
كتب عماد موسى في “المسيرة” – العدد 1567
بعيد انتهاء معارك تحرير الكرنتينا (كانون الثاني 1976) سمحت القوات العسكرية المتحالفة (اليمينية) للمراسلين الأجانب بدخول المنطقة المحررة حديثاً وشرح لهم القادة الميدانيون إضطرارهم للقيام بهذه العملية بعد صبر دام أشهراً على ممارسات مسلحي المسلخ والكرنتينا وتماديهم في أعمال القنص وترهيب سكان “الشرقية”. بعد أيام إجتمع الشيخ بشير بالمسؤولين الميدانيين وسألهم: “بتعرفوا يا شباب كيف سمعتنا اليوم برّا؟” وجاءت الأجوبة لتعكس بعض الزهو والرضى بعد الإنجاز النوعي. بعدما إستمع إلى تقديراتهم رمى على الطاولة مجلة “باري ماتش” وعلى غلافها صورة مقاتل يحتفل فوق جثة… وقال: “سمعتنا بالأرض. وهذا غير مقبول”.
وقبل أشهر على استشهاده، كان زرّ البزة العسكرية المفكوك وقلة الترتيب وإطلاق اللحى تعرّض “العنصر” القواتي و”المسؤول” إلى عقوبة مسلكية تطبقها الشرطة العسكرية. يجب أن تكون الصورة طبق الأصل عن المضمون. نظيفة. مرتبة. حضارية. هذا ما أراده بشير.
أدرك القائد الشاب مبكراً أن الحروب السياسية والعسكرية لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بإعلام ملتزم ومنفتح وحرّ في آن ليشكل توازناً مع إعلام كانت تموله بسخاء منظمة التحرير الفلسطينية وبعض الأنظمة العربية. فأسس إذاعة لبنان الحر لتكون صوت المقاومة اللبنانية إلى جانب إذاعة صوت لبنان وأولى رئاستها إلى السياسي الشاب (آنذاك) والطموح دائماً سجعان قزي الذي كتب واحدًا من أجمل خطابات بشير في احتفال عودة “القوات” من زحلة ( 1981) وملّك “القوّات اللبنانية” إمتياز صحيفة “التلغراف” عام 1979 تلك الصحيفة أصدرها نسيب المتني في العام 1945 وسعى لإعادة إصدارها، لكن الكلفة العالية جعلته يعدل عن الفكرة لمصلحة تأسيس محطة تلفزيونية وهي “المؤسسة اللبنانية للإرسال”. كلفة أقل فاعلية أكثر. تأخّر إطلاق ال “إل بي سي” نحو 5 أعوام. وقد شاءت “القيادة الجماعية” في “القوات” إطلاق المؤسسة في ذكرى انتخاب بشير. فمن يذكر أو من يجرؤ على وسم المؤسسة باسم المؤسس الأوّل؟
ونشير إلى أن مجلة “المسيرة”، بصيغتها الحالية، صدرت في الأعوام الأولى بامتياز “التلغراف” ثم تخلت عنه لمالكيه واعتمدت “النجوى” كامتياز سياسي.

ويوم تم تأسيس “القوات اللبنانية” وفق الأسس العسكرية المعتمدة في الجيوش النظامية، كانت الشعبة الخامسة دينامو الحراك الإعلامي العسكري والمدني. وصلة الوصل مع الصحافة المحلية والعالمية، وكانت رئاسة الشعبة من حصة “التنظيم” أحد مكوّنات “القوات” فيما توزعت “رئاسات” الأجهزة الأخرى على “الكتائب” و”الأحرار” و”حراس الأرز” وضبّاط سابقين في الجيش اللبناني.
في المعارك الكبرى مثل “حرب المائة يوم” و”حرب زحلة” ومع اقتراب الإستحقاق الرئاسي العام 1982، تضاعف إنفتاح بشير الجميل على الإعلام المحلّي والعربي والأجنبي وصار يتابع التقارير التي ترده من مكتب العلاقات الخارجية (رأسه لأعوام المحامي نعوم فرح) والشعبة الخامسة وأدخل إلى دائرته الضيقة، قوى إعلامية حليفة في مقدمها فرسان “الوكالة المركزية” الثلاثة جورج بشير وفيليب أبي عقل والراحل فوزي مبارك… ومتّن علاقته بالصحافي الشاب جبران تويني الذي آمن بمشروع بشير. ومن ينسى مقابلة بشير الجميل مع أسرة “النهار العربي والدولي” في آب ملتهب (1982) وكان بين محاوريه الياس الديري ورفيق شلالا وطلال حيدر ونهاد المشنوق محمد زهير مهى سمارة وغيرهم… يومها طرح مشروعه أمام من كان لا يتصور أنه سيجلس مع بشير على طاولة واحدة في الأشرفية…
علاقة بشير الوثيقة مع تويني الإبن لم تكن كذلك مع تويني الأب، ففي كتاب غسان تويني “سر المهنة وأسرار أخرى” قال تويني لمحاوِرِهِ (أنسي الحاج) “لم يكن الشيخ بشير يحب “النهار” كمؤسسة ولا هو فهمها أو فهم مدرستها كصحيفة تعتبر نفسها أعرق منه ومن “الكتائب”، وأكثر مسؤولية عن مصير لبنان.

ويتابع تويني “إلا أن الشيخ بشير(أو “الباش” كما كنا نميل إلى تسميته) كانت له في “النهار” صداقات، وكان له بين مراسليها ومحرريها مؤيدون كما كان له أخصام عنيدون (…) وقد توصلنا إلى شيء من “ميثاق شرفِ” معه، سهّله ربما وجودي في الوزارة في مرحلة بروزه الأولى: لا نهاجم “الباش”، ولا نمدحه ولا هو يؤذينا… وتستمر “النهار” تعارض سياسته إنما من غير إسراف (…) وكان شعارنا مع بشير وشبابه آنذاك: قلوبنا معهم وعليهم ولكن عقولنا ضدهم!” إنتهى كلام تويني الذي عاد وغيّر انطباعه عن بشير من دون أن يسقط خطوط الحذر.
يجمع إعلاميون من الضفة السياسية الأخرى، ممن تسنّى لهم الإلتقاء ببشير مرة أو أكثر، على قوة تأثير القائد الشاب عليهم وعلى تواضعه الجم ولطفه في التعامل معهم وحضوره الذهني المتقد وعدم ممانعته في الرد على أي سؤال مهما كان محرجاً وصادماً. على الرغم من قساوة الحرب وحدة الخطاب الإعلامي والإنقسام المناطقي وعلى الرغم من محاولات تشويه صورة المقاومة اللبنانية، عرف بشير أن يرتقي بانفتاحه وسلوكه الإعلامي وأن يتعالى على الحملات التي ظلمته حياً… ثم شهيداً.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]