شرق مدينة إهدن في أعالي جرود قضاء زغرتا في محافظة لبنان الشمالي، وتحمل إسم القديس أوتل. من هو القديس أوتل؟ كيف عاش حياته على الأرض قبل أن ينتقل الى مصاف القديسين؟ ما هي أبرز العجائب التي صنعها في حياته وبعد وفاته؟ وهل الكنيسة المكرّسة على إسمه في كفرصغاب هي الوحيدة في لبنان والشرق والعالم؟

المعلومات المتداولة وحتى المكتوبة عن هذا القديس العجائبي الذي عاش في القرون الأولى الميلادية قليلة لا بل نادرة، لكن سيرته وعجائبه كثيرة.

منتصف القرن الثالث، ولد القديس أوتل في بلدة المجدل على نهر الخابور شرقي رأس العين في بلاد ليقيا في آسيا الصغرى التي صار إسمها دولة العراق اليوم. منذ صغره إهتدى واعتمد وكرّس بتوليته لله، وعندما قرر والداه الوثنيان تزويجه بهدف إنكار إيمانه بالمسيح هرب الى مدينة بيزنطية بحرًا، حيث باعته مجموعة من المرتزقة الى بحارة بصفة غلام أسير.

رحلة القديس أوتل مع البحارة كانت محفوفة بالمخاطر بسبب هيجان البحر وكاد المركب الذي يقله أن يغرق بمن فيه، إلا أن صلوات القديس أوتل أنقذته مع البحارة الذين آمنوا ومجدوا يسوع المسيح وباتوا من أتباعه.

بعد وصوله الى بيزنطية إنتقل أوتل الى أنطاكية ومكث فيها فترة من الزمن قبل أن يتنسك في أحد أديار مدينة القسطنطينية لمدة عشرين عامًا. وبعد وفاة والديه عاد الى وطنه ليدخل سلك رهبنة القديس مَلكا القلزميّ الذي تتلمذ على يديه ورافقه مدة 22 عامًا وكان شاهداً على عدد من المعجزات التي صنعها أهمها شفاء رجل وثني كان مصاباً بداء الآكِلة، فكانت تلك الأعجوبة كافية لاعتماد آلاف الوثنيين في ذلك الوقت. رقد القديس أوتل على رجاء القيامة عام 327 م بعد أن اعتزل في أيامه الأخيرة داخل صومعة تقع في إحدى الغابات، وكان يناجي ربه بالصلاة والصوم والتقشف وبصنع الأعاجيب من شفاء مرضى وطرد النفوس الشريرة.

تُعتبر الكنيسة التي شيّدت على إسمه في بلدة كفرصغاب الوحيدة التي تحمل إسم القديس أوتل في لبنان والشرق. أما الكنيسة الثانية فشُيِّدت في إيطاليا وهي كنيسة قديمة العهد والبناء. تأسست هذه الكنيسة عام 1470 م وأعيد ترميمها عام 1776 م على عهد أحد شيوخ البلدة أبو يوسف الياس، لكنها لم تكن المرة الأخيرة التي يعاد فيها ترميمها، إذ توالت أعمال الترميم والإضافات على الكنيسة وجوارها. مثلاً في العام 1996، وبعد وضع تمثال القديس أوتل الحجري على الطريق المؤدية الى كنيسته، تم بناء قاعة صغيرة الى جانب الكنيسة على إسم القديس، خُصصت للاحتفالات التي تقام لمناسبة عيده. وفي العام 2010 تم توسيع باحة الكنيسة ومحيطها وبناء مذبح خارجي لإقامة الصلوات في أسبوع عيد القديس أوتل. أما الترميم الأخير فتم في الصيف الحالي، حيث قامت لجنة وقف رعية كفرصغاب بإعادة ترميم الكنيسة من الداخل مع الحفاظ على الطابع الحجري التراثي ـ القديم للدير بعدما كانت جدرانه مطلية بالدهان الأبيض.

يمكن الوصول الى كنيسة القديس أوتل من جهتين: جنوبية وهي المواجهة لبلدة “بان” في قضاء بشري، وغربية لجهة إهدن. وما أن يدخل الزائر يلاحظ على يمينه فاصلاً خشبياً كان يجلس أمامه الرجال، والنساء من ورائه خلال إقامة الذبيحة الإلهية. ويطلق أبناء كفرصغاب على هذا الفاصل لقب “الشعريّة” التي يعود تاريخ إنشائها الى العام 1795 على يد كاهني البلدة الأبوان جبرائيل وابراهيم. وترتفع في وسط الكنيسة قبة حجرية وجرس لم يصمت على رغم كل الظروف.

أما المذبح الذي تُرفع عليه الصلوات والقرابين، فتعلوه صورة صاحب المقام مار أوتل، والى جانبه لجهة الكنيسة الشمالية يرقد بعض كهنة البلدة بالرب، وقد تم العثور على رفاتهم خلال عملية الترميم الأخيرة.

والجدير ذكره أن كنيسة القديس أوتل لا تضم “سكرستية” حيث توضع لوازم الكاهن والكنيسة، وجرت العادة أن يرتدي الكاهن لباس القداس ويوزع الكتب الدينية على مقاعد المؤمنين قبل دخولهم إليها.

في الكنيسة نافذتان صغيرتان تسمحان للمؤمنين بالمشاركة في الصلاة من خلالهما والتبرّك عندما تكون الكنيسة مقفلة، خصوصًا في فصل الشتاء حيث يكسو الثلج المنطقة التي تفرغ من الكفرصغابيين الذين ينزحون شتاءً نحو مناطق الساحل.

العيد الرسمي للقديس أوتل في 3 حزيران، أما رعية كفرصغاب فتحتفل بعيده في 27 آب من كل سنة وهو التاريخ الذي صنع فيه القديس أعجوبة شفاء أبناء القرية من مرض “الطاعون” خلال الحرب العالمية الأولى، حيث طاف حينها أهالي القرية والكهنة بصورة القديس أوتل في أرجاء البلدة، وكانت الأعجوبة. وتبدأ الاستعدادات لعيد القديس في كفرصغاب قبل أيام عدة بحيث تقام صلاة التساعية والقداديس والسهرات الإنجيلية التي تختتم بألعاب ترفيهية للأطفال.

ليلة العيد في 26 آب يُحتفل بالذبيحة الإلهية في باحة الكنيسة بحضور النائب الأسقفي على أبرشية جبة بشري المارونية ورعايته ويعاونه لفيف من كهنة البلدة والمنطقة وبعض الرهبان الموارنة والشمامسة. ويلي القداس الاحتفالي عشاء قروي وسهرة فنية. وفي يوم العيد في 27 آب تقام عدة قداديس وسهرة دينية ـ فنية مساء تشهد في خلالها بلدة كفرصغاب عجقة ناس ومؤمنين يؤمون البلدة للاحتفال بعيد القديس أوتل وزيارة الكنيسة العريقة وطلب ما يشاؤون منه. فمن سمع بسيرة القديس وأعاجيبه من أبناء القرى المحيطة في جبة بشري وزغرتا والشمال، وحتى من العاصمة بيروت، يأتون لزيارة الكنيسة والتعرف أكثر الى القديس. ولا تقتصر زيارات الحج على اللبنانيين حيث يقصد مغتربون من الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا التي تضم جاليتها الكفرصغابية نحو 1500 شخص. وقد أسسوا “جمعية مار أوتل بالأمانة ـ أستراليا”.

القديس أوتل هو شفيع المهاجرين والمسافرين وصورته محمولة ومحفورة في قلب ووجدان كل من يستقل طائرة أو باخرة أو قطارًا أو سيارة. والآيات التي صنعها خلال حياته وبعد انتقاله الى الموطن السماوي الأحق والأجمل عديدة، ومن أهمها تلك الآيات التي حصلت مع أبناء كفرصغاب، والتي لا يزال يتناقل الأهالي سيرتها حتى اليوم خلال كارثة غرق باخرة “التيتانيك” في نيسان عام 1912 حيث يروى أنه كان يوجد على متن تلك السفينة 36 شخصاً من بلدة كفرصغاب، أصيب أحدهم بالتهاب حاد في “ضرسه” وبدأ يصرخ من الألم فقرر قبطان السفينة رمي جثته في البحر في حال وفاته حتى لا تنتقل العدوى الى باقي الركاب. واحتار الكفرصغابيون يومها بأمره وبدأوا الصلاة لشفيعهم القديس أوتل. وما أن وصلوا الى أحد الموانئ حتى أمر القبطان بإنزال المريض وإبقائه على المرفأ ريثما تتم معالجته إذا كان هناك من أمل في الشفاء. رفاقه دخلوا لحظتها في “معمعة” منهم من رفض البقاء معه ومنهم من أراد إكمال الرحلة، لكن بعد طول نقاش وصلوات لمار أوتل ارتأوا البقاء مع إبن بلدتهم، مما أنقذهم من الموت المحتم الذي طال معظم ركاب السفينة وطاقمها بعد ارتطامها بجبل الجليد وغرقها. أما الكفرصغابي الذي كان على شفير الموت، فشفي في ما بعد وعاد مع أصدقائه الى لبنان.

وبقي أهالي كفرصغاب يصلون للقديس: “نسألك أيها القديس أوتل أن تستمد لنا من الله نعمة الثبات في الإيمان الحق والشهادة الصادقة أمام جميع الناس ليروا ويؤمنوا. إمنحنا عافية النفس والجسد، واجمعنا بك وبالعذراء مريم الكلية القداسة وجميع القديسين في حِمى الثالوث الأقدس، لنسجد له ونمجده ونشكره معك الى الأبد”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل