
كتب د. ريشار قيومجيان في “المسيرة” – العدد 1567
ماذا عسايَ أكتب بعد عن بشير، وقد قيل وكُتِب عنه الكثير عبر الأيام والسنين الغابرة: بشير الإنسان والمناضل والقائد والرئيس، بشير الحلم والأمل والأسطورة، بشير الوجع والحسرة… والدموع.
مع كل ذكرى لبشير، نتخاصم مع التاريخ، نريده أن يتكرر شرط التوقُف فقط عند محطات المجد والفرح والإنتصار، وألّا يمضي صوب أنفاق مظلمة وذكريات سوداء. وفي أيلول من كل عام نهزم ذواتنا قبل أن يهزمنا التاريخ؛ يُكرر الأخير ذاته بدورة كاملة غير آبهٍ بمشاعر البشر، يكره الإتّكاليين والهاربين من المواجهة والمسؤولية، يُمهلهم على أمل أن يتعظوا وهو على يقين أن الشعوب التي لا تأخذ العبر من تاريخها محكومة بتكرار أحداثه السيئة مراراً عديدة.
من الطبيعي أن يستذكر المواطنون والسياسيون رموزهم الوطنية التاريخية في زمن الأزمات: كليمنصو وديغول في فرنسا، تشرشل في بريطانيا، روزڤلت وكنيدي وريغان في أميركا… واللائحة تطول. هكذا اللبنانيون، يفتقدون رموزهم في الملمات وعند القرارات المصيرية فيتصدّر بشير لائحة زاخرة برجال الدولة، تبدأ بكميل شمعون ولا تنتهي بالإمام موسى الصدر والبطريرك صفير (أطال الله بعمره).
بيد أني لست من صنف هؤلاء الذين يتباكون ويلعنون الحاضر مستحضرين أمجاد بشير، أو الذين يختزلون حل مشاكلنا المستعصية بوجود شخص “مثل بشير”. بشير رمز وعبرة ونموذج في الأخلاق والكاريزما والقيادة والإنجازات، هو صفحة رائعة في كتاب تاريخنا المعاصر. أدرسوها بتمعّن ووعي وجديّة واستفيقوا من نوستالجيا رومنسية غير منتجة. لا تبحثوا عن بشير في عجزكم وصغائركم فتسقطوه في فشلكم واخفاقاتكم، بل لاقوه في أفكاركم وإبداعكم وبرامجكم ونجاحاتكم.
عبر مواكبتي لـ “القوات اللبنانية” منذ تأسيسها حتى اليوم، بإنجازاتها وإخفاقاتها، بحلوِ دم شهدائها ومرّ الاقتراع على ثيابها، بنور شمسها الحرّة المتحررة وعتم اغتيالها واعتقالها ونفيها وقهرها، يمكنني القول إن حزبنا اليوم، قد يكون الطرف السياسي الوحيد الذي يعمل بصمت وعمق وعلم وحرفية من أجل ترجمة حلم ورؤية بشير الى واقع ومشروع سياسي متكامل. هو مشروع بناء دولة في لبنان، مشروع قيام الجمهورية القوية.
منذ انتخاب قائدها رئيساً للجمهورية العام ١٩٨٢ وصولاً الى إعلان رئيسها برنامجه كمرشح للرئاسة العام ٢٠١٤، تعرف القوات أي لبنان تريد. وبرغم الانتكاسات العديدة من اغتيال بشير الى اعتقال الحكيم، بقي المشروع وها هو حزبنا اليوم يطرحه بكل وضوح ويُعِدّ العدة على أمل التنفيذ انطلاقاً من إمكاناته العلمية والبشرية والتخطيطية ولكن الأهم انطلاقاً من مواقع الدولة بالذات، الرئاسية والنيابية والوزارية، عبر الرقابة والمحاسبة والتشريع والوصول الى مواقع السلطة. لسنا من المتوهمين بامكانية الحلول السريعة وإن كنّا من الحالمين بوطن نفتخر بحمل جواز سفره. أزمة انتخاب رئيس للجمهورية حالياً هي نموذج صارخ عن صعوبة تحقيق المرتجى ولو كنّا كحزب نملك كل الإرادة الطيّبة ونقوم بكل التضحيات والتنازلات من أجل الحل.
نحلم بدولة بشير كل يوم لكننا أيضاً نملك فكراً استراتيجياً متكاملاً يُؤدي حكماً الى الالتزام بمشروع استراتيجي واقعي، حيث السياسة والإعلام والاقتصاد والمال والأمن والخدمات والدفاع كلٌّ متداخل ومتكامل، وحيث الأفكار تتلاءم مع الإمكانات، والتخطيط مع القدرة على التطبيق.
نريد دولة، نتفق على نظام حكمها بالمشاركة والمساواة فيما بيننا كمجموعات متعددة المذاهب والثقافات، انطلاقاً من دستورنا القائم وسعياً لتطويره؛ نظام يجنبنا النزاعات الدائمة والحروب العبثية في المستقبل.
نريد سلطة قانون وقضاء متجرد يُحاسِب باسم الشعب، يقتلع الفساد من جسم الدولة ومؤسساتها ويضربه أينما كان.
نريد حُكْما يملك هيبة السلطة وقرار الحرب والسلم، فلا سلاح عسكري ميليشياوي ولا أحزاب مرتبطة استراتيجياً بالخارج، بل جيش وطني قوي ومؤسسات أمنية فعّالة تملك وحدها حصرية استعمال السلاح ومسؤولية الأمن والدفاع.
نريد إدارة عامة متطورة إدارياً وبشرياً ومعلوماتياً عنوانها الحكومة الإلكترونية، وتُشْرِك القطاع الخاص في بناء البنى التحتية تمويلاً واستثماراً من أجل أفضل الخدمات لا سيما في قطاعات الطاقة والاتصالات والنقل العام والبيئة ومعالجة النفايات.
نُريد حياة كريمة لكل إنسان وصيانة حقه بالسعادة والعيش الرغيد، فلا يموت مريض على باب مستشفى ولا يبقى ولد خارج مدرسة بل إمكانيات وفرص متساوية للجميع في الطبابة والتعليم والسكن.
قد يكون ما أوردناه آنفاً بعضاً مما وعد به بشير الناس.
وَعَدَهم بوطن ودولة وحكم قوي وإدارة خالية من الفساد.
وَعَدَهم يوم توقف أمام ورشة تزفيت طريق ليتأكد بنفسه من سماكة ونوعية الزفت المستعمل.
وَعَدَهم يوم زار إحدى سرايا الدولة ليراقب دوام العمل وليزف للموظفين خبر انتهاء حقبة الفساد والتغيّب والبخشيش.
وَعَدهم يوم جاءه أحد مستشاريه ناقلاً طلب موظفَيْن كبيريْن استعجلا لقاءه لوضعه في صورة إدارتيهما، فردّ له الطلب قائلاً: “بلّغهما ألا لزوم للاجتماع لأنه من الأفضل لهما أن يستقيلا منذ الآن لأَنِّني أعرف تماماً ملفاتهما المليئة بالمغالطات والمخالفات الإدارية والمالية”.
إنني أرى مسؤولية حِزْب “القوات” مضاعفة اليوم: إنقاذ وطن وبناء دولة. الآمال والطموحات والإنجازات التي ينتظرها الناس كبيرة ومكلفة، والأوضاع الداخلية والخارجية معقّدة وصعبة.
حَسْبُ “القوات” أن تبقى “عَ وعد البشير”.
وحسبُنا أن نبقى ونستمر على قدر التغيير المرتجى، بإرادة صلبة وعزم دؤوب لأنه “لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ، وَلاَ يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]