
تشكل الدينامية السياسية جزءا لا يتجزأ من الدينامية الإنسانية بحركتها وتطورها وصراعاتها، ويصعب تصور حياة سياسية من دون حركة متواصلة يسعى من خلالها كل فريق إلى تحسين مواقعه وظروفه وتمثيله وفرصه، إلا انه يفترض التمييز بين المواجهات التي تفرض على طرف معين بشكل مفاجئ وتستدعي التعامل معها بالمثل، وبين المواجهات التي يفتعلها أحد المكونات السياسية تحقيقا لأجندته السياسية، لانه في الاحتمال الأول الخيارات محدودة بين الانكفاء والمواجهة، فيما في الاحتمال الثاني المبادرة في يد أصحابها، الأمر الذي يتطلب منهم توفير كل الظروف المواتية التي تمكنهم من تحقيق النتائج المرجوة لمواجهتهم والتي يمكن اختصارها بثلاثة عوامل أساسية:
العامل الأول، العنوان: يشكل عنوان اي معركة سياسية مفتاح نجاحها، لانه يصعب تعبئة الناس واستقطابها على عناوين ثانوية وفرعية، ولذلك يجب اختيار العنوان الذي يعكس اهتمام الرأي العام، وان يكون قابلا للتحقق.
العامل الثاني، التحالفات: يفترض توفير البيئة الحاضنة لإنجاح اي تحرك سياسي والمقصود التحالفات السياسية، إذ بقدر ما تكون التحالفات واسعة بقدر ما نجاح هذا التحرك يكون مضمونا.
العامل الثالث، التوقيت: التوقيت السياسي لأي مواجهة سياسية كفيل بإنجاحها او إجهاضها، وغالبا ما يكون التوقيت أهم من العنوان والتحالفات.
وعليه، تشكل العوامل المشار إليها أعلاه خريطة الطريق المضمونة مبدئيا لإنجاح اي تحرك سياسي والتي يفترض بكل فريق سياسي ان يسعى لتوفيرها قبل الشروع في مواجهته السياسية من اجل ان يضمن مبدئيا نجاح هذه المواجهة، وخلاف ذلك سيكون الفشل من نصيبه، خصوصا في حال رفعه لعناوين فضفاضة غير قابلة للترجمة ولم يأخذ في الاعتبار اللحظة السياسية والبيئة الحاضنة لحركته.
ومن هنا يفترض بأي فريق سياسي تجنب المواجهات السياسية في غياب العنوان الذي يشُّد الناس والتحالفات القوية والتوقيت المناسب، إلا في حال فرضت عليه مواجهة غير متوقعة، لان لا مصلحة لأي فريق بان يخسر في الجولات والنقاط باستمرار، فيما باستطاعته تهيئة المناخات التي تمكنه من تسجيل هدفه السياسي.
ويخطئ كل فريق سياسي يعتبر ان المواجهة السياسية تشكل القاعدة الأساسية للعمل السياسي، فيعمد إلى فتح مواجهة فور الانتهاء من مواجهة، لأن المواجهات المفتوحة ترهق الناس وتجعلها لا تميز بين عنوان وآخر، وبالتالي المواجهات بهذا المعنى يجب ان تكون الاستثناء لا القاعدة، وعندما تتحول إلى قاعدة تفقد أصحابها القدرة على تحقيق الانتصارات، كما تفقدهم عامل الثقة بقدرتهم على ممارسة السلطة، وترهق القوى الحليفة لهم.
فالمواجهة، أي مواجهة، يجب ان تكون مدروسة لا عشوائية ومتسرعة وغب الطلب، لانها كفيلة، متى كانت عشوائية، بتفريغ عنوان المواجهة، على أهميته، وتمييعه وضربه بما يخدم الخصوم، فيما المصلحة العليا تقتضي حماية العنوان وتحصينه عن طريق توفير كل مستلزمات المواجهة التي تتيح تحقيق الأهداف التي يجسدها هذا العنوان.