#adsense

الخط “الثوري” داخل البيئة المسيحية

حجم الخط

كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1567

أسّس الشيخ بشير الجميل خطاً سياسياً جديداً داخل البيئة المسيحية، ولم تكن الكتائب بعيدة عنه بعدما كانت جمعت بين الحالة الثورية وقت الخطر، والحالة التقليدية وقت السلم، إذ انها كانت جزءا لا يتجزأ من الطبقة السياسية التي واكبت حقبة الاستقلال وشاركت في السلطة مشاركة فاعلة منذ عهد الرئيس فؤاد شهاب، وبالتالي كان همها الأساس ان تمنع انهيار الهيكل القائم، وهذا بحد ذاته كان يعد وقتذاك من الأهداف الاستراتيجية المهمة.

ولكن اندلاع الحرب بدل في قواعد اللعبة او النظرة إلى الوضع السياسي، خصوصاً ان حرب العام ١٩٧٥ لم تكن مجرد ثورة على غرار ثورة العام ١٩٥٨، وهذا التبديل مرده إلى نشوء حالة سياسية متشددة حيال أي محاولة لإعادة إحياء قواعد اللعبة نفسها التي تبقي مسببات الأزمة قائمة، ومن هنا ولدت انتفاضة الشيخ بشير على هذا الوضع المولِّد للأزمات.

فجيل الحرب الذي شكلت “الكتائب” مع الأحزاب المسيحية الأخرى في البدايات نواته اختلف عن جيل ما قبل الحرب، ليس فقط من زاوية ان التضحيات والأثمان كانت أكبر بكثير، إنما لجهة ولادة نمط جديد من التفكير يرتكز على فكرة أساسية فحواها قيام الدولة التي لا تهتز مع كل عاصفة إقليمية، الأمر الذي يستدعي وضع حد للترقيع المتمادي والذهاب نحو الحلول الجذرية، لانه من غير المسموح إبقاء الناس في حالة من الخطر الدائم.

فولادة “القوات” مع بشير جاءت رداً على واقعين: الواقع المسيحي الذي تلهى بصراعات السلطة بدلا من بناء أحزمة أمان وإبقاء البيئة المسيحية في حال جهوزية عوضاً عن الاسترخاء الذي دخلت فيه على قاعدة ان ما تحقق مع “لبنان الكبير” و”ميثاق ١٩٤٣” ثابت ونهائي، فيما دلت الأحداث أن ذاك كان وهمًا وقد أدى الى انهيار البنيان اللبناني وحلم وجود جمهورية تعددية.

والواقع الآخر لبناني بامتياز لجهة الفشل في بناء شعب موحد حول القضايا المتصلة بالأولوية اللبنانية أكانت سيادية أم أمنية أو اقتصادية وتتصل بأمن المواطن اللبناني ورفاهيته، إذ لا يمكن بناء وطن في ظل خلاف حول البديهيات والأولويات.

ومن هنا أسست “القوات” لنمط سياسي مختلف، إن على المستوى المسيحي برفض المساومات والتنازلات وإبقاء الجهوزية في أعلى مراتبها، او على المستوى الوطني بالبحث عن شراكات إسلامية لقيام الجمهورية القوية التي تشكل مصلحة لكل اللبنانيين، خصوصاً ان قيامها يحول العامل الطائفي إلى عامل ثانوي ويؤدي إلى وحدة حال لبنانية.

وكلام الدكتور سمير جعجع في قداس شهداء “المقاومة اللبنانية” عن ان “القوات” تحمل “بحدّ ذاتها بذور ثورة دائمة” يشكل أفضل توصيف لماهية “القوات اللبنانية” التي تظهرت في محطتين: المواجهة التي خاضها بشير الجميل بحزم وجدية وصولا إلى انتخابه رئيسا للجمهورية والتحول الذي أحدثه في الذهنية اللبنانية التي تعاملت مع انتخابه من منطلق دخول لبنان في مرحلة جديدة قاعدتها الأساسية الدستور والقانون بعيدا عن منطق المحسوبيات والسمسرات والزبائنية السياسية.

والمحطة الأخرى مع جعجع الذي استكمل ما بدأه بشير واثبت بالملموس ان لا انصاف حلول مع هذا الخط، إما الشهادة والاعتقال وإما الانتصار، ويجب الاعتراف ان هذا النمط غير مألوف في الوسطين اللبناني والمسيحي، إذ من غير المسبوق ان يذهب زعيم إلى الاعتقال بإرادته رفضا للمساومة على ثوابته.

ويشكل هذا الخط مصدر فخر واعتزاز، ولكنه يشكل، قبل كل ذلك، مصلحة لكل اللبنانيين، لأن لا مستقبل للبنان في ظل السياسة التي حكمته منذ قيام الجمهورية الأولى، وبالتالي لا ضمانة لمستقبل الشعب اللبناني في وطن آمن وتعددي وديموقراطي ومستقر إلا في حال انتصار هذا الخط اللبناني الذي يرفض المساومة ومنطق المحسوبيات والانصياع لسياسات الأمر الواقع، لأن كل مشكلة لبنان مردها إلى غياب سياسة لبنانية حاسمة وحازمة.

ومن هنا إن الخط الذي أسسه بشير واستكمله سمير سينتصر عاجلا أم آجلا، لأن الشعب اللبناني، وفق ما أكد الحكيم في كلمته في قداس “المقاومة” الأخير، “شبع مصادرة لقراره وتقزيما لدولته وخصوصا لحروب الآخرين على أرضه، كما شبع فسادا واهتراء وشللا، ولن يقف مكتوف اليدين أمام هذا الواقع المزري طويلا، وان رياح التغيير التي هبّت على العالم العربي وأطاحت في طريقها رؤوساً كبيرة، ستهبّ على  لبنان لتغيّر في الوضع القائم”.

فهذا الخط هو لبناني بامتياز وأولويته الوصول إلى دولة ممسكة بقرارها وسيدة على أرضها وعادلة بتمثيلها وغير فاسدة بممارستها، وذلك من أجل ان تجسد تطلعات الشعب اللبناني وأماله وأحلامه، هذا الحلم الذي بدأ مع تأسيس بشير لـ”القوات اللبنانية”، هذه “القوات” التي لن تهدأ ولن تستكين قبل تحقيقه.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل