كنا هناك ــ فلفلي: حملت السلاح ابن 16 سنة وشاركت في معظم المعارك

كتبت كريستين صليبي في “المسيرة” – العدد 1523

في أواخر العام 1975 حمل فريد فلفلي السلاح للمرّة الأولى وهو لا يزال في 16 من عمره، اعتمر قبعة القتال وارتدى البزة العسكرية وخرج إلى ساحات المعارك والقتال ليدافع عن القضية التي آمن بها وحملها في قلبه. في الشياح بدأ فريد يخطّ مسيرته العسكرية التي أقلّ ما يُقال عنها أنها شاقة، وعلى رغم تفرّغه للعمل العسكري لم يتوقّف يوماً عن الدراسة. أراد أن يحمل شهادة في الهندسة المدنية من بلجيكا لكن روح القتال وهوية المقاوم وإيمانه العميق بالقضية أعادوه إلى أحضان لبنان، إلى قلب المعارك فتخلّى عن الشهادة الجامعية ليحمل شهادة من نوع آخر. هو الرجل الخمسيني الذي ترتسم في عينيه ذكريات بعضها جميل وبعضها مرٌّ سرد لنا قصّة حياته.

يخبر فريد “تركنا منزلنا في القوزح (قضاء بنت جبيل) وانتقلنا للعيش في الشيّاح عام 1970 لأنّ والدي توظّف في المطار. كنت آنذاك تلميذاً في مدرسة دير مار شربل في الجيّة، وهي مدرسة داخلية، كنت أزور أهلي في عطلة الأسبوع فقط، فيما شقيقاتي تعلمن في ثانوية “مدام عون” في عين الرمانة.

عندما وقعت الحادثة المشهورة في 13 نيسان 1975 كان فريد حينها في المدرسة “سمعت الخبر وتحمّست لكن في الوقت نفسه خفت على أهلي، عندما انتهى العام الدراسي وبدأ فصل الصيف عدت إلى منزلي في الشياح، ومن حينه بدأت أرسم مسيرتي العسكرية. كنت أتردّد إلى مركز “الكتائب” في الشياح وأشارك في التدريبات على استعمال السلاح كما في التمارين الرياضية. انتهت الصيفية ولم تحصل حرب بالمعنى الحقيقي للكلمة بين اللبنانيين والفلسطينيين. ذهبت مع والدتي لأتسجّل في العام الدراسي الجديد، وخلال وجودنا في المدرسة وقعت المعارك في الجيّة والدامور فعلقنا والدتي وأنا في الدير، وهذا كان مصير الكثير من العائلات والأولاد. بقينا في الدير 4 أيام بسبب شدة المعارك، فكنا نسمع القصف وإطلاق النار بما أنّ الدير كان قريباً جدّاً من الجبهة. نقل الرهبان والمسؤولون جميع الأولاد وأهلهم والعائلات إلى قصر المكاوي قرب قصر الرئيس كميل شمعون في السعديات فيما نقلو القسم الآخر نقلوهم دير مشموشة كما شرح فريد.

وأضاف: “بعد المعركة سقطت الدامور والجيّة في يد العدو أما نحن فبقينا 4 إلى 5 أيام محاصرين في السعديات ثم نقلونا بحراً إلى مرفأ جونية فاستقبلنا الرهبان في دير الكسليك. استطعنا والدتي وأنا أن نعود إلى منزلنا في الشياح، تأثّرت كثيراً لما حصل معنا، رأيت قوافل من الناس تتهجّر من بيوتها من دون أن يكون لها ذنب في ما حصل، تركوا أرضهم ورزقهم وحياتهم ومنازلهم وتهجّروا، منهم من تشتّت ومنهم من افتقر بسبب الأوضاع وبعضهم خسر منزله والأخرون خسروا أموالهم وومتلكاتهم. كانت كارثة، مشاهد مبكية ومؤلمة”.

عندما عاد فريد إلى الشياح بدأ يتردّد إلى مركز المطاحن، إحدى الجبهات التي فُتِحَت بين الكتائب والفلسطينيين، “تعلّمت على يد صقر صقر (من عين إبل – الجنوب، انتقل إلى بيروت بسبب الحرب)، بدأت مقاومتي في الثكنة كحارس على الجبهة، مع الوقت بدأت أتعلّم كيفية استعمال السلاح وإطلاق النار، ودخلت جوّ القتال رويداً رويداً”.

عن أوّل سلاح استعمله قال فريد: “في البداية استعملت M1 وأيضاً الرشاش التركي، كانت القيادة تسمح لنا باستعمال الأسلحة المتوافرة في المركز شرط إبقائها فيه عند انتهاء خدمتنا لأن الأسلحة لم يكن عددها كافيًا لكلّ الشباب، أضف الى ذلك أنه لم تكن لدي القدرة المالية لشراء سلاح خاصّ بي”.

أوّل مرّة أطلق فيها فريد النار على العدو تأثّر كثيراً، وشرح “شعرت بالخوف، بالتردّد، شيء من التراجع، حتى أنني في اليوم التالي لم أذهب إلى الجبهة لا بل بقيت في المنزل. كان شعوراً جديداً الانتقال من تلميذ مدرسة إلى مقاتل يطلق النار على الجبهة في غضون أيام فقط. هذا التحوّل السريع ولّد في داخلي شعوراً من التراجع. لكن القضية التي حملناها كمسيحيين في قلوبنا دفعتني لحمل السلاح من جديد والعودة إلى الجبهة ومساندة الرفاق في الدفاع عن الوجود المسيحي، عن كياننا، عن أرضنا، هذه القضية كانت الحافز لإكمال المسيرة العسكرية”.

ويضيف فريد: “عندما قررت دخول صفوف المقاتلين واجهت رفضاً شديداً من والدتي. فأنا كنت وحيداً بين أربع بنات، ولم تكن تريد خسارتي. لكن مشاهدات حرب الدامور التي ترسّخت في رأسي والشهداء الذين سقطوا في تلك المعركة دفعوني وبصلابة لحمل السلاح. هذه المشاهدات ولّدت لديّ نوعاً من الانتقام لهذا الواقع المرير”.

انتقل فريد عام 1976 إلى نمور الأحرار وأرسلته القيادة إلى دورة تدريبية في جرود كسروان استمرّت 21 يوماً حيث كان المدرّبون من مغاوير الجيش، وكانت التدريبات تتضمن القتال الفردي والزحف والتمارين الرياضية ومعمودية النار. تخرّج فريد ورفاقه من الدورة فأرسلتهم القيادة فوراً إلى ثكنة الشهيد نعيم بردقان ليبدأوا خدمتهم على الجبهات ثم أقاموا مركزاً لنمور الأحرار في “شارع غنّوم”.

إثر دخول قوّات الردع العربية هدأ الوضع قليلاً بسبب الهدنة التي أقامتها. ويتذكّر فريد “خلال هذا الوقت خضعت لدورة خارجية، وكلما هدأ الوضع كنت أذهب إلى “ثانوية سعيد” في فرن الشباك لمتابعة دراستي، فعلى رغم الحرب والظروف القاسية أبقيت على أملي في الحصول على شهادة”.

بين العامين 1977-1978 وقبل وقوع حرب الـ100 يوم، خضع فريد مرّة جديدة لدورة تدريبية خارجية. يصمت، يضحك ضحكة ساخرة ويسرد “فور عودتي إلى لبنان وقعت حرب الفياضية بين الجيشين اللبناني والسوري، استنفرنا في عين الرمانة بما أنّ السوريين كان لهم مركز في المنطقة. واندلعت أوّل معركة بين عناصر حزب الكتائب والأحرار من جهة والسوريين من جهة أخرى، من دون أمر أو علم من قياداتنا العليا، تحمّس الشباب وأرادوا أن يدعموا الجيش ففتحنا النار على مركز السوريين بهدف التخفيف من الضغط على الجيش. استمرّت المعركة 4 ساعات لإسقاط مركز السوريين. غضبت قيادتا الحزبين من قرارنا ومن كوننا أقدمنا على الخطوة من دون العودة إليهما. توقّفت المعركة في الفياضية بين الجيشين فيما استمرّ القتال في عين الرمانة وانتقل إلى خارجها أي الشفروليه والصحّة وخطّ صيدا القديم ومن جهة الحازمية”.

يسكت فريد وتدمع عيناه ويتابع بغصة وحسرة معًا: “انتهت المعارك واندلعت حرب الـ100 يوم في الأشرفية حيث تعرّضت المنطقة والسكان فيها إلى شتّى أنواع القذائف والقصف، كانت مشاهد مخيفة، الشهداء على الطرقات، والمباني تتدمر. الصعوبة في هذه الحرب كانت في القصف الهمجي الذي أمطرنا به الجيش السوري، صواريخ، راجمات كبيرة. حجم الهجوم كان كبيراً. أوّل 24 ساعة شعرنا بالخوف فالدمار كان هائلاً منذ بداية المعركة. صحيح أننا كمقاتلين كنا قد رأينا الكثير من المشاهد الدامية، وعشنا مآسي التهجير، لكن مشهد حرب الـ 100 يوم في الأشرفية كان مختلفا في همجيته ووحشيته. أكثر ما أثّر بنا هم المدنيون الذين سقطوا شهداء على الطرقات ولم تكن لدينا سيارات إسعاف لنقلهم إلى المستشفيات، كنا ننقلهم في سيارات عادية هذا إذا سمح لنا الوضع بنقلهم”.

أضاف: “واجهنا جيشاً كاملاً مكتملاً من حيث العديد والعتاد لكننا صمدنا، وقاومنا، وواجهنا من دون خوف أو تردّد، وعلى الرغم من عدم وجود توازن في الأسلحة والقوى، صممنا على ربح المعركة وردّ السوريين عن المنطقة. الشباب لم يتخلوا عن الجبهة على رغم إصابة بعضهم التي كانت بليغة في بعض الأحيان، وأذكر الرفيق “أبو عرّاج” (لقبه) الذي بقي يقاتل وكانت الدماء تغطي جسمه إثر الإصابة التي تعرّض لها. كان السوريون بدأوا يتقدمون علينا في الأشرفية أقمنا هجوماً معاكساً فهزمناهم شرّ هزيمة واستردينا المنطقة وكبدناهم خسائر فادحة. هذا كان أوّل احتكاك مباشر لي كمقاتل وهو كان تمريناً قاسيًا يوازي كل التدريبات والدورات التي خضعت لها سابقاً”.

انسحب السوريون من الأشرفية بعد انتهاء الحرب فاستمرّت الجبهات عادية إلى أن أعلنوا قيام “القوّات اللبنانية” بهدف توحيد البندقية فجمعوا فيها كل شباب الكتائب والأحرار وحرّاس الأرز وكل التنظيمات المسيحية المسلّحة.

ابتسم فريد قائلاً بفخر: “أنا، فريد فلفلي، كنت من أوّل 50 عنصراً من نمور الأحرار الذين انتقلوا إلى “القوّات اللبنانية” بإيعاز من قيادة الحزب، شكّلنا 150 عنصراً من كل الأحزاب وكنا نواة “القوّات”، أما مركز القيادة فكان في بدارو”.

أواخر العام 1980 التحق فريد بثكنة كسارجيان، ويروي: “كنا ما يقارب 1200 شاب مقاوم، هنا بدأ تنظيم “القوّات اللبنانية” كعسكر فيه تراتبيات وألقاب وكتيبة وسرايا. كنا نقيم التدريبات والدورات للمبتدئين وللقدامى أيضاً، ومع الوقت أصبحنا مجهّزين ومسلّحين تسليحاً كاملاً، أصبحنا جيشاً منظّماً لديه بزة عسكرية موحّدة وكل عنصر له تذخيره وسلاحه، مما خلق لدينا أملاً بإمكانية صد أي هجوم يقوم به مطلق أي عدو على وطننا ويهدّد وجودنا وكياننا. وأذكر أننا كنا نحتفل بالذبيحة الإلهية في ثكنة كسارجيان، فإيماننا ومعتقادتنا المسيحية كانت ركيزة مقاومتنا وصلبها، المشهد لا يزال يتوارد إلى أفكاري، تصوّروا عسكراً كاملاً يحتفل بالذبيحة الإلهية داخل الثكنة، شباب مؤمنون، فقتالنا كان نابعاً من إيماننا وصلاتنا”.

ويتابع: “عام 1982 وقعت معركة كليّة العلوم. كنت من فرقة المشاة، أخذت القوّات على عاتقها استرداد كليّة العلوم من الفلسطينيين والسوريين. بدأ الهجوم عند الـ7 والنصف صباحاً واعتمدنا عنصر المفاجأة، اقتحمنا المبنى وبعد المعركة التي خضناها في داخله استرديناه. استشهد عنصران من الرفاق من خارج من ثكنتنا، صودف أنهما تحمّسا للمعركة وأرادا أن يشاركا معنا فكان مصيرهما الاستشهاد. في اليوم التالي أصيب أحد الشباب من ثكنتنا قنصاً من حيّ السلم. عدنا إلى الثكنة بعد تسليم الكليّة إلى عناصر مركز فرن الشباك”.

أصبح فريد كالكثير من المقاتلين متفرغاً للعمل العسكري فكانوا يقضون معظم أوقاتهم داخل الثكنة ويذهبون لزيارة أهلهم والاطمئنان عليهم.

في تموز من ذاك العام طلبت القيادة من عناصر ثكنة كسارجيان التوجّه إلى بحمدون، “أخذونا كدعم لمعركة “القرية – قبيع- الشبانبة”. في طريقنا إلى المعركة توقفنا في قبيع وتمركزنا في دير راس الحرف، قسم آخر منا توجّه إلى صوفر حيث أقاموا حاجزاً. أقمنا جبهة من أسفل منطقة قبيع، خلال المعركة استشهد الرفيق “أمين أسود”. لطالما كنا نتوجّه إلى المعركة بروح النصر واضعين نصب أعيننا الهجوم والربح لو مهما كلّفنا الأمر”.

عن استشهاد الرئيش بشير الجميّل قال فريد: “بعد قيامي بدورة في بيت الدين للشباب كوني كنت آمر حضيرة عدت إلى بحمدون ثم تلقينا خبر استشهاد الشيخ بشير الجميّل وهي كانت نكسة كبيرة لنا، كنا نعيش بحلم مع بشير الجميل، حلم جمهورية البشير، لكن بعد استشهاده استفقنا من هذا الحلم وما عادت الأمور كما كانت. بدأنا نشعر بقلق وبتنا نتساءل إلى أين ستذهب الأمور؟ ما هو مصيرنا بعد موت بشير الجميّل”؟.

شارك فريد في العديد من الجبهات والمعارك كانت أهمّها حرب الجبل وعنها يخبر: “وقعت معركة بريح فتوجهنا كفرقة من ثكنة كسارجيان لتثبيت الجبهة كنا ننتقل برّاً ونخدم هناك، كانت لا تزال الطرقات سالكة في الجبل. ونحن متواجدون على الجبهة وقعت معركة المطلّة – مزرعة الضهر في الشوف، أمرتنا القيادة بالتوجه فوراً إلى المنطقة، كنا 30 شاباً نزلنا إلى الحوض الخامس فانتقلنا بالطرّادات السريعة إلى شاطئ الجيّة بكامل عتادنا ثم صعدنا في باصات كانت تنتظرنا. أفادتنا حينها القيادة بأن الإسرائيليين كانوا قد أقاموا حاجزاً لهم في منطقة علمان سيمنعونا من إدخال أسلحتنا. وضعنا عتادنا وأسلحتنا في شاحنة يقودها رجل يعرفه الإسرائيليون جيداً ولديهم ثقة به، وضعناهم تحت الأغراض وغطيناها بشرشف. توجّهنا في بزاتنا العسكرية كعناصر إلى المعركة والشاحنة لحقت بنا، واستطعنا دخول المنطقة لكن من دون سلاح توجّهنا إلى دير المخلص حيث انتظرنا حتى وصول الأسلحة. استطاع سائق الشاحنة أن يمرّ من دون أن يدقّق عناصر الحاجز الإسرائيلي في تفتيش شاحنته. أخذنا أسلحتنا وانقسمنا قسمين: قسم ذهب إلى المطلّة وأخرون إلى مزرعة الضهر، لم نكن نعلم ما الذي ينتظرنا. وأدركنا أننا كنا نواجه جهنم”.

وتابع: “كانت الاشتباكات تدور بين عناصر “القوات اللبنانية” من جهة والدروز والفلسطينيين من جهة أخرى، الصعوبة كانت في دخولنا إلى منطقة لا نعرفها. استمرّت المعركة 17 عشر يوماً، لم يكن معنا حتى ثياب لتبديلها. افتقرنا في البداية إلى الأكل والذخيرة لكن سرعان ما أرسلت لنا القيادة مجموعات كبيرة من القّوات لدعمنا. ربحنا المعركة على رغم صعوبتها والمشاكل التي واجهناها”.

في 6 شباط 1983 وقعت معركة بين الجيش وحركة أمل، يلفت فريد “انسحب الجيش بعد وقوع انقسام داخل اللواء السادس فتسلمنا الجبهة وواجهنا حركة أمل، ثبتنا الجبهة وربحنا المعركة. بعد انتهاء المعركة طلب “الضابط يوسف طحّان” اجتماعاً بقائد ثكنتنا طوني أبو جودة، ذهبت معه إلى الاجتماع وكنا نشرح له على الخارطة عن وضعية المواقع. خلال الشرح دخل قائد الجيش آنذاك العماد ابراهيم طنّوس، لم يتعرّف إلينا على الرغم من أننا كنا نرتدي البزة العسكرية، فقال للضابط طحّان “أهمّ شي ما بدي ياك تتعامل مع “القوّات اللبنانية”، ما بدي ولا اتصال فيهم”. غمزنا طحّان كي لا نرد عليه، وعندما خرج طنوس ضحكنا، نسّقنا مع طحّان لتسليمه الجبهة ثم استلمنا جبهة أخرى”.

ويضيف فريد من سجلات الذاكرة: “عندما بدأت بوادر وقوع حرب الجبل طلبت منا القيادة التوجّه إلى أدونيس كثكنة كسارجيان لاستلام الجبهات، كنا أوّل كتيبة مؤلّلة، لدينا ملّالات. أرسلتنا القيادة إلى دورة في اللقلوق هي كناية عن تدريبات على اقتحام التلال بالملّالات وكيفية قيادتها واستعمالها والتأقلم معها. أقمنا بعدها مناورة في اللقلوق ثم رماية حيّة في وطى الجوز كما أننا اقتحمنا بعض القرى من دون إطلاق الرصاص. عندما عدنا إلى الثكنة جهّزنا أنفسنا وانتقلنا إلى بحمدون لنتسلم المكان حالما ينسحب الإسرائيليون، تمركزنا في راس الجبل حيث تقع في المقابل تلّة “888” وهي تُعدّ مركزًا استراتيجيًا لنا.  ليلة انسحاب الإسرائيليين أقمنا مجموعتين من الشباب، زحفنا داخل قنوات المياه مع عتادنا، وفور انسحاب آخر آلية للإسرائيليين أعلمنا الشباب على اللاسلكي وأعطونا الضوء الأخضر لاحتلال التلّة. عندما رآنا الإسرائيليون نقتحم التلّة وقفوا في نصف الطريق لمنع آلياتنا من الوصول إلينا. اشتبكنا مع مقاتلين محليين وأطلقنا النار عليهم لأننا كنا قد سبقناهم إلى التلّة. في الوقت نفسه اشتبك الشباب مع الإسرائيليين لكي يسمحوا لهم بالمرور لكن في النهاية استطعنا الوصول بالآليات إلى التلّة ودعم الجبهة هناك”.

وأضاف: “بعد كثافة في إطلاق النار سيطرنا على التلّة واستمرّت الاشتباكات حتى اليوم الثاني ظهراً، بعد الانتهاء من المعركة التي ربحناها أرسل الجيش اللبناني اللواء الثامن بقيادة ميشال عون سلّمناه التلّة وتوجّهنا إلى المحور الثاني أي “أوتيل كامل” في تلك المعركة أصيب بعض الرفاق. ووردنا أمر بإخلاء المنطقة وتسليمها للجيش والانسحاب إلى ثكنة كسارجيان حيث أعلمتنا القيادة أنه لدينا فقط 24 ساعة للراحة لأننا في اليوم التالي كنا سنتوجه إلى معركة أخرى. في اليوم التالي نقلونا من الحوض الخامس إلى ثكنة المشرف هناك أخبرونا أننا سنقاتل على جبهات كفرمتى – عبيه – قبر شمون، علمنا أن الحكيم وبعض الشباب كانوا محاصرين في عين تريز. اجتمعنا بفؤاد أبو ناضر فأعلمنا أنّه لدينا فقط 18 ساعة لنصل إلى محور قبر شمون، أحد الضباط رفض ذلك لأننا لم نكن نتمتع بأي تغطية لحمايتنا. لكننا قررنا دخول المعركة حتى من دون تغطية، فنحن لم نكن لنتخلّى عن رفاقنا لو مهما حصل. عندما وصلنا إلى تخوم قبر شمون وقعت المفاجأة، توقّف الهجوم بأمر من مسؤولي المنطقة، هذا سرّ لا نزال لليوم لا نعرفه. دخلنا معركة من دون تغطية، خاطرنا بحياتنا ليوقفوا المعركة؟ هذا ما جعل العديد منا يشكّ في نوايا البعض”.

غصّ فريد مرّة أخرى وأدمعت عيناه “خدمنا على الكثير من الجبهات، جبهة تلو الأخرى، لم نكن نرتاح، للأسف أننا خسرنا حرب الجبل ما أصابني بإحباط وحزن، كل تضحيات الشباب والأهالي، التهجير الكبير الذي حصل، حزنت كثيراً”.

 

لم يوقف فريد الدراسة يوماً وفي العام 1979 حصل على شهادة الثانوية العامة في العلوم الاختبارية، وبعد حرب الجبل عام 1984 اتخذ قراراً بالسفر إلى بلجيكا بهدف الدراسة في إحدى الجامعات. ساعده أحد أقربائه في بلجيكا على دخول الجامعة. خضع لفحص القبول ونجح بتفوّق على الرغم من أنّه كان قد أوقف الدراسة مدّة 5 أعوام. تسجّل فريد في كليّة الهندسة المدنية، أكمل سنته الأولى وعند انتهاء السنة الثانية أتى إلى لبنان لزيارة أهله. “تفاجأت بالتغيير الذي كان قد حصل داخل “القوّات اللبنانية”، التنظيم الجديد، تسليمها لرجل حكيم، وجود الدكتور سمير جعجع على رأس القوّات أعاد لي الأمل وروح المقاوم والمقاتل”. استمرّت زيارة فريد للبنان شهراً عاد بعدها إلى بلجيكا فبقي هناك 8 أشهر لكن كل تفكيره كان في لبنان، لم يستطع إكمال تحصيله الجامعي، كانت ترتسم برأسه مشاهد الرفاق في المعارك وتدغدغ أفكاره المعارك وروح القتال.

عام 1988 عاد فريد نهائياً إلى لبنان وأكّد “لم أندم على قراري أبداً على الرغم من أنني خسرت شهادة في الهندسة المدنية التي كانت ستفتح أمامي طريق النجاح، لكن القضية نادتني من جديد، فأنا لم ولن أخرج من روحية قضيتنا”.

شارك فريد في حرب التحرير كما في حرب الإلغاء حيث أُصيب منذ اليوم الأوّل إصابة بليغة في رجله جعلته يبقى سنة كاملة يخضع للعلاج. “كنت أجهّز مدفع الـ106 للقصف، فتحت مكان وضع القذائف لأضع قذيفة، استدرت لأخذ واحدة لكنني لم أجدها، اكتشفنا أنّ القذائف وقعت على الطريق، ضحكنا كثيراً لكننا عدنا فوراً أدراجنا للمّها عن الطريق”.

مرّ فريد خلال الحرب بالكثير من الظروف الصعبة، التهجير، الجوع، الخطر، المدنيين الذين سقطوا شهداء لكن أقسى المشاهد بالنسبة له كانت “حرب الأخوة بين “الكتائب” و”الأحرار” كما حرب “القوّات اللبنانية” والجيش اللبناني، فهذه الحروب جعلت البيت الواحد ينقسم على نفسه”.

عندما انتهت الحرب أعطى فريد دروساً خصوصية في مادّة الرياضيات “كانت مصدر عيشي لكنني مع الوقت فقدت النظر في إحدى عيني فخسرت معها عملي. وفي العام 2010 انتخبت رئيساً لبلدية القوزح لكنني خسرتها بعد 4 أشهر بسبب الطعن في نتائج الانتخابات”.

يلفت فريد “لم أصب بخيبة أمل بسمير جعجع كشخص لأنّه إبن القضية، كان يمتلك خيار ترك لبنان والعيش خارجاً بنعيم لكنه بقي ودخل المعتقل مع الشباب دفاعاً وإيمانا بهذه القضية. ما من أحد يستطيع المزايدة عليه وهذا الموقف منه جلعني غير نادم على قراري العودة إلى لبنان”.

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل