
كيف لدولة أن تقوم متى كانت هيبتها منتقصة وقرارها مصادراً؟ سؤال يحز في قلبي وأنا الذي بدأ العمر يتآكلني ولم أر يوماً دولة في بلادي. كأن التاريخ يعيد نفسه، فهذا السؤال شكّل هاجساً في شباب والدي مطلع السبعينات، وكان الجواب اليقين حرب الـ 75 وإنهيار الدولة.
يومها والدي كان ينظر الى الاردن الشقيق ويرى الفرق، واليوم التاريخ يعيد نفسه أيضاً حيث أنظر وارى الفرق في مقاربة عمان للامن وقضية اللاجئين.
ففي ايلول 1970، اعتبرت الحكومة الأردنية أن تصرفات بعض المجموعات الفلسطينية تشكل تهديداً للحكم الهاشمي خصوصاً بعدما عمد “الفدائيون” في 12 ايلول وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية إلى تفجير ثلاث طائرات عقب الافراج عن ركابها، وبعدها بيومين دعت منظمة التحرير الفلسطينية إلى إقامة “سلطة وطنية” في الأردن. فأعلنت عمان حال الطوارئ وتحرك الجيش بناءً على تعليمات الملك حسين ووضع نهاية لوجود المنظمات الفلسطينية في الأردن وفق ما عرف بخطة “جوهر”. ويأتي ذلك بعد فاتورة دموية، إذ وقع أكثر من 500 اشتباك عنيف بين الفصائل الفلسطينية وقوات الأمن الأردنية ما بين منتصف عام 1968 ونهاية عام 1969. وفي 11 شباط 1970 وقعت صدامات بين الطرفين في عمان مما أدى إلى سقوط 300 قتيل معظمهم مدنيون، وبين شباط وحزيران قتل حوالى 1000 شخص.
أما في لبنان، فالتصرفات الفلسطينية لم تختلف يومها، مواجهات دموية وخطف وإشكالات، ولكن الدولة لم تستطع الضرب بيد من حديد لأن المسألة سرعان مع أعطيت بعداً طائفياً، وقسم من اللبنانيين أخذ خيار دعم الفلسطينيين ولو على حساب الدولة والقانون وهيبة المؤسسة العسكرية، لا بل جاء “إتفاق القاهرة” في العام 1969 ليكبّل أكثر فأكثر الدولة اللبنانية.
عندهم أبو إياد هدد أنه سيتدخل ضد الجيش الأردني إذا تعرضت المنظمات إلى أي ضربة عسكرية من قبله، وعندنا أبو اياد جزم بأن “طريق فلسطين تمر بجونية”.
عندهم طالب محمود عباس موفداً من ياسر عرفات إخراج جميع القوات العسكرية الأردنية من عمان واستبدالها بشرطة مسلحة بالعصي فقط، وعندنا “اتفاقية القاهرة” التي خنقت الجيش اللبناني.
عندهم أضحى غور الاردن مسرحاً للعمليات “الفدائية” ضد إسرائيل، وعندنا الجنوب اللبناني تحوّل “فتح لند”.
عندهم تهديدات الحكومات العربية إنهالت على رأس الملك لمنعه من التصدي للانتهاكات الفلسطينية وعندنا أيضاً ولكن مع إستخدام هذه الحكومات لأطراف داخلية.
عندهم عاشوا خطر جعل الاردن وطناً بديلاً للفلسطينيين، وفي لبنان أيضاً.
ولكن عندهم ملك فرض هيبة بلاده بالقوة قال كلمته ولم يسأل عن أحد، ولم يهب رجمه تحت ذريعة “ضرب القضية الفلسطينية”، أما عندنا فإنتهكت الهيبة وسقطت الدولة حين فشلنا بإتخاذ قرار وطني وسارع بعضهم الى إلباسه ثوب الطائفية، فشلنا بتحصين مناعة الجيش وبالسماح بضرب المسلحين، فإنقسم الجيش وإنهارت الدولة. نجح الملك حسين رحمه الله بإنقاذ الاردن من مستنقع الدم، وأخفقنا بإبعاد وحش الحرب عنا.
واليوم مع البركان السوري الذي تطال حممه الامنية والديمغرافية والاقتصادية لبنان والاردن، نرى المشهد يتكرر:
*في الاردن المثقل اصلاً باللاجئين العراقيين والليبيين مخيمات منظمة للاجئين السوريين، ومن خرج منها هو تحت عين الامن بشكل صارم وقسم كبير منهم مسجل. وفي لبنان أيضاً مئات آلاف اللاجئين، ولكن منتشرون بشكل فوضوي على مساحة الوطن عبر مخيمات عشوائية أو متغلغلون في كل القرى والبلدات والمدن.
* في الاردن لا أحد فوق القانون، ففي ثاني محاكمة لمدير مخابرات أردني بعهد الملك عبد الله الثاني، وضع مدير المخابرات العامة الاسبق محمد الذهبي في السجن لمدة 13 عاماً بجرم اختلاس وغسل اموال واستغلال وظيفي، وغرم بثلاثين مليون دولار. وطرحت وزارة المال بيع فيلا يملكها بالمزاد هذا الشهر. وفي لبنان فساد وسرقة وهدر وصفقات بشكل سافر، فيعطّل scanner على معبر حدودي كرمى لفلان، وتنتهك سلامة المطار وحرمته من قبل علتان، ولا من يغلق هكذا ثغرات أمنية جدياً.
* في الاردن كما لبنان مجهود كبير للقوى الامنية وإنجازات بتفكيك الخلايا الامنية وسقوط شهداء، ولكن مع فرق كبير إذ إن مجهود الجيش وقوى الامن اللبنانية مضاعف مع وجود جزر أمنية خارج سيطرة الشرعية.
*في الاردن، الحدود مضبوطة نسبياً وأي تسلل يجابه فوراً بإطلاق النار. أما في لبنان، فالحدود مشرّعة للمسلحين في الاتجاهين وثمة من حال دون نشر أبراج مراقبة.
* في الاردن، عمّان مزروعة كاميرات مراقبة تسهل العمل الامني ومكافحة الجريمة وتعكس جواً من الارتياح، أما بيروت فممنوع عليها التنعم بالكاميرات لأن ثمة فيتو فرضه “حزب الله” يحول دون ذلك.
* في الاردن، اولوية الاولويات تسليح القوى العسكرية والامنية وتعزيز عديدها وعتادها، أما في لبنان فهي تعمل باللحم الحي، تملك الشجاعة والحكمة ولكن تفتقر الى السلاح المتطور والعتاد.
خلال أربعين عاماً، إختلف شكل الخطر، تغيّر اللاعبون، إختلطت الاوراق، ولكن القاعدة لم تتغير: أي دولة تسمح لأي طرف بمشاركتها مشروعها السياسي وخيارها الدبلوماسي وقرارها العسكري أو بإمتلاك مشاريع وخيارات وقرارات رديفة على حساب سيادتها، دولة هجينة فاقدة للهيبة ومشروع ساحة وصندوق بريد في أي لحظة. لذا عسى أن نستطيع الوصول كلبنانيين جميعاً الى الاتفاق ألا خلاص لنا إلا بدولة القانون والمؤسسات وبمفهوم المواطنية، فلا نورث أولادنا السؤال الثقيل الذي عشناه وآباءنا.