
انطلاقاً من وقائع مداولات وسجالات طاولة الحوار الاخيرة والاجواء المحمومة التي عرفتها وصولاً الى اعلان الرئيس نبيه بري تعليق جلسات الطاولة، ثمة جملة من الحقائق التي بات بالامكان التوقف عندها وفق الآتي:
اولاً: وصول العلاقة بين الفريقين المسيحيين الاساسيين في “8 اذار” اي “التيار الوطني الحر” و”المرده” الى مرحلة من التوتر والمواجهة السياسية المفتوحة لا بل الانقسام الحاد في المواقف، ما انعكس مزيداً من التشنج بين المكونين من جهة، ومزيداً من الإحراج لـ”حزب الله” الذي لا يزال الى الآن يحاول اللعب على توازن علاقته بحليفيه المسيحيين من جهة ثانية.
ثانياً: اقدام الرئيس نبيه بري على استباق الوزير جبران باسيل، لا بل على المزايدة عليه باعلان تعليق اعمال طاولة الحوار، وان كان في ظاهره ترجم بانه موقف حاد من الرئيس بري الا انه اشبه ما يكون بالموقف المخرج او السيناريو، لا بل يمكن اعتبار ما جرى مناورة سياسية ذكية لتخفيف احراج “حزب الله” الذي وكما تشير المعلومات من داخل طاولة الحوار، التزم السكوت اثناء السجال بين باسيل وفرنجية، ليختم النائب محمد رعد بمداخلة خجولة لا ترقى الى مستوى دعم موقف الوزير باسيل.
فتعليق الحوار من قبل الرئيس بري أشبه ما يكون بالاستجابة لما طرحه النائب رعد من دعوة لتأجيل الاجتماعات للتشاور واجراء الاتصالات، وفي الوقت عينه استيعاب لورقة ضغط العماد ميشال عون على بري والمتحاورين من حلفائه وفي طليعتهم “حزب الله”، لتحويلها الى ورقة ضغط على عون، فانتزع بذلك الرئيس بري تأثيرات انسحاب “التيار” من الحوار وافقد الخطوة قوتها الصادمة.
ثالثاً: ان تعليق اعمال الحوار والوصول الى المواقف التصادمية، من كل حدب وصوب على الطاولة، ليس سوى من النتائج الحتمية والمتوقعة والمنتظرة للخروج الكلي عن روحية الدستور والنظام الجمهوري البرلماني، بحيث بدأت الازمة تتدحرج مع بداية الشغور الرئاسي وانتقالها الى تعطيل التشريع والمراقبة وصولاً الى تعطيل الحكومة التي باتت اشبه بحكومة تصريف اعمال رغم عدم استقالة رئيسها تمام سلام الى الآن، ما يعني ان الازمة وان كانت قد بدأت بالظاهر ازمة انتخاب رئيس جمهورية الا انها في حقيقة الامر لم تكن منذ البداية الا ازمة “وطنية” بكامل ابعادها لتصبح اليوم ازمة حكم ونظام… وبالتالي وبطبيعة الحال ازمة ميثاقية…
رابعاً: في موضوع الميثاقية لا بد من الاشارة الى ان القاعدة الدستورية واضحة لجهة وجوب تمثيل المسيحيين والمسلمين مناصفة في مناصب الدولة والوظيفة العامة كافة ، لكن الاشكالية هي ان الطوائف والمذاهب ومنذ العام 2000 اقله باتت ممثلة بقوى سياسية واحزاب تختصر وجودها وتستأثر بتمثيلها بحيث اصبحت ميثاقية الحكم والمشاركة في الحكم رديفة لميثاقية تمثل تلك القوى والتيارات والأحزاب الساسية في الحكم ومعيار مقياس ما اذا كان ثمة ميثاقية ام لا.
صحيح ان الدستور تكلم عن ميثاقية بمعزل عن القوى والاحزاب والتيارات السياسية من الوان طائفية معينة، لكن الصحيح ايضاً ان حكم الامر الواقع السياسي والوطني الذي افرزته المعادلات الداخلية بات هو المستحكم بالمشهد الوطني والمرجع لقياس الميثاقية بناء عليه.
فكل الاشكالية الواجب التصدي لها اليوم تكمن في معالجة المعادلة بين ميثاقية تمثيل طوائف ومذاهب او ميثاقية تمثيل القوى والاحزاب والتيارات الممثلة للطوائف والمذاهب.
مع التذكير انه وفي عهد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة عامي 2005 و2006 – اتهمها المكون الشيعي انذاك – باللا-ميثاقية بمجرد انسحاب وزراء “حزب الله” و”امل” منها في وقت كان بالامكان اعتبارها ميثاقية بمجرد وجود وزراء منتمين الى الطائفة الشيعية الكريمة.
خامساً: ان ما حصل على طاولة الحوار اخيراً عكس بوضوح ازمة خفية مستحكمة بين الرئيس بري والعماد ميشال عون اكثر من ازمة عون مع الرئيس سلام، لان الرئيس بري الداعم الاول لسلام وحكومته واستمرارها والداعم من تحت الطاولة لترشيح الوزير سليمان فرنجيه للرئاسة، بات محرجاً جداً بمواقف “التيار الوطني الحر”، خصوصاً في اثارته موضوع الميثاقية، فضلاً عن تحفظات بري المزمنة على وصول عون للرئاسة الاولى، وقد ادرك الرئيس بري ان الطاولة باتت في مكان ما، عبئاً ثقيلاً عليه بعدما لم تفلح مبادراته وارانبه في الانتهاء مما وصفه “الدلع السياسي”، متيقناً ان الحوار وصل الى طريق مسدود غداة رفض تيار “المستقبل” عرضه الاخير في مهرجان صور.
سادساً: ان ما حصل على طاولة الحوار في جلستها الاخيرة وخروج المتحاورين بقرار تعليق الحوار يساوي في تقويمه السياسي اعلان سقوط الحوار الوطني نهائياً، وهو اساساً لم يكن حواراً بقدر ما كان حلقة جديدة تضاف الى حلقات تقطيع الوقت بانتظار وضوح المشهد الاقليمي ولا سيما تطورات الوضع السوري الذي يبدو انه متجه نحو تقلبات وتطورات دراماتيكية جديدة بعد فشل التفاهم الاميركي – الروسي الاخير في قمة العشرين، وانفتاح الاتراك على وساطة روسية مع النظام السوري، مع زيارة المملوك الى موسكو ولقائه المسؤول الامني التركي حقان فيدان وتصاعد وتيرة التوتر السعودي – الايراني على خلفية مقاطعة طهران لموسم الحج ودعوة مرشد الجمهورية خامنئي الى تنحية ال سعود من ادارة الحرمين الشريفين.